‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاجتماع. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاجتماع. إظهار كافة الرسائل

السبت، 1 أبريل 2017

قوة الدين في المجال العام

قوة الدين في المجال العام


نقلا عن موقع مؤمنون بلا حدود 
قراءة : مصطفى عبد الظاهر
الدين ظاهرة مدهشة تلعب في حياة الناس أدوارا متناقضة، يمكن له أن يدمر، أو أن يبعث الحيوية، يستجلب النوم أو يدعو إلى الصحو، يستعبد أو يحرر، يعلم الخنوع أو يعلم الثورة".

بهذا الاقتباس للمصلح الإسلامي وعالم الاجتماع الإيراني الكبير د.علي شريعتي، يبدأ "كريج كالهون"كلمته في ختام المؤتمر الكبير الذي عقد في نيويورك عام 2009 في القاعة التاريخية باتحاد كوبر تحت عنوان: "قوة الدين في المجال العام "، حيث قدمت المداخلات الأربع ليورجين هابرماس وجوديث بتلر وتشارلز تايلور وكورنيل ويست، ثم أصدرت المشاركات الأربع في كتاب تحت نفس العنوان؛ منقحة ومحررة عن طريق إدوارد منديتا وجوناثان فانانتوبرين، ثم أصدرت الطبعة العربية بترجمة المترجم العراقي فلاح رحيم عن دار التنوير اللبنانية بالاشتراك مع مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد بإشراف الدكتور عبد الجبار الرفاعي.
هذا الاقتباس السابق ذكره لعلي شريعتي، يصلح كحجر أساس لفهم الأطروحة الرئيسة لهذا الكتاب القيم، فلقد عكفت الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة، طوال عقود على فهم الدين وعلاقته بالفضاء الاجتماعي، وكيفية نشوء مساحاته وآلياته وكيفية شغلها،وتفسير "الاحتياج" الموضوعي أو الذاتي الذي يؤدي لخوض تجربة دينية سواء "بإنشائه" أو بخوض تجربة ممارسته واللجوء إليه؛ فمن ماكس مولر (1823- 1900) الذي استخدم نظرية داروين في النشوء والارتقاء لفهم تكون الدين أصلاً في المجتمعات، وقاده ذلك إلى نظرية قائمة على أن تطور اللغه هو الأصل في ظهور الأديان والسحر
من مولر إلى ماركس في نظريته عن الدين الذي يراه مظهراً من مظاهر الهرب من مواجهة الاستغلال الاقتصادي وفرويد الذي يرى أن الدين هو اختراع ذاتي ناتج عن اصطدام اللاوعي بضغوط المجتمعات، فهو تجربة تدور رحاها بين الوعي واللا وعي وبين الأنا والأنا الأعلى.
وغير ذلك الكثير من النظريات الغربية في تفسير نشوء الدين والحاجه إليه، والتي هي على تنوعها تتفق على نتيجة واحدة، هي أن الدين لابد وأنه بمرور الوقت يزدادا ضموراً وهامشية لصالح المساحات التي يحتلها عقل "الأنوار" بانتظام في الفضاء الاجتماعي الحديث.
إلا أن هذه النتيجة أو الفرضية بالأحرى، تصطدم بالواقع عودة "الديني" وتزايد قدرته على اجتذاب أعداد أكثر من الناس وخاصة في الغرب، بل وحتى نزوع قطاعات كبيرة من المثقفين إلى مصدر لإنتاج "المعنى"، الأمر الذي يحاول فلاسفتنا الأربعة في هذا الكتاب نقاشه، فالمجال العام ليس فضاء للنقاش العقلاني البحت أو التوافق الطوعي الخالص ولا الدين مجرد شأن خاص.
فحسب هابرماس، فإن المجال العام الذي بدأ بالظهور في القرن الثامن عشر تطور بوصفه فضاء اجتماعيا متميزاً عن الدولة والاقتصاد والعائلة فيه يمكن للأفراد أن يتواصلوا فيما بينهم كمواطنين مستقلين من أجل التداول في الصالح العام  فهو بحسب تعبيره "القوة غير المفروضة بالقوة" التي يحوزها الجدال الأفضل.
فهابرماس في مداخلته قد قدم موقفاً أكثر اعتناء بمكانة الدين في المجال العام من رأيه الأول في كتابه "التحول البنيوي للمجال العام" حسب النقاد، فيرى أنه يجب أن يتم تطوير موقف "مابعد علماني" يأخذ في الحسبان الحيوية العالمية المتواصلة للدين ويستفيد من الاستبصارات الأخلاقية التي يحملها الدين بشرط أن تترجم إلى لغة عقلانية "اتفاقية" كي تبث عبر المجال العام.
يصل هابرماس إلى ذلك عبر أطروحة نقدية مكثفة لفكرة الفيلسوف الألماني "كارلب شميت"عن"اللاهوت السياسي" فيرى هابرماس أن كل الذي خشي منه شمت قد حدث بالفعل، ولم تعد الدولة الحديثة تستمد سلطتها من هذا الأصل الوجودي، ولا يمكن أن تتم محاولة إعادة الدين إلى المجال العام عن طريق رد أساس سلطة الدولة إلى أساس لا يحتكم إلا للكتب المقدسة.
ويقدم الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور صاحب الكتاب الشهير"عصر العلمانية"،وهي بعنوان "لماذا نحتاج إلى تعريف جذري للعلمانية " يقدم فيها قراءة فينومينولوجية للعلمانية، فيقول بأن الدولة التي يمكن أن توصف بالعلمانية ليست التي تنصب علمانيتها كمتاريس بينها وبين كل ماهو ديني وتفترض فيه كل خطأ بشكل قبلي بناء على ما سماه "أسطورة التنوير"، بل هي الدولة التي تضع بينها وبين الأفكار المتنوعة داخلها مسافة أولية تسمح لها أن تتعامل بحيادية مع كافة الأفكار، معرجاً على حالات منع ارتداء الحجاب في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والمشكلات من هذا القبيل في المجال العام الأوروبي.
وتقدم الفيلسوفة النسوية المعروفة جوديث بتلر مشاركتها بعد نقاش سريع بين هابرماس وتايلور، في فصل ثالث من الكتاب، قائمة على محاولة "نحوية" في تفسير المجال العام، تجادل فيها عن أهمية اللغة في إخراجنا للوجود، كفاعلين اجتماعيين، لا يمكن أن نخرج إلى الوجود الاجتماعي إلا عن طريق الحصول على أسماء، وهو ما يعني أنه لا سبيل إلى منع إمكانية أن نستدعى بطرق مؤذية مقلقة، ولا سبيل إلى تلافي هذا الوهن الأولي الناتج عن لغة لم نشارك أبداً في وضعها، هي التي تمنحنا المكانة الأنطولوجية المؤقتة اللازمة، الأمر الذي يقوض حدود الفاعلية ويغلق بضربة واحدة إمكان الفاعلية الجذرية، مثل ممارسة الترهيب عبر إطلاق تهمة معاداة السامية على كل منتقد لإسرائيل حتى وإن كان يهوديا\!
تقدم بتلر أطروحتها السابقة عبرمجموعة من الملاحظات عن الأساس الديني للمجال العام، والذي كان محدداً رئيساً للفصل بين ما هو عام وما هو خاص، وتضرب مثلاً مفصلاً عن الفرق بين الأخلاق التي تحويها اليهودية كدين، والتي تدعو للتعايش، وما هو متجذر في الثقافة اليهودية التقليدية بسبب تقاليد الشتات، فيكون التعايش بذلك شرط حتمي سابق على تكون أية أمة من الأمم،وبين ما تكرسه الصهيونية كسردية علمانية تكرس للعنف ومصادرة حقوق الفلسطينين وتدمر كل فرصة للعيش السلمي المشترك.
أما المداخلة الأخيرة، فهي لناقد ومثقف وناشط أمريكي أسود،هو كورنيل ويست الذي يقدم نفسه على أنه مسيحي اشتراكي ومتفلسف، وموسيقي أيضاً، تغطي كلمته لهجة كوميدية لطيفة ملؤها الدعوة للتعايش، ولتفهم الخطابات المتنافرة في المجال العام عن طريق نقد التجربة البراجماتيه الأمريكية، من خلال قيم المسيحية النبوية التي شكلتها التجربة الأفرو أمريكية. من خلالها ينتقد ويست صوتين أمريكيين آخرين؛هما ريتشارد رورتي وجون رولز، وهما من حماة الليبرالية الأمريكية التي يعتبرها ويست "علمانية دوغمائية " تمارس دور الشرطي على المجال العام وتحرمه من أفكار متنوعة بتنوعه الداخلي، والتي ربما تكون افكاراً تنويرية أيضاً!
يمكننا أن نستفيد كثيراً كعرب، أياً كانت انتماءاتنا الفكرية، من هذا النوع من السجالات العلمية في مجتمعات تحاول ألا تكون أحادية تحت أي مسمى،حتى وإن كان "التنوير،ومن خلال مثقفين تعلموا أن يثروا المجال العام في مجتمعاتهم بآرائهم لا بما حفظوه من آراء غيرهم أو أنساقهم الفكرية.





الخميس، 17 مارس 2016

المتخيلات الاجتماعية الحديثة

المتخيلات الاجتماعية الحديثة



فكرة الكتاب المركزية تتمحور في استكشاف آليات وأنماط”الفهم المشترك الذي يجعل الممارسات الاجتماعية ممكنة، ومشروعة” في الغرب الحديث، وهو يرصد جوهر التحولات في البنية الذهنية العامة للخيال الغربي الحديث، التي جعلت من الحداثة السياسية والاجتماعية والاقتصادية أمراً واقعاً ومشروعاً

فرضية  تايلور الأساسية في هذا الكتاب هي في مفهوم النظام الأخلاقي للمجتمع، والذي كان فكرة في أذهان مفكرين، وكتاب، وأدباء،
 ثم انتشر وتدريجياً أضحى يشكل المخيلة الاجتماعية لشرائح اجتماعية واسعة، وهذا ما ساهم في بناء “المتخيّل الاجتماعي الغربي الحديث” والذي يتكون بالأساس من قيام أشكال اجتماعية بعينها، هي الاقتصاد (اقصاد السوق)، والمجال العام، والحكم الذاتي (الشعب الذي يحكم نفسه بنفسه



الجماعات المتخيلة - تأملات في أصل القومية وانتشارها

الجماعات المتخيلة 

 تأملات في أصل القومية وانتشارها



يؤكد أندرسن تمييزاً نظرياً وتاريخياً مهماً بين القومية الرسمية التي تنشأ تبني الإمبراطوريات القومية هوية لها عبر محاولة فرض لغة وهوية على مناطق متعددة القوميات من جهة والقومية الشعبية الصاعدة بتحالف الطبقة الوسطى والانتلجنسيا والطبقات الفقيرة والمتشكلة باللغة وبغيرها من خلال السعي لتحقيق حرية الأمة وسيادتها ضدالإمبراطورية غالباً من جهة أخرى، وهو ليس بعيداً من تمييزات ماركس وإنغلز في سياق مختلف بين القومية البولندية والإيرلندية من جهة والقومية الروسية من جهة أخرى، ولكن لايذكرهما في هذا السياق فمع ازدياد انتشار اللغة القومية ومد المشاعر القومية على مستوى شعوب الإمبراطوريات وخاصة الشعوب الكبرى والأكثر قرباً من مقاليد الحكم وتضعضع شرعية السلالات غير القومية الحاكمة التي كانت تعتبر الولاء لها هو الولاء للوطن، في حين ليس لها وطن أصبح لزاماً على أبناء هذه السلالات الذين يحكمون شعوباً أن يتبنوا قومية هذه الشعوب ولغتها التي لم يتكلموها أحياناً، فكما هو معروف كانت الفرنسية لغة بلاط آل رومانوف في سان بطرسبورغ القرن الثامن، وكانت الألمانية لغة الكثير من نبلاء الريف في روسيا وبولندا وأوكرانيا ولاشك في أنه في القرن التاسع عشر ومع بدء نشوء الحركات الشعبية والاشتراكية الرومانسية نشأ خطر تطابق أو على الأقل تداخل الحقد الطبقي مع المشاعر الوطنية والقومية الروسية.. وبات الموقف المعادي للطبقات الحاكمة موقفاً وطنياً وقومياً روسياً بجد. أو يوجد له جذوراً في اللغة والتراث، وفي أعقاب غزو نابليون وحاجة القيصرية إلى تضافر الشعب في الدفاع عن الوطن نشأت الحاجة إلى تبني الارستقراطية الحاكمة للقومية الروسية واقترح الكونت سيرغي أوفاروف في تقرير رسمي عام 1832 أن تقوم المملكة على ثلاثة مبادئ هي الأوتوقراطية والأرثوكسية والقومية لقد كان المبدأ الثالث جديداً تماماً بل سابق لأوانه نوعاً ما في عصر كان نصف الأمة لايزالون أقناناً وأكثر من نصفها يحتفظون بلغة أم غير الروسية..‏

لقد أبدى الموظفون من أمثال أوفاروف وعياً لمصلحة القيصرية أعمق من القياصرة أنفسهم فقد قاومت القيصرية تطبيق الروسنة التي اقترحها طيلة نصف القرن التالي إلى أن أصبحت سياسة رسمية في عهد الكسندر الثالث وذلك بعد زمن من ظهور القوميات الأوكرانية، والفنلندية والليتوانية وسواها ضمن الإمبراطورية.. ولذلك فإنها ساعدت في توحيد وتشكيل أمة عظيمة كالأمة الروسية بشكل غير مسبوق، ولكنها أيضاً أدت إلى صراعات سيكون لها أثر كبير فيما بعد حتى في نشوء قوميات أخرى.‏

ماجرى في روسيا في عصر الكسندر الثالث هو ماقامت فيكتوريا فون ساكس- كوبرج- غوتا- بلقبها المثير من حيث مدى تدليله على قوميتها، بتطبيقه كان حكم ملكة انكلترا وإمبراطورة الهند لاحقاً، مفصلياً في انطلاق (قومية رسمية) على الطريقة اللندنية، وكانت تبدي كثيراً من أوجه التشابه مع الروسنة التي تبناها القيصر الروسي كما أقدمت إمبراطورية آل هبسبورغ هي الأخرى على تبن متأخر للقومية في عملية الألمنة التي تمت وقبلهم تبنت الألمنة بنجاح أكبر سلالة آل «هوهن تسولرن» في بروسيا فساهمت في دعم بسمارك في توحيد ألمانيا. أما الألمنة في الإمبراطورية النمساوية الهنغارية فقد ساهمت في تفكيك الإمبراطورية كما حصل أيضاً في حالة تبني آل عثمان للتتريك..‏

ولايميز اندرسن بشكل واضح بين إمبراطوريات تخضع لها شعوب أوروبية وتؤدي عملية الروسنة أو الألمنة فيها إلى الاصطدام مع وعي قومي محلي متمرد عليها والأثغلة مثلاً في الإمبراطورية البريطانية التي تخضع لها شعوب غير أوروبية فتنجح في اسكتلندا فقط أما في الهند وغيرها فتتخذ مساراً استعمارياً إذ تنجح في تنمية نخب موالية تساهم في إدارة الهند، ويمكن أيضاً أن ترسل إلى بعض المستعمرات الأخرى في رتب دنيا، وهي نخب تتبنى الإنكليزية لغة ومسلكاً ولكنها تصطدم مع حدودها بين مواطنيها في بلدها وعند الإنكليز وتكتشف أن الإنكليزية لاتكفي لكي تنتمي إلى المتروبول، وهي لاتتحول إلى نخبة بريطانية إمبراطورية فعلاً فتنقلب هذه في الجيل الثاني والثالث إلى نخب قومية ضد الإمبراطورية أو تحيد داخلياً من قبل القومية الشعبية الصاعدة.‏

أما الييبتة في الإمبراطورية اليابانية فوقعت على مناطق منسجمة إثنياً ولغوياً فنجحت القومية الرسمية إلى حد بعيد وبقي الإمبراطور رمزها بعد تبني القومية والإصلاح الذي جرى على أثر وصول الميجي إلى العرش وعندما طبقت اليابان الأنموذج القومي الإمبراطوري على كوريا والفيلبين وبورما وتايوان فقد واجه المييبثون نفس مشكلة المثقفين الهنود وغيرهم في المستعرات وانتهت التجربة إلى فشل ذريع.‏

يميز أندرسون في هذا الكتاب بالتدريج من خلال تطوير فرضياته ومن دون أن يخصص فصلاً لذلك بين ثلاثة أنماط من القومية والقومية الرسمية والقومية الشعبية وجمهوريات المواطنين التي جاءت بها الجمهوريات الأميركية إلى العالم كنوع من القومية أي إنه أصبح لقوميات القرن العشرين طابع قياسي نمطي لأنها تستطيع أن تستند إلى هذه التجربة الإنسانية وقبل كل ذلك فإن فكرة «الأمة» هي الآن معششة بقوة وثبات في جميع اللغات الطباعية ولم يعد بإمكان الانتماء القومي أن ينفصل عن السياسي ولم يعد الوعي القومي ينفصل عن الوعي السياسي



الجمعة، 4 مارس 2016

الأسرة في الغرب

الأسرة في الغرب

أسباب تغير مفاهيمها ووظيفتها




كلمة الغلاف: الأسرة في الغرب هذه الدراسة جاءت في وقت العمل الإسلامي الراشد لتحصين المجتمع من موجات العلمانية وهي تمتطي متن العولمة وتستهدف نظام الأسرة في الإسلام بحسبانه سر تماسك مجتمعات المسلمين. ويتخذ هذا الاستهداف تغيير شريعة الأسرة بالصكوك الدولية كاتفاقية "سيداو"، وتغريب الحياة الاجتماعية عن طريق تغريب مناهج التعليم وعن طريق البث الفضائي والشبكي. حللت الكاتبة المرجعيات الفكرية للتوجه العلماني اللاديني. وكشفت عن اتجاهات الحركة الأنثوية المصادمة للدين والفطرة وقدمت هذا التحليل والكشف بين يدي مفهوم الأسرة في الإسلام الذي يمثل التحصين الفكري والأخلاقي الذاتي في وجه الاستهداف. أ.د. أحمد علي الإمام رئيس مجمع الفقه الإسلامي بفكر المهموم ونظر الفاحص خرج هذا الكتاب، غاصت فيه الكاتبة في تطورات الفكر والنشاط البشري عند أولئك الناس في أعز ما تملك المجتمعات من أسس الترابط وهو الأسرة. والقارئ سيجد عملاً متكاملاً ذا بناء قوي فكراً ومنهجاً، قدمت فيه الكاتبة بعد العلم والتمحيص ما يسد ثغرة تأتي منها رياح الفساد في الأرض ليبقى الخير إن شاء الله. أ.د. محمد أحمد الشامي عميد كلية اللغة العربية جامعة أم درمان الإسلامية طوفت الكاتبة في ساحات أمر هام هو أساس مجتمع الإنسان وبوتقته التي تنصهر فيها عناصره وتبرز سمات تميزه وهو الأسرة سبرت الكاتبة أغوار الموضوع في المجتمعات الغربية التي ظلت تدير مقود التأثير في العالم مستفيدة من أسباب القوة المادية التي مكنتها قبلاً من التوسع واحتلال الشعوب وفرض رؤاها رغبة ورهبة. والكتاب دراسة عميقة ودقيقة جاءت في وقت الحاجة إليها، ولا شك أنه سيفتح أبواباً للتفكير والنظر والحوار لوضع معالجات للهجمات المتلاحقة على النظم الاجتماعية والقيم الدينية في العالم الإسلامي أ.د. علي أحمد محمد بابكر أستاذ الفقه ورئيس مجمع اللغة العربية



الخميس، 3 يوليو 2014

فلسفة الاجتماع في الشريعة الإسلامية

فلسفة الاجتماع في الشريعة الإسلامية



خلاصة هذا البحث منقولة من صفحة المؤلف على تويتر

- الكتب التي تحدّثت عن موضوع الاجتماع والاختلاف لا تخرج عن ثلاثة اتجاهات:
2- الاتجاه الأول: دراسات اهتمت بالجانب الأخلاقي وآداب الاختلاف، وهدفها: بناء المنظومة الأخلاقية التي تحكم الاختلاف في الإسلام.
3- الاتجاه الثاني: دراسات اهتمت بمباحث المحكمات وضابط الخلاف السائغ وغير السائغ، وهدفها: ضبط الشريعة وصيانتها من التحريف والتبديل.
4- الاتجاه الثالث: دراسات اهتمت بمباحث الجماعة وطاعة ولي الأمر، وهدفها: بناء مفهوم الجماعة في الإسلام والتحذير من التفرّق والشذوذ.
5- ورغم ما في هذه الدراسات من فوائد جليلة إلا أنني لم أجد دراسة جادّة جمعت شتات تلك الاتجاهات ووازنت بينها موازنة علمية كافية؛ لتُخرج لنا فلسفة متكاملة حول موضوع الاجتماع.
6- ثم إن غياب عنصر الموازنة عن تلك الاتجاهات قد أثّر على تأصيلها التأصيل الشرعي المعتدل الذي يراعي تنوّع نصوص الشريعة في معالجة مسائل الاجتماع والاختلاف.
7- ويمكن تلخيص أبرز النتائج الواردة في البحث في النقاط التالية:
8- اختطت الشريعة مسارين؛ لمعالجة الاختلاف الواقع في بني آدم؛ الأول: المسار الإصلاحي الذي يدعو إلى التوحيد وأصول الإيمان، وبيان ما يسع فيه الاختلاف وما لا يسع، وهذا المسار يمكن التعبير عنه بـ ما يضاد الكفر والبدعة. وهو الذي أسميناه في البحث بـ الاجتماع الديني.
9- والثاني: المسار التنظيمي الذي يدعو إلى لزوم الجماعة، وينهى عن الفرقة والشذوذ، وهذا المسار يمكن التعبير عنه بـ ما يضاد الفتنة والتنازع. وهو الذي أسميناه في البحث بـ الاجتماع الدنيوي.
10- معنى الاجتماع الديني من حيث الإجمال هو اجتماع الناس على لزوم الكتاب والسنة والاعتصام بهما، ومن حيث التفصيل نوعان: اجتماع على اتباع المحكم واجتماع على اعتبار الخلاف السائغ.
11- يقوم الاجتماع الديني بمهمتين أساسيتين هما: حفظ الدين من التبديل والتحريف والزوال، وحفظ المجتمع من التنازع والتقاتل والشقاق.
12- الاجتماع الديني هو المحور والمركز؛ وتتجلّى مركزيته في شيئين: أنه الغاية من خلق الإنسان، وأن مفهومه ثابت لا يتغيّر.
13- تعاملت الشريعة مع الخلاف بنوعيه (السائغ وغير السائغ) وفق قاعدتين هما: قاعدة العلم التي تحفظ معاني الشريعة وتعصمها من الاختلال، وقاعدة العدل التي تحفظ حقوق المختلفين وتعصمهم من العداوة والبغضاء.
14- معنى الاجتماع الدنيوي: تحقيق أمن المجتمع وعدالته وقوّته ومنع أسباب الفتنة والتنازع والاحتراب عنه.
15- حفظ نظام المجتمع واستدامة صلاحه وفق أحكام الشريعة هو المقصد العام من التشريع.
16- يُعبَّر عن الاجتماع الدنيوي في العلم القانوني بـ "النظام العام"، وعالجته الشريعة تحت مُسَمَّى "نظام الولاية".
17- من مفهومي "الاجتماع الديني والاجتماع الدنيوي" يتشكّل الإطار العام لفلسفة الاجتماع في الشريعة الإسلامية.
18- هذان الأصلان "الاجتماع الديني والاجتماع الدنيوي" يعضد بعضهما بعضًا للانتقال بحالة الاجتماع البشري من النقص إلى الكمال.
19- النظام العام مصطلح قانوني، ومعناه: الأسس التي يقوم عليها كيان المجتمع ويتحقق بها أمنه واستقراره.
20- النظام العام -بهذا التركيب- لم يرد في لغة الفقهاء لكن أساسه وجوهره متداول بينهم؛ لأنه يتمثّل في مجموعة من المشتركات الإنسانية التي لا غنى لأي مجتمع عنها.
21- من الأدلة الشرعية المباشرة على مضمون "النظام العام": العهود والمواثيق، ولزوم الجماعة.
22- العهود والمواثيق نوعان: معاقدة بين أفراد المجتمع الواحد، ومعاقدة بين مجتمع وآخر. والقصد منهما -جميعًا-: تحقيق الأمن والسلم المجتمعي.
23- المهمة الرئيسية لفكرة "الجماعة" في الإسلام: المحافظةُ على انتظام المجتمع وفق الشريعة ومنع أسباب اختلاله.
24- الجماعة هي الولاية التي مرجعيتها الكتاب والسنة، حيث جاء لفظ "الجماعة" في النصوص الشرعية بمعنى اتباع الكتاب والسنة "الاجتماع الديني" وجاء بمعنى طاعة ولي الأمر "الاجتماع الدنيوي.
25- ولا تناقض بين الأمرين، بل بعضهما يعضد بعضًا للوصول إلى النموذج الفاضل من الاجتماع البشري الذي يجمع بين قوة المجتمع عبر تحقيق الاجتماع الدنيوي وهدايته عبر تحقيق الاجتماع الديني.
26- معنى الجماعة في النصوص الشرعية نسبي، يشمل كل اجتماع تنظيمي يفضي إلى قطع المنازعة والاقتتال.
27- ومن ثمَّ فإن الجماعة تُطلق ويُراد بها الاجتماع على الإمام الأكبر، وتُطلق ويُراد بها ما دون ذلك من الولايات كنظام الأسرة والثلاثة في السفر وأمير البلد ونحو ذلك.
28- وبالجملة فهي تشمل كل موضع مظنة نزاع وفوضى إذا خلا من الولاية.
29- مفهوم الاجتماع أعمّ من مفهوم الجماعة، ذلك أن النصوص الآمرة بالاجتماع تتضمن الأمر بالجماعة -أصالةً-، وتزيد عليه بالنهي عن كل ما يتسبب في الفتنة والافتراق، سواء أكان تحت مظلة شرعية أم لا.
30- معنى "إذا لم تكن جماعة" الواردة في بعض الأحاديث: أي إذا لم توجد ولاية شرعية للمجتمع تحفظ تماسكه وأمنه واستقراره، وبعبارة أخرى: إذا لم يوجد نظام عام يحمي المجتمع من الفتنة والفرقة والاقتتال.
31- الحد الأدنى من النظام العام يتكوّن من ثلاثة عناصر أساسية هي: الأمن في مقابل الخوف، والقوة في مقابل تسلّط الأعداء، والعدل في مقابل الظلم، سواء في الرأي الشرعي أم القانوني أم الفلسفي.
32- تطبيق الشريعة مشروط بوجود حدّ أدنى من النظام العام في المجتمع " أي مشروط بأن لا يؤدي إلى الفوضى والاختلال"، وأن أيّ إصلاح ديني يتجاوز هذا المبدأ ينقلب إلى إفسادٍ في الأرض وإهلاكٍ للحرث والنسل.
33- وليس المراد بذلك المحافظة على نظام قائم من الاختلال فقط، بل يُراد أيضًا أنه حتى في حالة تغيير نظام قائم لابد من وجود القدرة على بناء نظام بديل يحرس الأمن والعدل والقوة ليتأسس عليه تطبيق الشريعة.
34- الحد الأدنى من النظام العام مأمور به كله، ولو تضمن في بعض تطبيقاته ما يخالف بعض نصوص الشريعة.
35- وظّفت الشريعة الإسلامية "سنة التدافع" في حمل لواء الإصلاح والدعوة للمنهج الحق عند استقرار النظام العام في المجتمع الإسلامي وقوته. فإذا ما تعرّض هذا المجتمع للخطر تحوّلت وظيفة "سنة التدافع" إلى حماية نظامه العام والذبّ عنه.
36- من أهم صور "سنة التدافع" وأعظمها: فريضة الجهاد، ولا يختلف أهل العلم في أنها مشروطة بالمحافظة على النظام العام في المجتمع المسلم، مثلها مثل أحكام الشريعة الأخرى.
37- صياغة التشريعات والتصرفات التي بها ينخرم النظام العام من اختصاص المجتمع ككل وليست من اختصاص فصيل معيّن أو طائفة مخصوصة. وهذه نقطة حساسة وجوهرية.
38- يُعتبر مفهوم الولاية من أهم الأصول الشرعية التي عالجت موضوع الاختلاف والتنازع، إلا أنه لم ينل حظه الكافي من التنظير الفقهي والعقدي، حيث انصبّت عناية كثير من أهل العلم على شكل الولاية أكثر من العناية بجوهرها.
39- تتفق كلمات فقهاء السياسة الشرعية بأن مقصود الولاية هو حراسة الدين وسياسة الدنيا، وهذا المعنى يتساوى مع مفهومي: الجماعة والنظام العام، ذلك أن هذه المفاهيم الثلاثة "الولاية والجماعة والنظام العام" تتجه نحو تقرير فكرة واحدة، وهي بناء نظام الدنيا وفق أحكام الكتاب والسنة.
40- مفهوم الولاية أوسع بكثير من اختزاله في مفاهيم "الطاعة" أو "النصيحة" أو "الحاكمية" كما هو متداول في الدرس الشرعي السائد، بل مقصده الأساسي حفظ نظام المجتمع من الاختلال والفوضى وفق نظام الدين.
41- الآلية الصحيحة لبناء نظام الولاية "النظام العام" وفق مقاصده وأهدافه التي شُرع من أجلها هي الشورى والتوافق بين مكونات المجتمع المختلفة. وفي المقابل فإن الجو الأمثل لنشوب صراعات داخلية هو الاستبداد والتفرّد بالرأي.
42- وكما أن صياغة نظام الولاية مسئولية مشتركة، فكذلك حمايته هي الأخرى مسئولية مشتركة، فعلى صاحب الولاية واجبات تجاه المجتمع وعلى المجتمع واجبات تجاه صاحب الولاية.
43- نظام الولاية ليس مفهوما واحدا، وإنما هو عبارة عن دوائر متداخلة ومتقاطعة، أي بينها عموم وخصوص مطلق أو عموم وخصوص وجهي، ويتوجب على كل دائرة أن تضع علاقات نظامية مع الدائرة الأكبر منها.
44- السلسة التي ينبغي أن تَنْظِم هذه الدوائر كلها هي قاعدة الحدّ الأدنى من النظام العام وتقديم المصلحة العليا على ما دونها من المصالح، مع أهمية العمل على التنسيق بين هذه الدوائر والتقريب بينها عبر المسار الدعوي والإصلاحي.
45- المعنى الكلي للولاية بكافة درجاتها ومستوياتها هو: الحفظ والرعاية ووضع التدابير اللازمة لمنع التنازع والفرقة والضياع.
46- ومن ثمّ فكل موضع يحتاج إلى حفظ ورعاية أو كان مظنة تنازع وفرقة؛ تُشرع فيه الولاية. وتزداد درجة المشروعية بقدر حاجة الناس إليها وبقدر إثارة الظن بوقوع الفتنة عند غيابها.