‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدولة والشريعة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدولة والشريعة. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 14 أغسطس 2017

الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية

الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية

 


 منقول من موقع المكتبة الشاملة
قراءة في كتاب

الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية
المؤلف: الدكتور حامد عبد الماجد قويسي.
الناشر: دار التوزيع والنشر الإسلامية.
حجم الكتاب: 566 صفحة من الحجم الكبير.
عرض: وائل عبد الغني.

هذه الدراسة المنهجية المتخصصة في النظرية السياسية الإسلامية نال بها
الباحث درجة الماجستير من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة.
تنطلق الدراسة من افتراض مفاده: أن النجاح أو الإخفاق على المستوى الداخلي
والخارجي في ممارسة الوظيفة العقيدية للدول أو الأنظمة التي تعاقبت على حكم أمة
الإسلام ما هو إلا اختلاف في الدرجة لا في النوع؛ ومن ثم اتصفت الممارسة بقدر
كبير من الاستقرار والاستمرار.
هذه الوظيفة قد عرفتها الخبرة الإسلامية بدرجة مكثفة دون أن يكون لها
الوضوح الكافي على مستوى الدراسات من قبل، وقد رأى الباحث أن يتم التنظير
لها على ثلاثة مستويات:
1 - مستوى القيم التي تحكم الوظيفة (المبادئ) .
2 - مستوى البناء النظامي (الهياكل والمؤسسات) .
3 - مستوى قواعد الممارسة ونماذجها التطبيقية.
وتسعى الدراسة لبيان قيمة الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية في إطار نظرية
وظائف الدولة الإسلامية وتحديد موقعها منها في إطار من التجريد والعمومية.
ويتقدم المؤلف بين يدي بحثه بفصل تمهيدي يوضح فيه أهمية انطلاق
التنظير من (المنهج المعرفي المستمد من الوحي) بواقعيته المثالية؛ لتلافي آثار
أزمة الانطلاق من المنهج الغربي التي اتضحت معالمها هناك على مستوى: المنهج،
والنظرية، والتطبيق، بالإضافة إلى ما يمكن أن ينشأ من إشكاليات مضاعفة عند
تطبيقه على واقعنا الإسلامي؛ لقصوره عن تفسير كثير من الظواهر التي تنشأ
داخل مجتمعاتنا المسلمة نتيجة لقصور مسلَّماته وجمودها عند حدث معين ولحظة
تاريخية معينة، ولعل هذا يفسر جزءاً كبيراً من إخفاق الأنظمة العربية في تحقيق
أي من أهدافها التي رفعتها غداة استقلالها.
فطبيعة المنهج وضرورة التميز العقيدي تمليان علينا ضرورة البناء العلمي
والتطبيقي على هدي قواعده وأصوله المستمدة من الشرع.
ويحتوي الكتاب إلى جانب المقدمة القيمة التي تصلح لأن ينال على
موضوعها مع شيء من العمق والتوسع درجة علمية بجدارة خمسة فصول، يقطع
في كل منها شوطاً نحو بناء النظرية:
ففي الفصل الأول:
يضع إطاراً لوظائف الدولة الإسلامية، ويبين موضع الوظيفة العقيدية، وفيه
يتناول برؤية نقدية الكتابات التي عالجت وظائف الدولة الإسلامية، ويفرق فيها بين
اتجاهات تقليدية، وتجديدية.. والقديم منها والمعاصر، من أجل استخلاص بعض
النتائج التي تمهد لبناء مفهوم الوظيفة العقيدية لغوياً وأصولياً ليعتمده أساساً للتنظير.
ويرى المؤلف أن الاتجاه التقليدي قد ركز بوجه عام على الإمامة والخلافة
والإمارة باعتبارها تحقق أهدافاً منبثقة من التصور العقيدي العام، وقد ركز على
وظائف الدولة باعتبارها واجبات الإمام واختصاصاته دون اهتمام بواجبات الرعية
والعلماء وأهل الحل والعقد باعتبارهم جزءاً من الحقيقة البشرية للدولة.. وقد قدم
لنا هذا الاتجاه قوائم سردية بوظائف الإمام وواجباته مع خلط وقع بين الوظائف
وأدوات الممارسة.. ويُعَدُّ الماوردي والفراء أبرز من تكلم في هذا المجال، وكثيراً
ما تأثرت كتابات هذا الاتجاه في أسلوب عرضها بالواقع السياسي الموجود سواء في
المذكور أو المسكوت عنه.
أما كتب الفارابي وإخوان الصفا وأمثالهم فلا تنطلق من أنموذجنا المعرفي؛
إذ كتبت في ظروف تعرَّض فيها العالم الإسلامي لموجة تغريب من الحضارتين
الفارسية واليونانية ربما كانت أقسى مما هو مشاهد اليوم من أوْرَبَةٍ وأمْركة، وقد
كانت تلك الكتابات بمثابة نقطة البدء في الفصل بين ما يمكن أن يسمى «وظائف
دينية» و «وظائف دنيوية» .
ورغم الإسهامات الجادة لهذا الاتجاه فإنه لم يقدم لنا مفهوماً واضحاً لوظائف
الدولة، ولم تنضج منهجيته لتقدم لنا حواراً منهجياً فعالاً بين الأوامر المنزلة وبين
قضايا الواقع.
وفي المقابل نجد أن الاتجاه التجديدي قد ركز في كتاباته القديمة على الخطوط
العامة دون خوض في التفصيلات مع أهميتها في كثير من الأحيان، لكنها شكلت
تياراً مستمراً مرتبطاً بحركة الاجتهاد على امتداد الساحة الزمانية والمكانية للدولة
الإسلامية.
وقد قطعت هذه الكتابات شوطاً في التأصيل؛ إذ قدمت نظرة شاملة ومتكاملة
لمضمون وظائف الدولة، وأصَّلت له وربطت مفهومه بمفهمومَيْ: «الولاية»
و «الأمانة» كما جاء في كتابات ابن تيمية، وبـ «الخطط» كما هي في كتابات
ابن خلدون، وكما ربطته بالمقاصد والمصالح الشرعية التي محورها: «حراسة
الدين وسياسة الدنيا به» .
أما الكتابات المعاصرة في الاتجاه نفسه فقد ربطت هذه الوظائف بمفهومَيْ
«الحاكمية» و «الاستخلاف» وبين مفهوم الدولة ووظيفتها وفكرتها وعقيدتها في
نظرة شاملة ومتكاملة، دون أن ترقى لتشكل نظرية في هذا الجانب، كما أنها لم
تستخدم المداخل الاجتهادية (القياس، والاستصلاح، والاستصحاب) في ضبط
الممارسة.
ويرى المؤلف في نظرته التي تأتي امتداداً للاتجاه التجديدي أهمية وجود
تصور واضح عن مفهوم الدولة ونشأتها وتطورها - ووظائفها حتى يمكننا التعرف
على طبيعة الوظيفة العقيدية وبلورة مفهومها في شكل نظرية؛ فيرى أن مفهوم
الدولة: عبارة عن بلورة نهائية لترابط عضوي بين حقيقتين: معنوية (عقيدة
التوحيد) ، وبشرية (أمة إمام أهل الحل والعقد) .
ومن حيث نشأة الدولة وتطورها: يرى وجود رابط سببي وزمني بين نشوء
الدولة وبين مولد الرسالات السماوية، فنجد في القرآن تأصيلاً لهذه النشأة: [كَانَ
النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ
لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ
البَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ] (البقرة: 213) ، فهناك مرحلة الأمة الواحدة.. ثم مرحلة
الاختلاف.. ثم مرحلة إرسال الرسل ونشأة الدولة التي نشأت بجهد أتباع الرسل
المسدَّد باتِّباعهم لمنهج الرسل.
أما الوظائف: فيفرق بين مستويات ثلاثة:
- الوظيفة باعتبارها قيمة.
- الوظيفة باعتبارها بناءً مؤسسياً.
- الوظيفة باعتبارها ممارسة وسلوكاً.
ويرى المؤلف أن «الوظيفة العقيدية» و «الوظيفة الاستخلافية» هما
مضمون وظائف الدولة؛ حيث تتبلور كل وظيفة عن قيمة محددة.. ثم تتمحور
القيم لتعبر عن قيمة واحدة هي قيمة «التوحيد» ، وتسعى لإنجاز مقصد واحد هو
«حفظ الدين» ، والذي يرتبط هو الآخر بمفاهيم: العبادة.. والأمانة..
والاستخلاف.
أما الوظيفة الاستخلافية فهي في جوهرها تابعة ومساندة للوظيفة العقيدية،
وتشتمل على وظيفتين يندرج تحت كل منهما وظيفتان:
العمران: ويندرج تحتها الوظيفة الإنمائية والأمنية.
والعدل: ويتحقق ب: الوظيفة التوزيعية والجزائية.
هذه الوظائف تتساند لتشكل الوظيفة الاستخلافية التي تتبع وتساند الوظيفة العقيدية
التي جوهرها التوحيد وتتحدد في ثلاثة أبعاد:
1 - تحديد موقف واضح من العقيدة (إعلان الالتزام) .
2 - بناء وتأسيس الكيان العقيدي بما يحويه من نظم.
3 -القيام بواجب الدعوة من خلال الإقناع.
وهو ما ستوضحه الفصول القادمة.
الفصل الثاني: بناء مفهوم الوظيفة العقيدية:
بدءاً بالدلالة اللغوية للتركيب حيث يشير إلى: «مجموعة الأنشطة والعمليات
الملزمة التي تقوم بها الدولة لتحقيق المنهج الذي ينبثق من العقيدة التي يعتقدها
ويرتبط بها مجتمع من المجتمعات أو نظام من الأنظمة» .
ومروراً بالدلالة الأصولية التي تعني: الولاية الشرعية العامة للدولة
الإسلامية في تنفيذ وممارسة الفروض والواجبات الكفائية المتعلقة بحق الله تعالى
بوجه عام «والتي تخدم كثيراً في صياغة النظرية.
وعلى مستوى النظرية نجد أمامنا ثلاثة مقومات تتشكل منها معاً هذه الوظيفة:
- حقيقة معنوية جوهرها التوحيد.
- حقيقة بشرية تشكل الجسد السياسي للدولة (الخليفة العلماء أهل الحل
والعقد الرعية) .
- العلاقة بين الحقيقتين وهي علاقة إيمان واعتقاد من جانب، وتوظيف
وعمل من جانب آخر.
هذا المفهوم وفق هذه الرؤية يتفرد بسمات الشمول والحركية والواقعية وتعدد
المستويات والأبعاد والأطراف والعموم والتجريد الذي يؤهل لصلاحيته للإنسان في
أي زمان ومكان.
وسيتم تفصيل ذلك في الفصول القادمة.
الفصل الثالث: مضمون الوظيفة العقيدية وأبعادها:
أما من جهة المضمون: فإن وظائف الدولة تعبر في التحليل الأخير عن القيم
الأساسية في المجتمع التي جوهرها التوحيد باعتبارها القيمة المحورية العليا،
والتي تفرض تحديد مقصد الوظيفة التي تعبر عنها، كما تحدد نظام القيم الإسلامي
الذي يتميز بخصائص الشمول والمثالية والواقعية والحكمة في الممارسة والوحدة في
التعامل والطابع الإنساني العالمي، كما يتميز بالجمع بين الجماعية والفردية في آن
واحد.
وتسعى العقيدة من وراء ذلك إلى إحداث التغيير كمّاً وكيفاً من خلال الممارسة
وصولاً إلى المثالية العليا التي تتميز في نموذجنا الإسلامي برؤية واضحة وهدف
محدد هو الفوز الأخروي، وترتبط بوظيفة الاستخلاف على منهاج النبوة.
وبأسلوب أوضح تعد ممارسة الوظيفة العقيدية في الواقع العملي جوهر التطبيق
الواقعي لتوحيد الألوهية وتقترب كثيراً من الصياغة الحديثة لمفهوم الحاكمية، أو
بالتعبير الشهير مقصد (حفظ الدين) ليس بمفهوم الدولة الحارس الذي عرفته
الخبرة الأوروبية والذي يعني الحفاظ على العقيدة في أصولها وإنما بتطبيقها في
الواقع العملي الحيوي بجميع جوانبه وأبعاده والذي لا يتم إلا في إطار كيان سياسي؛
ذلك أنه لا يسع المسلمين أن يعبدوا الله بالمفهوم الشامل إلا حين يغدون رعايا
مخلصين لدولة إسلامية، ولن يتاح لهم أن يعيشوا بما يتفق مع أخلاقيات عقيدتهم
إلا من خلال الانتماء إلى أمة المؤمنين؛ ولهذا فمقصد» حفظ الدين «مقصد سابق
لوجود الدولة التي تفقد مسوِّغ وجودها إذا ما تخلت عنه أو تنكرت له.
وفي هذا الصدد يمكننا أن نتصور حدين في هذا المجال:
حداً أدنى: تغدو به الدولة مسلمة، ويتمثل في إعلانها الالتزام بالإسلام،
وعدم إخلالها بمنطقة المحكمات (المعلوم من الدين بالضرورة) .
وحداً أعلى: تكون به الدولة إسلامية، وهو نموذج أرقى تسعى فيه الدولة
لتحقيق مقاصد الشريعة كلها في إطار المحكم وفي إطار الظني بإعمال الاجتهاد في
مجاله.
وعندما تصل الدولة إلى تحقيق مقاصد الشريعة الخمسة على الأقل في درجة
الضروريات التي تتبلور في مقصد حفظ الدين، فإنها تصبح مسلمة.. وبينها وبين
أن تكون إسلامية مسافة أخرى تشمل الاجتهاد في مساحة الظنيات. والفارق كما
يبدو نوعي وكمي في آن واحد؛ فهي لا تصبح إسلامية دون أن تكون مسلمة؛ كما
يشك بدرجة كبيرة في أن تظل مسلمة دون أن تنجز المقاصد الشرعية من خلال
الانتقال من مجرد إعلان قبول الالتزام العقيدي وحمايته إلى محاولة تحقيقه وبناء
المجتمع العقيدي من خلاله، والتعامل الخارجي انطلاقاً من مبدأ الدعوة، وأن يكون
رجوعها إلى الشرع رجوع افتقار لا رجوع استظهار، ولا يقبل التعلل بالتدرج في
التطبيق؛ إذ الفرق جلي بينه وبين الانحراف؛ فالتدرج لا يمكن من خلاله الإخلال
بمبدأ الاحتكام إلى الله ورسوله من خلال التلاعب بالنصوص لتسويغ الانحراف في
عملية الممارسة.
ويلفت النظر إلى أن مقصد» حفظ الدين «لا يجوز أبداً قصره على المعاني
المباشرة للّفظ؛ بل يعني أيضاً الحفظ الحقيقي المنصرف إلى الكيان البشري الذي
يكوّن الجسد السياسي للدولة، أي حفظ العقيدة مطبقة في الأمة، ويرتبط بهذا مقصد
آخر هو الوحدة.. سواء على مستوى الكينونة الفردية، أو الكيان الاجتماعي على
مستوى الإدراك.. والولاء.. والنظام.
أما من حيث الأبعاد: فنجد أمامنا ثلاثة جوانب رئيسة كبيرة ومتكاملة يؤدي
بعضها إلى بعضها الآخر وهي:
1 - تحديد موقف من العقيدة وحمايتها.
2 - بناء الكيان العقيدي (المجتمع الملتزم بالعقيدة) .
3 - تحقيق غايات البناء من خلال الممارسة (أداء الوظائف) .
ومن الثابت أن الدولة في جميع نماذجها التاريخية كانت تسعى لممارسة عقيدة
معينة ارتبط وجودها المعنوي والحضاري بها؛ ولهذا فإن الموقف من العقيدة لا
يعدو القبول أو الرفض، أما فكرة الحياد التي تدعيها بعض النظم؛ فهي نوع من
القفز على الحقائق؛ إذ لا بد من استبطان عقيدة أو أيديولوجية تسعى لتحقيقها.
ولهذا فإن الموقف الإيجابي بإعلان الدولة التزامها العقيدي يعد أول مستويات
الممارسة.
أما عن الحد الفكري لإسلام الدولة قياساً على الشهادتين بالنسبة للفرد فيتمثل
في الإقرار بأمور هي:
1 - أن الحاكمية لله وحده، وأن الدولة أداة من أدوات الاستخلاف.
2 - أن القانون الأساسي للدولة الإسلامية هو الشريعة الإسلامية.
3- بطلان كل قانون مخالف للشريعة وإلغاؤه.
4 - على الحكومة ألا تتصرف في شؤون الدولة إلا ضمن الحدود المرسومة
في الشريعة لوظيفتها.
هذه الأمور تعد الخطوة الأولى التي لا يقبل دونها؛ لأن إعلان الالتزام
العقيدي يوضح» فكرة الدولة «الأساسية وغاية قيامها.. ويحدد مواطنيها وماهية
حقوقهم وواجباتهم، وعلى أي أساس تُكتسب أو تفقد، والمبادئ التي يسير عليها
جهاز حكومتها المتحكم في سلطاتها الإدارية وقواعد مسؤوليتها وحدود وظيفتها؛
ولهذا يرى البعض أهمية وضع دستور إسلامي يحدد النظام العام، وهو ما تحدده
المثالية الإلهية والعقيدة التوحيدية المنبثقة عنها، ولا يجوز مخالفته ويعاقب كل من
يخالفه أو يحاول الاعتداء عليه.
وأما حماية العقيدة فتكون من كل ما يشكل نقضاً (الردة) أو تحريفاً
(الابتداع) .
وفي مجال الدعوة يبرز المنطق الاتصالي ودوره في إزالة اللبس وسوء الفهم
الذي يمكن أن يحول بين الناس وبين اعتناقهم للإسلام دون إكراه.
أما المستوى الثاني: فهو بناء الكيان العقيدي (أو المجتمع الملتزم بالعقيدة)
والذي يعني بلورة العقيدة على المستوى العملي في كيان عضوي بشري يحقق
غايات المثالية العليا الإلهية والعقيدة الإسلامية، والذي يؤسس حركته على الإيمان
بالله واليوم الآخر، ويؤسس روابطه على عقيدة الولاء والبراء التي تعطي عقد
الولاء للمؤمنين، والذمة لأهل الكتاب، والبراء من الكافرين والمنافقين.
وتتم عملية البناء على مرحلتين: التكوين، ثم البناء والتأسيس.
ثم يأتي المستوى الثالث: تحقيق غايات البناء التي تتبلور حول تمكين الفرد
والمجتمع من تحقيق ذاتيتهما الإسلامية في الواقع التطبيقي والاجتماعي داخلياً.
وتمارس الدولة واجبين في إطار قيامها بوظيفتها العقيدية هما:
1 - الإشراف على إقامة فروض الكفايات وتنظيمها.
2 - مراقبة إقامة فروض الأعيان.
أما على مستوى التعامل الخارجي فنجد وظيفة الدعوة التي تنطلق من رؤية
توحيدية للعالم الذي يتمحور جغرافياً حول القبلة، وإنسانياً حول آدم» الناس بنو
آدم، وآدم من تراب « [1] ، ومن منطلق عالمية الحضارة الإسلامية صاحبة الدين
الخاتم المنفتح على الإنسانية كلها؛ ولهذا نجد التعامل الخارجي يخضع لمجموعة
من الأسس هي:
1 - الاتصال هو محور التعامل الخارجي.
2 - وحدة الانطلاق من القاعدة الثقافية والتعامل الفكري (الإقناع والاقتناع) .
3 - وحدة قيم التعامل حيث إن التعامل الخارجي هو امتداد للداخلي.
4 - الاتصال مع القيادات الحاكمة بصدد الإقناع بالدعوة وعرض الرسالة.
وإلى جانب مسلك الدعوة هناك مسلك مساند هو الجهاد الذي يراه المؤلف أداة
فكرية وحقيقة معنوية تضم مجموعة من المبادئ المعنوية والأخلاقية.
وتوضح لنا الخبرة التاريخية الأدوات التي تمت الدعوة من خلالها؛ كالرسائل
والسرايا والغزوات وعقود الصلح والموادعة والمعاهدات.
الفصل الرابع: الإطار النظامي والمؤسسي للوظيفة العقيدية:
ويعني بها المؤسسات التي تترجم مدارك الأمة ووعيها إلى واقع عملي، وتعد
صلة بين الوظيفة كقيم والوظيفة كممارسة؛ ومن هنا فإن التوحيد بوصفه قيمة
محورية يمكن تحقيقها من خلال قيمتين نظاميتين هما:» الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر «داخلياً، و» الدعوة «خارجياً.
وكلا المبدأين واضح الأبعاد والدرجات والمستويات وفق أسس واضحة محددة
المحتوى والمضمون، مقننة لأشكال نظامية تقوم على تطبيقه وتحويله إلى واقع
حيوي.
أولاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
وهو متردد بين الفرضية العينية والكفائية، ولا تسقط عهدته إلا بالأداء أو
العجز، وتتأكد فرضيته في مثل حال المحتسب وأهل الاختصاص في تخصصهم،
وهو من حيث القدرة متدرج يبدأ من التغيير بالقلب بالمفارقة والمفاصلة
الشعورية.. ثم باللسان الذي يمكن لنا أن نُدخِل في إطاره بعض الممارسات
المعاصرة في المجالات التربوية والتعليمية والثقافية والإعلامية.. ثم يأتي المستوى
الثالث: التغيير من خلال القوة التي توسَّع مفهومها اليوم فاستوعبت صوراً
معاصرة يمكن أن تستخدم في عملية التغيير، خاصة في وقت لم يعد المعروف
الأكبر هو التوحيد، كما لم يعد حد المنكر يقف عند المناكير والكبائر الجزئية
والمحلية، بل يتصاعد حتى يصل إلى مناكير السياسة العامة التي يتمثل أكبرها في
التبعية والإذعان لهيمنة القوى الاستعمارية.
ثانياً: الدعوة:
وهي وظيفة خارجية مكملة للوظيفة الداخلية وكلاهما مستمر في الأمة كما
عبَّرت عنه الآية بصيغة المضارعة: [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ
بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ] (آل عمران: 104) ، ولهذا فإن الدعوة تمثل
ممارسة واجبة الأداء على الكفاية لإدخال أمة الدعوة في أمة الإجابة، وهو مبدأ
توظف له الدولة إمكاناتها كافة لتحقيق الهدف الأسمى، وترسم خططها لتحقيق
متطلباته الآنية والمستقبلية وفق منطلقاته الثلاثية: الحكمة.. الموعظة الحسنة..
الجدال بالتي هي أحسن؛ وهي مبادئ تكفل حسن الأداء في ظل تغير الظروف
الدولية والداخلية.
وتفاعلاً مع هذه القضية يطرح المؤلف مدى قابلية النظام الدولي الجديد
لممارسة الدولة الإسلامية واجبَ الدعوة إلى الله.. ويحاول أن يتلمس الإجابة في
ظل وضع دولي محفوف بالمخاطر..! ويقدم ملامح عامة يمكن من خلالها بناء
تصور ما حول الرؤية الواقعية والمستقبلية لهذه الفريضة المهمة.
ويفرق المؤلف بين الدعوة بوصفها وظيفة اتصالية وبين المفاهيم السائدة في
هذا المجال على الساحة الدولية؛ كالدعاية، والحرب النفسية، والتسميم السياسي.
وبعد أن أوضح صورة الإطار النظامي للوظيفة العقيدية بدأ في الاقتراب أكثر
من طبيعة الأداء، فتحدث عن الأشكال النظامية معتمداً على الخبرة الإسلامية.
ويفرق في هذا الصدد بين نوعين من الأشكال النظامية:
أ - أشكال تأسيسية: (تقوم بإنشاء الأشكال المؤسسية) .
ب - أشكال مؤسسية: (أساسية مساندة) .
ويمكن فهم الأشكال التأسيسية في إطار مؤسسات المسجد باعتباره شكلاً نظامياً
تأسيسياً؛ إذ يحوي العناصر التي تقيم الأشكال المؤسسية؛ فيحوي مؤسسة أولي
الأمر وأهل الحل والعقد وهم أهل الاختيار الذين يختارون الحاكم، وأهل الشورى
من أهل العلم والدراية، وأهل الاجتهاد من العلماء الحائزين لشروط الاجتهاد.
أما الأشكال المؤسسية فمنها ما هو أساسي، ومنها ما هو مساند، وتحمل لنا
الخبرة الإسلامية صوراً للأساسي مثل مؤسسة الحسبة، ودور العلم، والمدارس
الإسلامية التي تعالج تطبيق مبدأ الأمر بالمعروف على مستوى الداخل، إلى جانب
ديوان الرسائل وديوان الجند اللذين يمارسان الدعوة على مستوى الخارج.
كما عرفت الخبرة عدداً من الأشكال المساندة كان أهمها مؤسستي: أهل
الفتوى، وأهل القضاء.
ولكل شكل من هذه الأشكال مبادئه وصوره وقوانينه وأدواته النظامية التي
تحكمه وتضبط عمله بما يحفظ لعملية ممارسة الوظيفة العقيدية الأداء.
وتكشف لنا الممارسة العصرية عن ثلاثة أنواع للأشكال النظامية يجب التمييز
بينها:
1- (أشكال أصلية) ناتجة عن حكم شرعي يوجبها لإنفاذ أحد فروض الكفاية،
ويأتي في حكمها الأشكال الطبيعية الناتجة عن وضع تكويني في مجتمعنا يقره
الإسلام.
2 - (أشكال طارئة) وجدت قبل الاستعمار لكنها مثلت انحرافاً عن الإسلام
3 - (أشكال وافدة) جاءت مع الاستعمار الأوروبي المعاصر.
وقد تم تحجيم النوع الأول، وضربت فعاليته لصالح النوعين الآخرين بما
يعني قطع أي إمكانية لتطوير الأشكال النظامية الأصيلة وتوليدها لأشكال تحقق
التواصل! وقد خلفت هذه المعضلة كثيراً من المشاكل والتعقيدات تحول دون
الاستقلال الحقيقي والتنمية في ظل اغتراب السلطة عن الجمهور وهامشية
المؤسسات الأصلية الموجودة وعدم فاعليتها.
ومن هنا كان لا بد من طرح تساؤلات جادة حول منهجية بناء الأشكال
المؤسسية في الواقع الحالي التي نجد في مدخل الذرائع حلولاً لإشكالاتها.
وينبه المؤلف إلى أن معالجة الوظيفة العقيدية على مستوى التنظير بوصفها
وظيفة لدولة إسلامية قائمة وموجودة بالفعل هو أمر غير واقع الآن، دون أن ينفي
ذلك وجود مستويات لممارسة الوظيفة يقوم بها المجتمع المسلم حتى في ظل غياب
الدولة تنبني على الاجتهاد المرحلي أو الانتقالي، كما ينبه إلى ضرورة الابتعاد عن
النمط الأوروبي المتَّسم بالضخامة والتعقيد والعودة إلى النماذج الصغيرة في
المجتمعات الاجتماعية والسياسية، في ضوء ما يسميه: (تفاعل المقاييس) الذي
يعتمد على الأبعاد المقدارية والوصفية والآماد والمعدلات، بجوار الجوانب
الموضوعية التي يعالجها مدخل الذرائع في فهم الواقع، وإيجاد ما يناسبه من حلول
لمعضلاته.
الفصل الخامس: فاعلية الوظيفة العقيدية في الممارسة:
وقبل أن يعرض المؤلف لنماذج تاريخية تعبر عن صدقية ما بناه في فصوله
السالفة يشير إلى مبدأ علمي مهم هو: عدم جواز الخلط بين الظاهرة باعتبارها
مبدأ، والخبرة باعتبارها معالجة.
يقدم لنا أربعة نماذج تطبيقية متقابلة: اثنين للنجاح.. واثنين للإخفاق..
تجمع الدلالات السلبية والإيجابية بوصفه أمراً علمياً مقصوداً في ممارسة الوظيفة
العقيدية بمستوياتها المختلفة.
النموذج الأول: نموذج الدولة النبوية: من حيث كونه نموذجاً قياسياً للنجاح
يمكن الاحتكام إليه في فهم دلالات أي ممارسة للوظيفة سواء في مرحلة التأسيس،
أو مرحلة الممارسة، بدءاً بإعلان الالتزام العقيدي وحمايته، ومروراً بمستوى بناء
الكيان العقيدي، ووصولاً إلى التعامل الخارجي من منطلق الدعوة؛ هذا النموذج
مع مثاليته المرهفة مثّل واقعاً يمكن القياس عليه والاستلهام منه.
وفي المقابل نجد النموذج الثاني: يتمثل في دولة بني إسرائيل في عهد نبي
الله موسى عليه السلام بدلالاتها الغنية ونتائجها، كنموذج قياسي للإخفاق في أداء
هذه الوظيفة، يمكن أن يمثل عنصر خبرة في فهم أسباب الإخفاق النفسية والإيمانية
والأخلاقية والاجتماعية للنموذج الذي يعد افتراقاً عن إطاره العقيدي في مستويات
الممارسة ويصلح في فهم أي مرحلة تاريخية أخرى.
النموذج الثالث: من النماذج التاريخية نموذج الدولة في عهد عمر بن
عبد العزيز: باعتبارها مؤشراً قوياً على إمكانية التطبيق، ومدى النجاح في
الاقتراب من النموذج القياسي؛ متى ما صحت المنطلقات وتبنت الدولة أداء هذه
الوظيفة، هذا ما تظهره التجربة وتؤكده الدلالات التي يمكن استخلاصها
هنا.
وفي المقابل يأتي النموذج الرابع: ليبرز تجربة دول (ملوك الطوائف)
باعتبارها نموذجاً تاريخياً للإخفاق؛ سواء في الميلاد أو التأسيس أو في الممارسة
التي افترقت كثيراً عن الإطار العقيدي الجامع.
وفي الخاتمة:
يعود المؤلف فيفصّل في قضية التميز المنهجي الذي افتتح بها دراسته القيمة.
- فيمايز بين الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية وبين الوظيفة الدينية للدولة
البابوية التي يقدس فيها الحاكم، وتطلق سلطاته كما هو معروف في الخبرة
الأوروبية وفي النموذج الفرعوني، أما النموذج الإسلامي فيجمع بين إلهية
المصدر، والطبيعة الاجتهادية المنضبطة بالأصول الشرعية - المحتملة للخطأ
والصواب.
- كما يمايز بينها وبين الدولة والحكومة الأيديولوجية التي تقوم على فكرة
إلغاء الدين باسم السياسة، والمجتمع الديني باسم سيادة المجتمع المدني، أما الدولة
الإسلامية فالسياسة في حركتها تصير ديناً، كما يعبر الدين عن الظاهرة السياسية.
- ويمايز كذلك بينها وبين الدولة والحكومة القيادية التي ظهرت في أعقاب
الحرب العالمية الثانية والتي يبرز فيها دور محوري للزعامة السياسية التي تجسد
عقيدة الأمة، وهو نموذج يمكن إدراجه تحت الفرعونية السياسية.
- وكذا الأمر مع الدولة العلمانية التي تزعم خدمة الصالح العام، وتقوم على
الفصل بين ممارسة السلطة والنواحي العقيدية، وبدلاً من المعتقد أو الدين فإنها
تقدس الدستور، ويأتي سن القوانين وفق التأسيس الوضعي للمصالح المشتركة
للمواطنين والتي تحكمها لغة القوة لا الحق.
ثم يُسدل الستار بمجموعة من الدلالات السياسية لممارسة الوظيفة العقيدية في
الواقع المعاصر:
فعلى المستوى النظري:
- يؤكد على أن الوظيفة العقيدية تقدم تنظيراً حقيقياً لمفهوم الدولة ونشأتها
وتطورها، وهو ما زال يشهد أزمة وتضارباً في الفكر الأوروبي.
- كما يؤكد على أهمية الانطلاق من النموذج المعرفي المستمد من الوحي في
التفاعل الموضوعي مع الواقع، وفي تقديم رؤية على درجة عالية من الوضوح
والضبط والتكامل لبناء نظرية الدولة ووظائفها في إطار التنظير السياسي الإسلامي
وعلى المستوى العملي والحركي:
- يؤكد على حقيقة أن وجود عقيدة أو فلسفة سياسية واضحة وحقيقة بشرية
مؤمنة وملتحمة بها، ووجود سياسة عامة نابعة منها هو الذي يحدد للدولة خطوات
ممارستها الحركية، وماذا تريد على وجه التحديد.
- كما أن الوظيفة العقيدية تطرح إجابات معاصرة لقضايا الواقع على مستوى
الأنظمة والمجتمعات العربية والمسلمة، بالإضافة إلى الواقع العالمي.
- كما تقدم منهجاً للتعامل مع الأزمات التي يعاني منها الواقع (دلالات
الحاضر) ، إضافة إلى غناها بالحلول للخروج منها (دلالات المستقبل) .
- وهي تقدم منهجاً لمعالجة الأزمات الثلاث الأساسية التي تواجه الدول
العربية والمسلمة: أزمة التأسيس.. أزمة الهوية.. أزمة الشرعية.
- إلى جانب ما تقدمه من تفسير لظهور حركات التجديد والإحياء الإسلامية
ونموها من جهة، وفهم حركات التبديد من جهة أخرى.
وعلى المستوى الدولي تمنحنا الدلالات الآتية:
- فهم جوانب الاستقرار في الدول المتقدمة.
- تراجع مفهوم العلمانية أو اللادينية في الواقع العالمي المعاصر.
- تقدم تفسيراً لما نشهده من سقوط الأيديولوجية؛ إذ تمثل دراسة الوظيفة
العقيدية مدخلاً مقارناً لتحليل السلوك الداخلي في الأنظمة القائمة في تعاملها مع
شعوبها ومجتمعاتها؛ من حيث علاقة التربية السياسية، والتلقين الأيديولوجي،
والتعبئة السياسية.
- عودة الدين ليمارس دوراً مهماً على الساحة الدولية.

السبت، 18 مارس 2017

العدالة والعقاب في المتخيل الإسلامي خلال العصر الوسيط

العدالة والعقاب في المتخيل الإسلامي خلال العصر الوسيط

 


نقلا عن  موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود:

صدر عن دار المدار الإسلامي ببيروت، كتاب "العدالة والعقاب؛ في المتخيل الإسلامي خلال العصر الوسيط"، للمفكر الألماني المتميز (كريستيان لانغ Christian Lange)، وقد حصل لانغ على شهادة الدّكتوراه، من جامعة هارفارد عام 2006م، وهو باحث متخصص في علم الأديان المقارن، والدّراسات الإسلاميّة.
والكتاب، في الأصل، رسالة دكتوراه أنجزها لانغ بجامعة هارفارد الأمريكية، والعنوان الأصلي لها، هو: Justice, Punishment and the Medieval Muslim Imagination ويمثل الكتاب؛ دراسة لنظرية العقاب وطرائق تطبيقه في العصر الإسلامي الوسيط، وتفسير استعمال العنف تجاه المسلمين، وبيان الدّور الذي اضطلع به عقاب الدولة في رسم الخط الفاصل بين المجالين (الخاص والعام)، والسؤال عن الاستراتيجيات المتّبعة للتصدي للمعاناة الناجمة عن العقاب.
وتندرج الدراسة في إطار المباحث التي تهتمّ بالحضارة الإسلامية، في فقهها وتاريخها، ويفتح الباحث زاوية نظر جديدة؛ تنظر في المتخيل الجمعي، وطريقة التمثل التي كان يقوم عليها تصوّر العلماء، والسلاطين، والعامّة، للعدل وللعقوبة في الحياة الدنيا، وفي الآخرة. ويهتم الباحث، فضلاً عن ذلك، بأثر الواقع السياسي والاجتماعي في أحكام القضاة والفقهاء، وفي طرائقهم في فهم النصوص التأسيسية وتأويلها.
وقد حدّد المؤلف توجّهات الكتاب، وقسّمها إلى مستويات ثلاثة: المستوى الأول: اهتم فيه بتحديد الفضاء الذي يجري فيه العنف العام في تاريخ المجتمعات الإسلامية؛ ذلك أنّ مسألة العنف شغلت المؤرّخين، وعلماء الاجتماع، وعلماء النفس، على امتداد عصور كثيرة، وكان الدارسون الغربيّون لقضيّة العنف في تاريخ المجتمعات الإسلامية، يوجّهون اهتمامهم، عادة، إلى دراسة أشكال العنف التي يمارسها المسلمون ضد غير المسلمين، ولا سيما، في ميدان العنف الديني المشروع؛ كما في نظرية الجهاد العسكري وممارسته، وفي الشروط الشرعية المتعلّقة بالذمّيين والمرتدّين، وقد قام المؤلّف بتصحيح تلك الرؤية.
أمّا المستوى الثاني؛ فقد لخّص فيه الكاتب صورة النار، التي كانت حاضرة في إسلام العصر الوسيط، كما سعى، أيضًا، إلى تحديد الوظائف النفسية، والاجتماعية، والسياسية، لمثل هذه الأدبيّات.
أمّا المستوى الثالث؛ فقد هدف إلى بلوغ فهم أفضل لدور الفقهاء في صياغة المواقف إزاء ظاهرة عنف الدولة، وكانت سلطة أحكام الخطاب الفقهي يُحسَب لها ألف حساب لدى الحكّام، سواء أكان الفقه، حينئذ، يغضّ النظر عن أفعال رجال السياسة، أم كان يعارضها معارضة تامّة.
وحاول لانغ في الكتاب، الربط بين الاهتمام بالمتخيّل الإسلامي، للجنّة والنار والعقاب، في ما يسمّى بالقرون الوسطى، وحاول الباحث ربط أحكام الفقه المتعلّقة بالجنايات؛ فدرس صدى الأحكام الأخروية في أقضية السلاطين، والقضاة، والمحتسبين، ومدى تأثيرها فيها.
وكان لانغ معنيًّا في بحثه بعدد من الإشكاليات المركزية، منها: كيف كان يُفسّر استعمال العنف تجاه المسلمين؟ وكيف كان يُسوَّغ في إسلام العصر الوسيط؟ وكيف كانت الدولة القائمة، ممثّلة في أجهزتها، تسعى إلى التمييز بين الفضاءين، العامّ والخاصّ، في إقامة العقوبات؟ وما الاستراتيجيات المتّبعة للتصدي للمعاناة الناجمة عن العقاب؟ أسئلةٌ نجد إجاباتها في دراسة كريستيان لانغ المعمّقة لظاهرة العقاب، الإلهي منه والبشري، في المجتمع الإسلامي، بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر، ويبحث الكتاب في العلاقة بين الدولة والمجتمع في إقامة العدالة، ومواقف المسلمين من جهنّم، والعقوبات المنتظرة في الحياة الأخرى، والأبعاد الشرعية للعقاب، وكيفية تسويغ الفقهاء المسلمين لمختلف أنماط الجزاء، أو تقييدهم لها، أو رفضهم لها رفضًا تامًّا.
إنّ المقاربة المتعدّدة المداخل والمعرفية المتبنّاة في هذه الدراسة، والتي تستند إلى تنوّع كبير في المصادر الفارسية والعربية، تسلّط الضوء على التفاعل بين النظرية والممارسة في الفقه الجنائي الإسلامي، وبين السلطة التنفيذية والمتخيل الديني للمجتمع الإسلامي في العصر الوسيط عمومًا.
ولا تهتم الدراسة بسِيَر الملوك والسلاطين؛ بل تتنزّل في إطار، ما يسمّى بالتاريخ الكلّي؛ إذ تقف، فضلًا عن التأريخ للطبقات العليا، على صورة المهمّشين، وكيف تفاعلوا مع، ما نسميه اليوم، بعنف الدولة المشروع المتمثّل في قوانينها وعقوباتها؛ فالكتاب يُعنى بالعدل من منظور السلطان وعالم الدين، ولكنه يُعنى، أيضًا، بصورة العدل من منظور العامّة الدهماء.
وقد توّصل الكاتب إلى أنّ العقاب في الواقع الإسلامي، لم يكن يكرّس أحكامًا فقهية نظرية فحسب؛ وإنما، وعلى وجه الدقة، هو: فِعْلٌ يؤثّر فيه الأشخاص الذين يقع عليهم فعل العقاب، ويؤثر فيه، أيضًا، الفضاء الذي يجري فيه العقاب؛ فللفضاء الخاص، وهو فضاء عِلْيَة القوم، نواميسُه. وللفضاءات العامة قوانينُ أخرى، تختلف عن الأولى اختلافًا جذريًّا في الكثير من الأحيان. ولذلك مثلًا؛ كان للعامة سجونهم، ولِعِلْيَة القوم سجونهم، وكان إخفاء ما يجري في القصور والبلاطات، جزءًا مهمًّا من هيبة الدولة.
وقد ناقش الكاتب قضية جوهرية أصبحت متفقًا عليها، مفادها: أنّ الفقه الإسلامي ليس منظومة نظرية جاهزة ومعزولة عن الواقع؛ بل إنّه فقه على صلة وثيقة بمعطيات الواقع الإسلامي المتغيّر أبدًا.
ويحاول الباحث أن يعقد الصلة بين العدل والعقاب في الدنيا والآخرة من جهة، والأحكام الفقهية التي حدّدها الأصوليّون والفقهاء والمفتون للمكلّفين من المسلمين من جهة أخرى.
وقد قامت الدراسة على منهج، تعدّدت مداخله ومشاربه، ولم يهتم بالثقافة الإسلامية العلمية فحسب؛ إنما اهتم، أيضًا، بكتب التاريخ التي أرّخت لليومي، ولما تعانيه الطبقات الاجتماعية المسحوقة من صنوف العقاب، ولِمَا كان يربطها من علاقة بالعالم والسلطان أو من يمثّله من أعوان، لتحقّق توازنها، ولتحدّد معنى وجودها في الحقبة التاريخيّة الوسيطة.
وقد هدفت الدراسةُ إلى توضيح كيفية تفكير طوائف من المجتمع في العقاب، بوصفه ظاهرة اجتماعية.
جاء هيكل الكتاب مقسّمًا؛ إلى مقدّمة، وستّة فصول: المقدّمة اشتملت على السياق التاريخي (The historical context)، الذي اختاره الباحث ليمثّل الدراسة؛ فكان اختياره لحقبة السلاجقة (Saljuqs) في العراق وفارس، خلال القرنين الخامس والسادس الهجريين/ الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، وقسّمها إلى ثلاثة أجزاء، للحصول على خلاصة تاريخية؛ أوّلها: حقبة الغزو (ما بين عامي 426هـ/ 1055م)، وثانيها: حقبة التماسك وقيام الحكم المركزي (447هـ/ 1055م - 511هـ/ 1118م)، وثالثها: حقبة التشتّت ومحلّية الحكم السياسي (511هـ/ 1118م - 590هـ/ 1194م).
وبرّر اختياره لفترة السلاجقة، باعتبارها حقبة تمثّل مرحلة تكوينيّة مهمّة في نموّ الحضارة الإسلامية، وتسبّب اعتلاؤهم سدّة الحكم في تغييرات أساسية؛ إذ حاول الحكّام السلاجقة الأوائل، إعادة تأسيس إدارة مركزية قويّة، تقوم على عدد من المفاهيم الأساسية: السلطة المؤقّتة للسلطان إزاء الخليفة، والسيطرة العسكرية عن طريق نظام إقطاعي مركزي التوزيع، والإشراف الدقيق على النظام التعليمي، ثم تأسيس بيروقراطية ذات أغلبية فارسية عالية التدريب، وقد تعرّض لانغ إلى الظروف العامّة للعقاب زمن السلاجقة، وكيف أثّرت التطوّرات السياسية في إدارة العدل والعقاب، خاصّة مع ضعف الخلافة العبّاسيّة.
وتناول الفصل الأول: "سياسات العقاب" (The politics of punishment )، وفيه تناول دوائر العقاب ومؤسّساته؛ فتعرّض الباحث للعقاب الخاصّ وحالاته، والذي تنوّع ما بين السجن في باطن قصر الخليفة حتى الموت، مثلما حدث لعميد الدولة (محمد بن جهير) وزير الخليفة المستظهر، كما كان هناك عقوبة الإعدام بالسيف؛ مثلما حدث للوزير شمس الدين بن نظام الملك، وإلى جانب القتل بالسيف، كان الخنق وسيلة أخرى خاصة لطبقة الخاصّة؛ مثلما حدث لقارود حاكم كرمان سنة 466هـ/ 1037م، أيّام السلطان ملك شاه، كما كانت عقوبة إتلاف البصر من العقوبات المحدّدة للخاصة، باعتبارها وسيلة إقصاء سريع عن اللعبة السياسيّة، وقد استعرض الكاتب العقوبات التي تصدر بحقّ القاضي المذنب، وكذلك العقوبات التي تطال رجال الشرطة، ورجال الحسبة (muhtasib) Inspectors.
ثمّ جاء الفصل الثاني للدراسة بعنوان: "أنواع العقاب"، والتي تنوّعت وتعدّدت، ومنها؛ الإعدام بحدّ السيف (Execution by the sword)، والصلب (salb) Gibbeting على جذع أو عمود من الخشب، كما كان الصّلب، أحيانًا، للجثّة بعد الإعدام الفعلي، وكانت عقوبة الصلب تتعرّض لها كلّ الطبقات الاجتماعية، خاصّة، المجرمون والأشخاص المتّهمون بانتسابهم إلى الباطنية، وكذلك، الصلب يكون لقاطع الطرق المقترن بالقتل، وكانت هناك عقوبات أخرى، مثل؛ الرمي بالحجارة، والإغراق، والإحراق، والإلقاء من أعلى شاهق، والإبعاد والنفي، كما كان بتر الأعضاء من العقوبات على السرقة، وقطع الطريق غير المقترن بالقتل، وكان بتر الأعضاء يتمّ على الملأ.
كما كانت هناك عقوبات أخرى، منها؛ التعذيب، والضرب، وسوء المعاملة، وكان أغلبها للحصول على الاعتراف بالجريمة، وكان التعذيب يتمّ باستخدام السوط وأداة خشبيّة تسمّى (العقابين): وتتكوّن من قطبيْن يعلّق بينهما المعذَّب، وهناك أيضًا؛ (الفَلْقة): وهي خشبة تفلق لأرجل اللصوص الدعار ويقطرون فيها. وكان الجلد (Flogging) من العقوبات الشائعة، ويتمّ بالسياط، والعصا، والمقاريع.
كما كانت عقوبة التشهير (tashhir) Shaming أو التجريس من العقوبات المعروفة، وهي: الطواف المذلّ بالمذنب في أرجاء المدينة، على ظهر حمار أو بقرة أو جمل، مع استخدام الأجراس أثناء الطواف، أو تُثبّت أجراس في رأسه، ويكون الطواف مرورًا بقصر السلطان، وداخل الأسواق والساحات العامة، ويكون رأس الجاني، إمّا عاريًا بطريقة مخزية، أو مغطّى بغطاء حقير، ووجهه ملطّخ بالفحم أو السخام.
أمّا الفصل الثالث؛ فقد خُصِّص لدراسة العقاب الأخروي (The eschatology of punishment)، وبنية الجحيم، وحدّد فيه قائمات بالكبائر من الذنوب وفق القرآن الكريم والأحاديث النبوية، ومن الكبائر التي تناولها؛ الشرك بالله، والقتل، والزنا، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، والربا، والسحر، والارتداد، والإلحاد، والهروب من الزحف، والقتال، وأكل مال اليتيم.
كما تناول تفسيرات الخوف من العقاب، ومن النار، وتصوّرات الجحيم عند المسلمين من وجهة نظر الدراسات الغربية، وشكل جهنّم وموقعها، وأسماء الجحيم وما يحدث داخلها، وتناول حجم جهنم، وروائحها، وألوانها، وخصائصها المناخية، وخصائصها الجغرافية أيضًا، وكذلك، نبات الجحيم وأشجاره.
وجاء الفصل الرابع تحت عنوان: "مخلوقات الجحيم وعذاباتها"؛ إذ تعرّض فيه لملائكة الجحيم، والحيوان في الجحيم، وأنواع العقاب فيه، كما تناول الوظائف البنيوية لمتخيّل الجحيم، والأبعاد الوعظية للجحيم في المتخيل الإسلامي، وتعرّض للعوامّ في الجحيم، ورجال الدين، والساسة ونوّابهم، ورجال الشرطة، والتشهير والمظاهر الطقوسية له، وكذلك؛ العار والتشويه في الجحيم، كما تناول الأبعاد الإجرائية لمتخيّل الجحيم عند المسلمين.
ثم جاء الفصل الخامس؛ فكان بعنوان "ضبط الحدّ في التشريع السُنّي"، متناولًا فيه القياس والحدود في التشريعيْن الغربي والإسلامي، وتناول رفض الحنفية للقياس في ما نصّت عليه الأوامر الإلهية، وتعرّض الكاتب للفروق الاصطلاحية في القياس بين الحنفية والشافعية، وتحدّث عن اللواط (liwat) Sodomy، والزنى (zina) fornication في فروع الفقه الحنفي، والحجج المسندة إلى الأحاديث النبوية، كما تحدث عن الخصوصية ومبادئ الأخلاق.
أما الفصل السادس والأخير؛ فتناول "التعزير والفضاء العام" Discretionary punishment (tazir)، والتعزير: هو العقوبة المشروعة بغرض التأديب على معصية أو جناية لا حدّ فيها ولا كفارة، أو فيها حدّ، ولكن لم تتوفّر شروط تنفيذه؛ كالقذف بغير الزنا، وكالمباشرة في غير الفرج، وغير ذلك؛ فلا يقوم بتعزير المذنب إلّا الحاكم، أو السيّد الذي يعزّر رقيقه، أو الزوج الذي يعزّر زوجته، والمعلّم في تأديب الصبيان، والأب في تأديب ولده الصغير. والتعزير حقّ لوليّ الأمر أو نائبه، ويقسّم التعزير إلى: تعزير بالقول، وتعزير بالفعل. والعقوبات التعزيرية ضربان؛ أحدهما: ما يتعلّق بالأبدان؛ كالقتل والجلد. وما يتعلّق بالأموال: كالإتلاف، والتغريم. وما هو مركّب منهما: كجَلْد السارق من غير حرز، مع إضعاف التغريم عليه. وما يتعلّق بتقييد الإرادة: كالحبس والنفي. أمّا الضرب الآخر من العقوبات التعزيريّة؛ فيتعلّق بالمعنويات: كالتوبيخ والزجر، وكذا، التعزير بالتشهير، أو العزل عن المنصب.
ومن أسباب التعزير لفعل محرّم: الاستمتاع بالأجنبية بما لا يوجد الحدّ، والسرقة التي لا قطْع فيها، وكذا الغصب، والانتهاب، والاختلاس، والقذف بغير الزنا، واللواط، وسبّ الصحابة أو أحد منهم، والـرشـوة: وهي ما يعطيه الشخص لحاكم أو نحوه لإبطال حق أو إحقاق باطل، وشهادة الزور False testimony (shahadat al-zur): وهي الشهادة التي تقوم على الكذب والتهمة للآخرين، والتزوير: وهو الميل بالشيء عن حقيقته بزيادة، أو نقص، أو تغيير، أو تقليد.
وتناول في الدراسة:
التعزير واللواط (tazir) (Discretionary punishment and sodomy)، والتعزير والمعاصي العمومية، وتحدّث في الفصل نفسه، عن شهادة الزور؛ بوصفها جناية على المجال الخاص، وكذبًا على الله، وتناول، كذلك، التشهير في الفقه الإسلامي، وتسويد الوجه (taswid al-wajh) (Blackening of the face)، وتجريد الثياب (tajrid al-thiyab)، والعلامات الخاصة Stripping of clothes and special signs، والضرب (darb) (Beating)، وإعلان الجرم (tarif/tasmi) Announcing the crime.
أمّا تقييمنا للكتاب: نرى أنّ الباحث عند محاولته عقد الصلة بين العدل والعقاب في الدنيا والآخرة، من جهة الأحكام الفقهية التي حدّدها الأصوليّون والفقهاء، قد اعتسف كثيرًا في حكمه على العديد من الأحداث في تلك الفترة، وعمل على ليِّ عنق بعض الأحداث، لتتناسب مع هدفه الذي حدّده لنفسه؛ وهو أنّه اهتم بتحديد الفضاء الذي يجري فيه العنف العام في تاريخ المجتمعات الإسلامية، وأكد على أن المسلمين ممارسين للعنف أكثر من كونهم ضحاياه، وكانت مشكلته، بطبيعة الحال، رؤيته الاستشراقية، ولم يضع طبيعة العصر في حسبانه، وتبنّى حكمًا عامًّا، يرى أنّ المجتمعات الإسلامية، مارست العنف على طول تاريخها، ونجد أن هذا النوع من الكتابات، وما يثير حفيظة عدد من رجال الدين من المسلمين، ويزعج بعض الباحثين، هو: أنّ البحوث الغربية المتعلّقة بالإسلام، بوصفه تاريخًا وفكرًا ودينًا، فيها ما يعكس كيدًا، ويحمل تحريفًا، ويعبّر عن رغبة في تشويه صورة الإسلام، في الماضي والحاضر، وهذا ما أكده مترجم الكتاب.
وضع لانغ هدفًا لبحثه، ركّز فيه على فتح ملف شائك في العصور الوسطى، بصفة عامة، ألا وهو: ملف العدالة والعقاب في المُتخيل الإسلامي خلال العصر الوسيط، بوصفه يمثل حلقة من حلقات تاريخ الأفكار السياسية في المجال الإسلامي الوسيط، ويبلور سياسة عمليّة امتزج فيها الديني بالسياسي؛ فكانت (العدالة) عنوانًا لمسعى حاول فيه كاتب السلطان التوفيق بين الديني والسياسي، أو تسخير الديني للسياسي، وأكّد أنّ الواقع التاريخي، في أغلب الأحوال، يؤكد وجود اختلاف بين أحكام السياسة وأحكام الشريعة.
كما ركّز لانغ على الدور البراغماتي النفعي للفقهاء، واعتبر أغلبهم فقهاء سلطان، ولم يشر إلى جهود فقهاء آخرين، كان لهم دورٌ بارزٌ في مقاومة السلطان، ولم يخشوا في الله لومة لائم؛ فأبرز لانغ دور الفقهاء في صياغة وتبرير المواقف إزاء ظاهرة عنف الدولة، وبيّن كيف كان يفسّر العنف القائم ضدّ المسلمين، وكيف كان يسوّغ في الإسلام القروسطي من جانب بعض الفقهاء.
ويُؤخذ على لانغ، أيضًا، أنه على رغم تمكّنه الواضح من العديد من مفاهيم النصّ الديني، ومقارباته الفقهية، إلّا أنه تسرّع كثيرًا في ما أجراه من مقارنات بين القانون الجنائي الغربي، وأحكام الجنايات في الإسلام.
ويُحمَد له؛ اهتمامُه بالدراسات التي اهتمت بالعنف أو الجنس في المجتمعات الغربية، ليستأنس بها، من أجل فهم مثل هذه الظواهر في المجتمع الإسلامي، باعتبارها علومًا تدرس النفس البشرية، بصرف النظر عن الدين، أو العرق، أو اللون.
كما تميزت الدراسة بإلقاء الضوء، أيضًا، على صورة المهمّشين، وكيف تفاعلوا مع ما نسميه اليوم: عنف الدولة المشروع؛ المتمثّل في قوانينها وعقوباتها؛ فالكتاب يُعنى، إذن، بالعدل من منظور السلطان وعالم الدين، ولكنّه يُعنى، أيضًا، بصورة العدل من منظور العامّة الدهماء. ومن مميّزات الدراسة؛ اهتمامها بأثر الواقع السياسي والاجتماعي في أحكام القضاة والفقهاء، وفي طرائقهم في فهم النصوص التأسيسيّة وتأويلها.
ومن الجوانب الإيجابية التي أشارت إليها الدراسة: اختلاف تطبيق العدالة حسب الطبقة، فمثلًا؛ كان للعامّة سجونهم وللأمراء سجونهم، وكان إخفاء ما يجري في القصور والبلاطات جزءًا مهمًّا من هيبة الدولة؛ فأبرز ما يمكن تسميته بالانتماء الطبقي للمذنبين من جهة، والفضاء الذي اقترفت فيه المعاصي من جهة أخرى، في مسائل تسليط العقوبة، وكأن ثمة وهمًا، هو: أن الأحكام الفقهية وصفة جاهزة، يكفي أن يحفظها القضاة، حتى يوقعوا العقوبات على العصاة، وهو ما يمكن توصيفه؛ بأنه شكل من أشكال فساد السلطة السياسية، وترسيخ ثقافة الرضوخ لأحكام السلطان، دون التقيّد بأحكام الشريعة، وهو ما يراه العديد من المفكرين، ويقرّون أنه لا علاقة بين الأخلاق والسّياسة، لذلك؛ يجب إبعاد الاعتبارات الأخلاقية تمامًا عن العمل السّياسي، وهو ما يذهب إليه صراحة المفكّر الإيطالي (نيقولا ميكيافيلي) (1469م - 1527م)، في كتابه "الأمير"؛ حيث يرى أنّ مبدأ العمل السّيَاسِي، هو: (الغاية تبرّر الوسيلة)؛ فنجاح العمل السّيَاسِي، يكون في ما يحقّقه من نتائج ناجحة، بغض النظر عن الوسائل المتبعة في ذلك، حتى وإن كانت لا أخلاقية.
جاءت خاتمة الكتاب هزيلة للغاية، لا تتناسب مع عمق الدراسة وأفكارها، وكنّا نتوقّع أن تكون خاتمة جامعة مانعة بلغة المنطق، يخرج فيها لانغ بأفكار ورؤى وتصوّرات حول العدالة، والعقاب، وأفكار واستنتاجات حولها، إلّا أنه اكتفى بمجرّد سرد تاريخي سريع لفترة الدراسة، وقدم رأيه في الدراسة، على استحياء؛ بأنّها بيّنت أن العقاب في ظلّ حكم السلاجقة، كان ممارسة اجتماعية أساسية، وأنهم جعلوا من العقوبات العامة (تكتيكًا سياسيًّا) للبرهنة على شرعية سلطتهم، ولتعزيز مركزهم في الحكم.
ونتفق، تمامًا، مع مترجم الكتاب (الدكتور رياض الميلادي)[1]، في أنّ أهمية الكتاب تكمن في أنّ كريستيان لانغ، قام على منهج تعددت مداخله ومشاربه، وفي أن صاحبه لم يهتم بالثقافة الإسلامية العلمية فحسب؛ وإنما نظر، أيضًا، في كتب التاريخ التي أرّخت لليوميّ، ولما تعانيه الطبقات الاجتماعية المسحوقة من صنوف العقاب، ولما كان يربطها من علاقة بالعالم والسلطان، أو من يمثله من أعوان، لتحقق توازنها، ولتحدد معنى وجودها، في حقبة تاريخية قلّما اهتمت بها الدراسات العربية والإسلاميّة
 
 
 
 

الجمعة، 25 نوفمبر 2016

مأزق الدولة بين الإسلاميين والعلمانيين

مأزق الدولة بين الإسلاميين والعلمانيين

تقديم معتز الخطيب

يقدّم هذا الكتاب مادةً نظرية مهمة ومتنوعة الاتجاهات، فهو يساعد في فهم الأساس النظريّ للجدل حول الدولة وأسباب وأوجه الخلاف أولاً، كما أن إعادة قراءة الكتاب بعد ما جرى في مصر خاصةً توضح - ثانيًا - الهوة التي تفصل بين النقاشات النظرية والتطبيق العملي لجهتي: الممارسة السياسية الفعلية وخطابها، وإمكانات وكيفيات التعامل مع جهاز الدولة القائم، سواءٌ كنا في السلطة أم في المعارضة، وثالثًا: أن استحضار محتوى الكتاب على وقع ما جرى ويجري يمكن أن يدفع إلى المراجعة النقدية لكلا التيارين الرئيسيين في هذا النقاش: الإسلامي والعلمانيّ، فلعل الإسلاميّ سيدرك أنه لم يفهم جيّدًا مفهوم الدولة الحديثة والدولة القائمة في عالمنا التي عادةً ما تسمى "وطنية" أو "قومية"، ولعل العلمانيّ سيدرك جيدًا أن الإسلاميّ بذل جهدًا كبيرًا وقدّم ألوانًا مختلفة من التجديد ليتواءم مع فكرة الدولة الحديثة، ولكن العلمانيّ لم يتجاوز بعدُ مأزقه الخاص مع الدين ومع القبول بحق الإسلاميّ في العمل السياسيّ كلٌّ على شاكلته، وأن الشكّ الذي كثيراً ما أثاره العلمانيّ حول مدى تمسك الإسلاميّ بمبادئ الديمقراطية وتداول السلطة، اتضح أنه يعكس حالة كثير من العلمانيين أنفسهم في عدم الإيمان بذلك، والتجربة المصرية خيرُ شاهد على ذلك. ورابعًا: أن أحداث المنطقة وما يزال يجري في سوريا والعراق واليمن ولبنان يعمق أطروحة الكتاب التي يشخصها عنوانه (مأزق الدولة) بكثافة كبيرة.

Download - MediaFire

الإسلاميون وقضايا الدولة والمواطنة - الجزء الأول

الإسلاميون وقضايا الدولة والمواطنة

الجزء الأول

في إطار المحاولات الحثيثة للإجابة عن تساؤلات مطروحة في شأن الإسلاميين والحكم والدولة قبل الربيع العربي وبعده، أصدر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب الإسلاميون وقضايا الدولة والمواطنة، جمع فيه 16 دراسة منتخبة ومحكمة، كانت مادة النقاش في المؤتمر السنوي الثاني "الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي" الذي نظمه المركز في العاصمة القطرية الدوحة، في 28-29 أيلول/ سبتمبر 2013، ومحوره مسائل المواطنة والدولة والأمة. ويعد هذا جزءًا أولَ (يقع في 702 صفحة بالقطع المتوسط)، ويتبعه جزء ثانٍ قريبًا يضم دراسات أخرى في السياق نفسه.
أولى الدراسات الست عشرة في هذا الجزء لسعود المولى، المرجعية والحزب والدولة المدنية والمواطنة في الفقه السياسي الشيعي المعاصر، أبرز فيها مساهمة مفكرين في الحراك الفكري والسياسي الشيعي، في مقدمهم محمد باقر الصدر ومحمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله، واستجابتهم لتحديات التعامل مع الدولة الوطنية الحديثة في العراق ولبنان، ومقاربتهم علاقة المرجعية الدينية بالحزب الإسلامي المختلفة عن مثيلتها السنية، وباحثًا في تناول الصدر وفضل الله مسائل الدولة الإسلامية والمرجعية والولاية، وتميز شمس الدين بآراء فريدة في الدولة الوطنية والمواطنة.
في الدراسة الثانية المواطن والمؤمن والإنسان: قراءة نقدية لمنزلة المواطنة في الإعلانات العربية والإسلامية لحقوق الإنسان، يقرأ المنجي السرباجي نقديًا منزلة المواطن في الإعلانات العربية والإسلامية لحقوق الإنسان، ليفهم إشكالية المواطنة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر. فهذه النصوص لا تستحضر الحقوق السياسية الموجهة إلى حماية مشاركة المواطن في الشأن السياسي، وثمة من يزعم أن المواطنة مدخل خلفي لعلمانية الدولة، وبعض آخر يرى أن توكيد قيمة المواطن تتم بسلب المؤمن كل قيمة وبنفي الحاكمية الإلهية وولاية الأمر. فيكون رفض المواطنة توطئة لتعامل انتقائي – أداتي مع قيم حقوق الإنسان.
يطالب توفيق السيف، في الدراسة الثالثة مكانة العامة في التفكير الديني: نقد الرؤية الفقهية التقليدية للسلطة والاجتماعي السياسي، القوى الإسلامية والعربية الأخرى بالتخلي عن المصادر الثقافية والتقاليد الفلسفية المستخدمة لتبرير الاستبداد، لتكون هذه القوى محركات التحول الديمقراطي. ويعرض انعكاسات التفارق بين الديمقراطي والإسلامي على الرابطة الاجتماعية والدولة والمواطنة وتفويض السلطة. وإذ يستمد أمثلته من التراث الشيعي، يقول ألا جدوى من مطالبة الفقهاء بتطوير نظرية سياسية دينية، لأنها خارج الإطار الموضوعي لعلم الفقه. كما يدعو إلى مشاركة الناس في تطوير الفكرة الدينية، خصوصًا المنظور السياسي الذي يحقق الجمع بين القيم الدينية وحاجات العصر.
في الدراسة الرابعة التمكين السياسي للمرأة في فكر الحركات الإسلامية بين النظرية والممارسة: الإخوان والنهضة أنموذجًا، تلاحظ دلال باجس تقدمًا في دور المرأة السياسي في الحركات السياسية الإسلامية، من دون أن يرقى هذا التقدم إلى المستوى الذي تنشده النساء الإسلاميات أنفسهن. وأرادت باجس معرفة رؤية الحركات الإسلامية للتمكين السياسي للمرأة من منطلق فهمها لمبدأ المواطنة، ومدى رقي هذه الرؤية لحقوق المرأة السياسية إلى مستوى التنظير، فقارنت بين حزبي الحرية والعدالة في مصر والنهضة في تونس، موردة مقابلاتها مع قائدات في الحزبين، ومحللة مضمون خطاب الحزبين، السياسي والفكري.
يلاحظ زين الدين خرشي في الدراسة الخامسة المواطنة: المشروع المؤجل للأحزاب الإسلامية غياب المواطنة كأولوية فكرية وسياسية واجتماعية عن الخطابات السياسية للأحزاب الاسلامية المختلفة، لأنها موضوع غير مسلّم بمقدماته الفلسفية التي أُسِّست على مفهوم الفرد كذات حرة ومستقلة. كما يتناول عجز الأحزاب الإسلامية عن مقاربة الفرد والرباط الاجتماعي من خارج الإطار الديني، واختزالها المواطنة في إعلان معارضتها لها. ثم يخوض في أربع قضايا متداخلة: الموقف المتردد من الديمقراطية، والمواجهة بين الدين والدولة، والخطاب الشعبوي وتضمّنه تصورًا يقوم على نفي السياسي في المجتمع، والتصور الأخلاقي للسياسة.
يقارب شمس الدين الكيلاني، في الدراسة السادسة الإسلاميون المعاصرون وفكرة الدولة الديمقراطية، موقف الإسلاميين من الدولة الديمقراطية ومفاهيمها، واضعًا أطروحات الإسلاميين في سياقاتها التاريخية وأنساقها الاجتماعية في محطات تحولها، ومبتعدًا عن إطلاق الأحكام النهائية على توجهاتها، "اعتقادًا منا أن البيئة السياسية الاجتماعية الثقافية في تحولها مع حواملها الاجتماعية، في غمرة الانتقال إلى الديمقراطية، هي الكفيلة بتهيئة المناخ المواتي للتكيف مع العملية الديمقراطية ومقتضياتها، أكان للإسلاميين أم اليساريين أم القوميين الذين عاندوا جميعًا، لفترة طويلة، فكرة الديمقراطية"، كما يقول الكيلاني.
في الدراسة السابعة في هذا الجزء، الإصلاح الديني والإصلاح السياسي في المقاربات التقليدية والتجديدية وما بعد السلفية لمسألة المواطنة في الفكر الإسلامي السوداني، يركز شمس الدين الأمين ضو البيت على رصد الأطروحات الإسلامية السلفية والتجديدية وما بعد السلفية من الصراع العنيف والمستمر حول المواطنة في السودان، بناءً على موقف هذه الأطروحات من حقوق النساء والأقليات الثقافية والدينية والإثنية. فهذه الحقوق تكشف حجم الإصلاحات الدينية والسياسية المطلوبة، وصولًا إلى أطروحات إصلاحية إسلامية وسياسية ربما تعالج مسألة المواطنة في المجتمعات العربية الإسلامية.  
يلاحظ طيبي غماري، في الدراسة الثامنة أزمة الإسلام السياسي المعاصر: إشكالات التحول من جماعة المؤمنين إلى دولة مواطنين، إخفاق الإسلاميين خلال الخمسين عامًا الماضية في التحول من المعارضة إلى الحكم، وانصرافهم إلى الضعف فالتطرف فالعنف والإرهاب، رادًّا قوة الإسلام السياسي في المعارضة إلى كونه يُسيِّر المؤمنين من الناشطين الإسلاميين، وضعفه في الحكم إلى تسييره مواطنين ليسوا بالضرورة من الناشطين.
في الدراسة التاسعة المقاربة الحديثة لمدنيِّة الدولة في الحال العربية بعد وصول التيارات الإسلامية إلى الحكم: دراسة مقارنة بين مصر وتونس، يحلل محمد عبد الله أبو مطر النصوص المحددة لهوية الدولة ومصادر التشريع وتنظيم الحقوق المواطنية في الدساتير، واتساقها مع ركائز الدولة المدنية، وتأثير وصول التيارات الإسلامية إلى السلطة في الممارسة الدستورية، وعلاقة الدين بالدولة ودوره في تحديد تفاعلها مع محيطها السياسي والاجتماعي. كما يؤصل إشكالية مدنية الدولة وعلاقتها بالدين في البلدان العربية، ويحدد مساراتها وأسبابها في سياقها العربي- الإسلامي، وكيفية معالجتها من منظور هيمنة إسلامية على السلطة في مصر وتونس.
يحاول محمد الكوخي وإبراهيم أمهال، في الدراسة العاشرة الإسلام السياسي ومأزق الدولة الحديثة: بحث في الجذور الاجتماعية للإسلام السياسي وتحولات الخطاب - المغرب أنموذجًا، تفسير ظاهرة الإسلام السياسي كأحد الإفرازات التاريخية لعملية التحديث التي عرفتها المجتمعات العربية/ الإسلامية في القرن العشرين، وكردة فعل تاريخية أبدتها البنيات الاجتماعية التقليدية في المجتمعات المتحولة تدريجًا نحو التحديث على إخفاق التحديث وتكريس مأزق الدولة الحديثة، "حيث أدى كل إخفاق في عملية الانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث إلى تكريس خطاب هوياتي ديني أكثر تشددًا ورفضًا للتحديث ومقاومة له"، كما يقول الكوخي وأمهال. فردات الفعل على عملية التحديث القسري تعبير عن صعوبات مخاض الانتقال من مجتمع ودولة تقليديين إلى مجتمع ودولة حديثين.
يسأل مرشد القبّي في دراسته حقوق غير المسلم في مشروع الدولة الإسلامية: مواطنة تامّة أم منقوصة؟ وهي الحادية عشرة في هذا الجزء، عن وضعية غير المسلم في الدولة الإسلامية المنشودة، وهي مسألة شائكة تعترض محاولة الإسلاميين المواءمة بين التشريع الإسلامي والدساتير والقوانين الحديثة. فما مخارج الإسلاميين ليوفّقوا بين الوفاء لإسلامية الدولة واحترام حقوق غير المسلمين على قاعدة المساواة المواطنية الحديثة؟ هل آراؤهم في هذا الشأن تطوير للتراث الفقهي المتّصل بأهل الذمة ونظام الملل؟ هل توسع هذه الآراء مفهوم المواطنة أم تضيّقه؟
ترصد مي سمير عبده متولي في الدراسة الثانية عشرة الدولة وعلمنة المشروع الإسلامي: مصر أنموذجًا أسباب تعثر حركات إسلامية تقلّدت السلطة في العالم العربي بعد ثورات الربيع العربي من غياب مشروعات حقيقية تقدمها إلى ضعف التعاون الداخلي معها، ما رفع نسبة التشكيك في حقيقة المشروع الإسلامي نفسه. تقول متولي إن الحركات الإسلامية رفعت شعار إحياء الخلافة إذا وصلت إلى السلطة، وانضوت تحت لواء الدولة قابلةً آلياتها، وحين تقلّدت السلطة تنازلت أكثر، فصارت الدولة عاملًا مستقلًا في هذه المعادلة، وصار المشروع الإسلامي عاملًا تابعًا، بعدما ظن رواد الحركات الإسلامية أن العكس هو ما سيحدث مع تقلدهم السلطة.
يقدم نائل جرجس في الدراسة الثالثة عشرة غير المسلمين في الدول العربية بين الواقع التشريعي والقراءة المعاصرة للإسلام تحليلًا نقديًا لتعامل المشرّع والقضاء العربيين مع غير المسلمين، وللمواد الدستورية والقانونية التي تنتهك الحق بالحرية الدينية وبالمساواة أمام القانون. ويستعرض آثار التطبيقات المختلفة لهذه القوانين في حياة المواطنين، مع تسليط الضوء على اجتهادات المحاكم الدينية، وتناول مفكرين إسلاميين ليبراليين الوضع القانوني لغير المسلمين في المجتمعات الإسلامية بغية تحسينه، وتأثير الإسلام في هذا الوضع القانوني.
في الدراسة الرابعة عشرة التجمع اليمني للإصلاح: قراءة في تجربته التاريخية وجدلية الديني والسياسي ورؤاه في المواطنة والدولة والأمة، يبحث نبيل البكيري في تجربة التجمع اليمني للإصلاح الذي يعدّ امتدادًا طبيعيًا للحركة الوطنية الإصلاحية اليمنية التي كان تنظيم الإخوان المسلمين اليمنيين محركها الأساس. كما يرصد مراحل تجربة الإخوان في اليمن، التي تداخل فيها السياسي بالديني والوطني بالأممي.
توصل الباحثون هشام خباش وجويل كوندو وعبد الحق جبار في الدراسة الخامسة عشرة الثابت والمتحول في مواقف الإسلاميين المغاربة من الدولة المدنية: (أنموذجا "العدل والإحسان" و"العدالة والتنمية") إلى أن مواقف حركة العدل والإحسان وحزب العدالة والتنمية من الدولة المدنية متماثلة وثابتة برفضها أن يكون حاكم الدولة المسلمة غير مسلم، وتأكيدها المشاركة السياسية في ظلِّ نظام الشورى، ومتحولة ومتباينة في العلمانية انتخاب مسؤولي الدوائر الحكومية والانتخابات لاختيار الحاكم وفصل السلطات والديمقراطية والتعددية الحزبية.
في الدراسة السادسة عشرة والأخيرة مفهوم الأمة في الفكر العربي المعاصر: بين التجاذبات الأيديولوجية السياسية ورهانات الحداثة ودولة القانون، يسعى نوري ادريس إلى استرجاع مفهوم الأمة العربية الإسلامية من قبضة الخطاب الديني والسياسي - الأيديولوجي، وبعثه ضمن سياقات تاريخية ورهانات حداثوية تشكل فيها وبها في الفلسفة السياسية المعاصرة، لتخليصه من ترسبات أيديولوجية ودينية وأوهام يوتوبية، ووضعه في المشروع الحداثوي العربي، إذ يستحيل فصل مفهوم الأمة عن النضال من أجل الديمقراطية ودولة القانون، فالدولة – الأمة تجسيد لانتشار قيم اجتماعية وسياسية وأخلاقية تُجمع عليها التيارات المختلفة المشكِّلة للمجتمع.
يضم هذا الجزء بين دفتيه إنتاج 16 باحثًا، هم: الباحث المغربي إبراهيم أمهال المتخصص في علم الاجتماع، والباحث السعودي توفيق السيف المهتم بالتحول الديمقراطي في إطار قيم دينية، وأستاذ الأنثروبولوجيا الفرنسي جويل كوندو، والباحثة السياسية الفلسطينية دلال باجس، والأكاديمي الجزائري زين الدين خرشي، والباحث اللبناني في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات سعود المولى، والباحث السوداني في الإصلاح الديني شمس الدين الأمين ضو البيت، والباحث السوري في المركز العربي شمس الدين الكيلاني، والباحث الجزائري في الأنثروبولوجيا طيبي غماري، والأستاذ المغربي في أنثروبولوجيا الحركات الإسلامية عبد الحق جبار، والباحث الفلسطيني محمد عبد الله أبو مطر المتخصص في القانون والعلاقات الدولية، والباحث المغربي في قضايا الهوية محمد الكوخي، والباحث التونسي في تاريخ الحضارة الاسلامية مرشد القبي، والباحث التونسي المنجي السرباجي المتخصص بقضايا حقوق الانسان والديمقراطية، والباحثة السياسية المصرية مي سمير عبده متولي، والباحث السوري في قضايا الأقليات نائل جرجس، والباحث اليمني في شؤون الجماعات الإسلامية نبيل البكيري، والباحث الجزائري نوري ادريس المتخصص في سوسيولوجيا المجتمعات المدنية، والباحث المغربي هشام خباش المتخصص في أنثروبولوجيا الحركات الإسلامية.


Download - MediaFire 

الجمعة، 19 يونيو 2015

سياسات الإسلام المعاصر : مراجعات ومتابعات

سياسات الإسلام المعاصر : مراجعات ومتابعات

 



تضم هذه المجموعة من الدراسات مقالات تنشغل بشكل عام بالإسلام الحديث والمعاصر. أما المقاربات التي تضمها هذه المجموعة فتعنى بالحقبة المعاصرة المفيدة على مدى نصف القرن الأخير. وتتجلى تلك العناية بقراءة الشروط الثقافية والسياسية والاجتماعية التي ظهر فيها الفكر الإسلامي المعاصر، فحددت طبيعته، وأثرت في تطوراته، وقد اقتضى ذلك العودة في المقدمات إلى عصر الاصلاحية الإسلامية ومنجزاته وروحيته وطبائعه، ليس من أجل فهم الاصول والمآلات والمقارنة وحسب، بل ولتقديم الأطروحة الأساسية التي تخترق فكرتها المجموعة كلها: هذا وإن الإشكالية الرئيسية في الفكر الإسلامي الحديث كانت إشكالية النهوض والتقدم، بينما الفكر الإسلامي المعاصر إشكاليته الأساسية الهوية ومقتضياتها وأساليب ووسائل حفظها. ولذا فإن هذه الدراسات المجموعة ترى وتحدد زمن حدوث تلك القطيعة، وظروفها في العشرينات والثلاثينات من هذا القرن. ويمكنها تحديد محور تلك المقالات بدقة أكثر فتقول بأن هذه الدراسات في الفكر الإسلامي المعاصر هي: أصوله وبيئاته، وعلائقه، وخصائصه، وموضوعاته، واهتماماته، وإمكانياته المستقبلية.

وقد رتبها الباحث في أربعة أبواب حسب موضوعاتها: جدليات السياسة والثقافة في المجال الإسلامي المعاصر، والفكر الإسلامي المعاصر، والحركات الإسلامية المعاصرة وقضايا الفكر الإسلامي المعاصر، واتجاهات الخصومية ونقائضها. وإذا كانت أطروحة الكتاب الأساسية وجود انفصام بين الحديث والمعاصر في الفكر والتفكير الإسلامي، فإن الوجه الآخر لتلك الأطروحة حضور الغرب، وحضور الحداثة وردود الفعل عليها في المقالات كلها. فإذا كان الغرب حافزاً بالمعنى الإيجابي للفكر الإسلامي الحديث، فإنه أساس بالمعنى السلبي في الفكر الإسلامي المعاصر، وهو في الحالتين-بمعناه الملتبس ودلالاته الأشد التباساً-حاضر شديد الحضور


السبت، 6 يونيو 2015

الخيال السياسي للإسلاميين

الخيال السياسي للإسلاميين

ما قبل الدولة ومابعدها



الساحة الإسلامية أحوج ما تكون إلى مناقشة تصوراتها عن الدولة الإسلامية ومراجعتها أكثر من أي وقت مضى، فقد غلبت العموميات البلاغية
التصورات التاريخية على رؤيتها حيناً، وطغت الإعتبارات العملية (البراغماتية) على حركتها حيناً أخر

والدعوة إلى المراجعة هنا لا تعني التراجع ولا النقض، ولا تحركها عقلية الانكسار ولا أوهام الاستكبار، بل هى واجب شرعي وتاريخي يقترن بمهمة التجديد وهى مسؤولية من يرفع لواء هذا الدين لعظم الأمانة التي يحملها حين يتحدث بلسان المرجعية الشرعية ويتحرك تحت مظلتها 
وبموازاة فتح حوار حول الدولة الإسلامية، نحتاج إلى مراجعة الدولة الحديثة في صورتها القومية كمتغير مفاهيمي، بمعنى: كيف نفكر في الدولة ونتخيلها؟ وكيف نحن في أمَسّ الحاجة إلى تجديد تصوراتنا لها بمثل ما نحتاج إلى تجديد أمر الدين؟

فالدولة كبناء هى أداة لرعاية مصالح الناس ومنتج بشري يمكن تحوّله إلى آلة هيمنة وأداة للإستبداد في يد من يملك المال ويحكم بالبطش، تلك كانت مسارات الجدل الفكري والنظري عبر التاريخ بشأن السُلطة والمُلك ونُظم الحُكم السياسي 
إن غاية هذا الكتاب هى بناء عقلية نقدية وفتح أفق لمتابعة الاجتهاد في النظرية السياسية، بهدف العودة إلى فهم الواقع بأدوات متنوعة، فالنظرية والواقع لا يفترقان لكن بينهما جسر، وعلى هذا الجسر يمكن للعقل أن يفهم خرائط الواقع ويستشرف المستقبل بشكل أفضل ليصوغ وجهته بمنهج أكثر رشداً وحكمة




الخميس، 9 أبريل 2015

مفهوم الدولة الإسلامية

مفهوم الدولة الإسلامية

أزمة الأسس وحتمية الحداثة

 


يعد كتاب "مفهوم الدولة الإسلامية: أزمة الأسس وحتمية الحداثة" (392 صفحة من القطع الكبير) للكاتب امحمد جبرون والصادر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مساهمة قيّمة في النقاش العام الدائر حول فكرة "إسلامية الدولة" والتي حظيت بمكانة متميزة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، وتأسست الأطروحة التي يحاول هذا الكتاب بناءها على أساس فرضية مفادها أنّ سؤال "الإسلامية" الذي ملأ الدنيا، ليس هو المشكلة الحقيقية، بل هو مجرد مظهر لمشكلة أعقد، وهي مشكلة العطب الإصلاحي - التاريخي الذي حدث قريبًا من عهدنا خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
ويرى المؤلِّف في كتابه أنّ أصل الخلل في تصور إسلامية الدولة، يكمن في منهج قراءة الإسلاميين للنص الشرعي (القرآن والسنة). وهو منهج يعطي الأولوية للجزئيات على حساب الكليات، وللأحكام بدل الحكم. ويحاول المؤلف تجاوز هذا الخلل عن طريق السعي نحو تحرير النص الشرعي من التاريخ وآثار الثقافة العالقة بالفهم الموروث.
ويرى جبرون في الفصل الأول، وهو بعنوان "الإسلام وأصول الحكم"، أن من الممكن - عبر إعمال هذا المنهج في النص الشرعي - استنباط ثلاثة مبادئ كليّة تمثّل أساس وصف الإسلامية. وهذه المبادئ هي: البيعة (التعاقد)، والعدل، والمعروف. ويؤسس الكاتب هنا لمفهوم "المعرف" بأنه: "مصلحة دائمة دينية ودنيوية لا يحدّها الزمان ولا المكان، وهو كذلك علة دائمة وحاضرة حضور الإنسان في الحياة. إنه - أيضًا - وصف لازم للنشاط الإيجابي للإنسان المسلم على الصعيدين الفردي والجماعي. ومن ثم، فاحترام الوقت واستثماره، وتقديس العمل، وأداء الصلاة في وقتها، والإنتاجية في العمل، وأداء الواجب، والاهتمام بالأسرة، ومساعدة الآخرين... إلخ، كلها وجوه للمعروف. وعليه، يكون حكمه كمفهوم كلي ومجرد، بقطع النظر عن تفصيلاته وأمثلته العينية، واجبًا عينيًا وفرضًا أساسًا من فروض الإسلام".
وبذا بات مفهوم الدولة الإسلامية مفهومًا جاذبًا للحداثة، بعد أن كان نافيًا لها بإلحاحه على التطابق مع التاريخ. ويرى المؤلف كذلك أنّ الدولة الإسلامية بمختلف مراحلها، كانت محاولةً لتنزيل هذه المبادئ وفق المتاح التاريخي. ولذا فقد خصّص ثلاثة فصول شغلت المساحة الكبرى من الكتاب لعرض أشكال تنزيل مبادئ "الإسلامية"، وأشكال التكيّف مع التاريخ في ثلاث مراحل كبرى من تاريخ الدولة الإسلامية وهي: دولة الراشدين، ودولة العصبية، والطور الانتقالي نحو "الدولة – الأمة" ابتداءً من العصر الحديث.

الاثنين، 2 فبراير 2015

الدولة المستحيلة

الدولة المستحيلة


ملخص من موقع التقرير:
يقدم البروفيسور وائل حلاق طرحًا متميزًا وجرئيًا في كتابه الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقيالذي ترجم للعربية وصدر مؤخرًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ضمن سلسلة “ترجمان”. أقول جريئًا لأنه يثير الذهن للتفكير في قضايا أو أفكار قد تتردد على أنها بدهيات أو مسلمات أو محرمات مما يلقي حجرًا في المياه الآسنة ويحرك الروح النقدية ويشجع البحث فيما يتعلق بالدولة الحديثة وما يسمى الإسلام السياسي وكذلك التعاطي مع الحداثة والحضارة المعاصرة.
يقدم هذا الكتاب الذي قام بترجمته الدكتور عمرو عثمان، طرحًا متميزًا  لمواجهة بعض الآفات التي ابتلي بها الفكر العربي في تعامله مع التراث والحداثة على حد سواء، إذ لا يمكن لدولة ما أن تكون إسلامية بحق في ظل هيمنة الدولة القومية الحديثة والعولمة التي أنتجتها تلك الدولة.
وإذا اُفترض جدلًا إمكانية قيام تلك الدولة، فلن تكون قابلة للبقاء في ظل الظروف السائدة في عالم اليوم. فالتناقض الذاتي الأصيل في مفهوم الدولة الإسلامية الحديثة يقوم في الأساس، من وجهة نظر المؤلف، على المأزق الأخلاقي للحداثة، تلك الحداثة التي أفرغت العالم من قيمه الروحية، وتعاملت مع الكون باستعلائية مدمرة، وسعت إلى تدجين الفرد وتشكيل ذاتيته، بحيث يستسلم تمامًا لمنطق القوة والثراء. يحدث كل ذلك من خلال رفع شعارات العقلانية والتنوير والتضحية في سبيل الدولة، وغيرها من الأساطير التي قامت عليها الدولة الحديثة.
في المقابل، يقوم الإسلام كله، وشريعته التي شكلت لحمته وسداه على مدار اثني عشر قرنًا، على نظام قيمي مختلف بالكلية، نظام أخلاقي بالدرجة الأولى، استطاع أن يمنع استغلال الفرد والتحكم فيه، بالطريقة التي تقوم بها الدولة الحديثة. كما أنه قدم نظامًا مغايرًا لما يطلق عليه الآن “فصل السلطات”، وحقق نموذجًا كان، بعبارة المؤلف، “أكثر دقةً في تجسيد معنى هذا الفصل وهدفه، وأكثر تفوقًا قياسًا بما نجده في الدولة الحديثة النموذجية”.
وردَ الكتاب الذي يقع في 352 صفحة من القطع الكبير في سبعة فصول؛ يتناول الفصل الأوّل “مقدمات وصف “الحكم الإسلامي النموذجي”، ويرسم حدود مفهوم “النموذج” كما سيجري استخدامه بوصفه مفهومًا مركزيًّا في أطروحة الكتاب الكلية. ويصف الفصل الثاني الدولة الحديثة، “الدولة الحديثة النموذجية”، ويحدّد “خصائص الشكل” الذي يمثّل الصفات الجوهرية للدولة الحديثة. ويقوم بتفكيك تلك الخصائص، معترفًا في الوقت عينه بالتغيرات المتزامنة والتنوعات المتلاحقة في تكوين تلك الدولة.
أمّا الفصل الثالث “الفصل بين السلطات: حكم القانون أم حكم الدولة“، فيناقش مفاهيم الإرادة السيادية وحكم القانون فيما يخصّ مبدأ الفصل بين السلطات؛ هادفًا من وراء هذه المناقشة إلى استعراض الأطر والبنى الدستورية لكلٍّ من الدولة الحديثة والحكم الإسلامي، وتسليط الضوء على الاختلافات الدستورية بين نظامَي الحكم هذين. واعتمادًا على هذه الاختلافات، يستكشف الفصل الرابع “القانوني والسياسي والأخلاقي“، معنى القانون وعلاقته بالأخلاق. ويؤكّد هذا العرض الفلسفي أساسًا الاختلافات النوعية بين المفهوم الأخلاقي للدولة الحديثة والحكم الإسلامي. وسيتحوّل هذا العرض في الجزء الثاني من الفصل الرابع إلى عرضٍ ذي طابع سياسي. وستتعزّز هذه التباينات القانونية-الأخلاقية بفعل  التباينات السياسية كاشفةً عن مجالٍ آخر من عدم التوافق بين الدولة الحديثة والشريعة.
ويرى الفصل الخامس “الذات السياسية والتقنيات الأخلاقية لدى الذاتأنّ الدولة القومية الحديثة والحكم الإسلامي يميلان إلى إنتاج مجالين مختلفين من تكوين الذاتية، وأنّ الذوات التي ينتجها هذان المجالان النموذجيان تتباين تباينًا كبيرًا، الأمر الذي يولّد نوعين مختلفين من التصورات الأخلاقية والسياسية والمعرفية والنفسية والاجتماعية للعالم. وتلك الاختلافات العميقة بين أفراد الدولة القومية الحديثة ونظرائهم في الحكم الإسلامي إنّما تمثّل التجليات المجهرية المصغّرة للاختلافات الكونية المادية والبنيوية والدستورية، وكذلك الفلسفية والفكرية.
ويحاجج الفصل السادس “عولمة تضرب حصارها واقتصاد أخلاقي” في أنّ الأشكال الحديثة للعولمة ووضع الدولة في هذه الأشكال المتعاظمة القوّة، يكفيان لجعل أيّ صورة من الحكم الإسلامي إمّا أمرًا مستحيل التحقّق، وإمّا غير قابل للاستمرار على المدى البعيد هذا إذا أمكن قيامه أصلًا. وبعبارة أخرى، يصل المؤلف إلى نتيجة مفادها: إذا جرى أخذ كلّ العوامل في الحسبان، فإنّ الحكم الإسلامي لا يستطيع الاستمرار نظرًا للظروف السائدة في العالم الحديث.
ويختم الكاتب بالفصل السابع “النطاق المركزي للأخلاقي”، متفحّصًا مآزق أخلاقية حديثة مع الإشارة إلى أسسها المعرفية والبنيوية بصفتها تؤسّس لأصل الأزمات الأخلاقية التي واجهتها الحداثة في كلّ صورها الشرقية والغربية. ويرى المؤلف أنّ استحالة فكرة الحكم الإسلامي ناتجة بصورة مباشرة من غياب بيئة أخلاقية مواتية تستطيع أن تلبّي أدنى معايير ذلك الحكم وتوقعاته، ويرى أنّ هذه الاستحالة هي تجلٍّ آخر لعدة مشاكل أخرى ليس أقلّها شأنًا الانهيار المطّرد للوحدات الاجتماعية العضوية ونشأة أنماط اقتصادية استبدادية، إضافةً إلى ما هو أكثر أهمية من ذلك، وهو الدمار الشامل للموائل الطبيعية والبيئة.
تزداد أهمية هذا الكتاب من وجهة نظر المترجم لصدوره في وقت تبدو فيه بعض الشعوب العربية والإسلامية ساعية لتحديد أسس مرجعيتها وملامح هويتها، تحسبًا لاغتنام الفرصة التاريخية السانحة. وربما تكون التيارات الإسلامية مهما كانت درجة إخلاصها بصفة عامة أحق من غيرها باللوم في هذا السياق.
الكتاب كما يصرح المؤلف لا يهدف في أحد هوامشه إلى إصابة القارئ المسلم والعربي بالإحباط واليأس من عدمه، قدرته على الفكاك من ورطة الحداثة التي وجد نفسه فيها بلا اختيار منه، ومن استحالة قيام دولة إسلامية تحافظ على خصوصيته الأخلاقية والتاريخية في ظل مناخ دولي لن يسمح لتلك الدولة أن تزدهر. فهو يعرض المشكلة بأبعادها التاريخية المعقدة ويطرح سريعًا مسارات للحل.
يختتم الكتاب بالقول إن العيش معًا في سلام على الأرض هو عمل شاق، وقد يكون يوتوبيا حديثة أخرى. بيد أن إخضاع الحداثة لنقد اخلاقي يعيد هيكلتها ويبقي الحاجة الأساس لا لقيام حكم إسلامي فحسب؛ بل لبقائنا المادي والروحي.


الخميس، 25 ديسمبر 2014

الدولة والشريعة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر

الدولة والشريعة 

في الفكر العربي الإسلامي المعاصر




صدر للأستاذ برّاق زكريا دراسة جديدة حول "الدّولة والشّريعة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر". وهذه الدراسة هي من إصدار "مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي في بيروت". وتندرج ضمن سلسلة الدراسات الحضارية التي يصدرها المركز.
وتصدَّر محتويات المجلد الأول ثلاث كلمات: كلمة المركز، ومقدمة تمهيدية. ومحتويات هذا المجلد تراوحت ما بين ثلاثة أقسام مع فصولهم. وتمحور القسم الأول حول: إشكالية العلاقة بين الدين والدولة في أوروبا، وكيف دخلت إلى بلادنا؟، القسم الثاني: الدين والدولة في عصر النهضة. القسم الثالث: الإحيائية الإسلامية ظهورها وأفكارها. إضافة إلى خاتمة ونتائج.
وجاء في كلمة المركز: العلاقة بين الدولة والشريعة مسألة أخذت في الفكر الإسلامي عموماً، بكل تياراته، حيّزاً واسعاً من النقاش، واحتل البحث فيها صفحات تنوء بالعصبة أولي القوّة، بل أُريق على مذبحها من الدماء أكثر مما أُريق من الحبر. واختلفت التقديرات لطبيعة العلاقة بين الطرفين بين من رأى أنها علاقة مانعة انفصال؛ فالسياسة في الإسلام والشّريعة عين الديانة والعكس صحيح. وبين من رأى ضرورة بناء الدولة على أسس غير دينية تستورد من جغرافيا العقل الإنساني دون نظر إلى جغرافياه الأرضية أو الفكرية. مع الالتفات إلى تعدّد الرؤى بين هذين الحدّين تعدّد ألوان الطيف.
والآن، وبعد الاهتزازات التي عصفت بالعالم الإسلامي والعربي منه على وجه التحديد وصعود نجم التيارات الإسلامية، يبدو الرجوع إلى دفاتر الفكر السياسي الذي صدرت عنه بعض الحركات الإسلامية التي ثُنيت لها وسادة الحكم في بعض البلاد الإسلامية ولو من غير استقرار حتى الآن، تبدو العودة إلى تلك الدفاتر ضرورة ملحّة لفهم الحدث واستشراف المآلات التي يمكن أن تؤول إليها الأحداث.
وقد حاول باحثنا الأستاذ برّاق زكريا استطلاع أهم نظريات الفكر السياسي التي تبنّتها بعض الحركات الإسلامية في العالم العربي، للكشف عن أهم عناصرها المكونة لها، والحفر في أعماقها لاكتشاف المصادر التي استقت منها أفكارها. وهذه الدراسة جمعت بين الاختصار وحسن التحليل ما قد لا يتوفر في غيرها من أمثالها.
لا مِراء في أنّ الإشكالية السياسية هي القضيةُ المركزية المِحور والأُم التي شغلت، ولا تزال، الفكر العربي الإسلامي الحديث والمعاصر – حسب ما جاء في المقدمة التمهيدية للكتاب – بل إن ثمة علاقة تلازُمية، من حيث التكوين، بين الفكر العربي الحديث وبين الإشكالية السياسية.
القضية المركزية التي يدور حولها هذا البحث هي العلاقة بين الشريعة والدولة ومكانة الشريعة في الدولة لدى مفكري الإسلام المحدثين. فالإشكالية محل النزاع بينهم وبين المفكرين العرب من غير ذوي النزعة الإسلامية، من جهة، وبين بعضهم وبعض من جهة أخرى، تدول حول مرجعية الدولة: هل هي الشريعة الإسلامية، أم الدستور الوضعي البشري؟ وهل الإسلام دين ودولة، وعقيدة وشريعة، أم هو دين وعقيدة فحسب؟ وبكلام آخر، ما المرجعية في أمور القضاء والسياسة والاقتصاد والإدارة؟ هل الإسلام هو المرجعية في كل ذلك، أم أن هذه الأمور أمور دنيوية، بالتالي، فإن "الحل والعقد" فيها متروكان لاجتهادات البشر الخاضعة للتبدُّل والتغيّر والتطور تبعاً للظروف والأحوال وتبدُّلاتها، وللناس أن يقدِّروا ما فيه صلاحهم ومصالحهم ومنافعهم، فيأتوه كما لهم أن يشخّصوا ما فيه فسادهم ومضارهم، فيجتنبوه، ولا يد للدين في ذلك، وشأنه مقصور على ما له مساس بأمور العقيدة والعبادة والآخرة والمعاد وما له علاقة بالروح والأخلاق والسلوك فحسب؟..
وبمعنى آخر، هل تخضع الدولة، قياداتها ومؤسساتها وحكامها ومحكوموها لقانون السماء، أم للقانون الوضعي ولاجتهادات البشر بلا مرجعية عليا منها يستمدون، وإليها في كل أمورهم يرجعون؟ وهل نمتد بالدين، ليشمل السياسة وأمور الحكم وإدارة الدولة، أم نستبعد كل ذلك من ميدانه؟.
لقيت نظرية فصل الدين، مرجعية وشريعة وقانوناً، عن الدولة من هذه الفئة القبول والترحاب، ومن تلك النقد والرفض. إذ وجد فيها بعضهم الطريقة المُثلى والترياق الأنجع للخروج من حالتي التخلف والرجعية الواقعة فيهما الأمة، واللانعتاق – على غرار ما كان في الغرب – من نير استعباد رجال الدين ونظرياتهم الموغلة في القدم، والغارقة في طوباوية الماضي التليد، والمقيدة بأمجاد السلف، والرهينة لذلك العصر الذهبي الآفل منذ قرون...
لقد أصبح واجباً، بنظر أصحاب هذا المنزع، التحرّر من أغلال التجذُّر بتُربة الأسلاف، دع إعادة تطبيق نظرياتهم في واقعنا المعاصر المباين كلياً لواقعهم. وبرأي هؤلاء، فإن هذا ما يفرضه العقل ويحتّمه الاعتبار، وقبل ذلك وبعده، هذا ما يتطلبه الواقع وتوجبه المصلحة، و"حيثما كانت المصلحة، فثمّ شرع الله". وعليه، فلا ضير برأيهم في الاعتبار بتجارب الغرب وطرائقه ومناهجه، لا سيما نظريته في الفصل بين الدين والدولة، بين الروحي والزمني، بين الإلهي والإنساني؛ إذ إنها نظرية إنسانية عامة توصِّل إليها بدوافع ملحة وضرورات حتمية، وبعد جهود مضنية بذلها المفكرون الغربيون في مواجهة سلطة الكنيسة، ولكفّ أيدي رجال الدين عن السياسة؛ بل ولافتكاك الدين نفسه من أغلالها. فكانت هذه النظرية خير ما أنتجت العقول البشرية في مجال الاجتماع السياسي، وهي بالتالي، صالحة لكل زمان ومكان وللمجتمعات الإنسانية كافة، على اختلاف أديانها وأيديولوجياتها

Download - MediaFire