‏إظهار الرسائل ذات التسميات المعهد العالمي للفكر الإسلامي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المعهد العالمي للفكر الإسلامي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 17 أغسطس 2016

دور أهل الحل والعقد في النموذج الإسلامي لنظام الحكم

دور أهل الحل والعقد في النموذج الإسلامي لنظام الحكم


نقلا من موقع بحوث
التعريف بالكتاب
تتقسم الدراسة إلى فصل تمهيدي وبابين.
الفصل التمهيدي يعنى بيان تصور الدراسة للنموذج الإسلامي لنظام الحكم من خلال المقومات العامة وخصائصها انطلاقاً من الرؤية الإسلامية للتصور الغربي للمفاهيم المدرسية لنظم الحكم والكشف عن المفهوم ا لفقهي لنظام الحكم الإسلامي ، وذلك باعتبار أن هذا النموذج هو المجال الذي يمارس أهل الحل والعقد دورهم من خلاله.

أما الباب الأول فيطرح مفهوم الدراسة لجماعة أهل الحل والعقد مبيناً طبيعتها بين الجماعات السياسية التي تطرحها النظرية السياسية الغربية من صفوة سياسية أو جماعات المصالح أو الأحزاب السياسية أو التكنوقراط ، وذلك بعد مراجعة استخدامات المصطلح ودلالاته في الفقه السياسي الإسلامي القديم والحديث .

أما الباب الثاني فيعنى بطرح الأدوار المختلفة لأهل الحل والعقد والرؤية الإسلامية لطبيعة مفهوم الدور بالنسبة لما يماثله من مصطلحات إسلامية وخصوصيتها بالنسبة لمثيلاتها في الرؤية الغربية ، وتم طرح هذه الأدوار من خلال ربطها بمقاصدها على اعتبار أن الدور وسيلة تتغيا تحقيق مقصد معين ، ومن ثم تم طرح الأساس النظري لمفهوم الدور والمقصد بالنسبة لأهل الحل والعقد وعرض الأدوار المختلفة التي تتعلق بمقصد التمكين العقدي في داخل الأمة وخارجها كالجهاد ، وإقامة العدل ، و الرقابة انطلاقا ً من مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ثم الأدوار المتعلقة بتدبير الأمور العامة للرعية سواء ما يتعلق بالاجتهاد ومواجهته لما يستجد للأمة من مصالح ووقائع أو تلك المتعلقة بالتدبير النظمي والبناء المؤسسي ، وبتدبير النشاط الاقتصادي في الأمة.





الاثنين، 7 سبتمبر 2015

البناء الفكري - مفهومه ومستوياته وخرائطه

البناء الفكري

 مفهومه ومستوياته وخرائطه




الفكر، والتَّفكير، والتَّفكُّر، والتَّدبُّر، والتَّذكُّر،... مفاهيمُ أساسية رافقت الوجود الإنساني، منذ بدء الخليقة، وسوف تبقى معه إلى نهايتها، دون أن تثبت مادتها وموضوعاتها ومستوياتها عند حد معين، في حياة الفرد البشري أو الجيل البشري. فكيف يمكن لكتاب أن يستقصي ذلك؟!
هذا الكتاب إذاً، مدخل  إلى الفكر وحسب؛ مدخل في مفاهيمه ومستوياته وخرائطه... تضمن تجوالاً فكرياً: في موضوع الفكر؛ وفي مصادره في الأصول والتراث والخبرة المعاصرة، وموضوعاته، وأدواته، ونصيب أصناف أهله منه، والمؤسسات المتخصصة فيه، وعلاقته بالعلم جملة، وبالعلوم النفسية والتربوية والاجتماعية واللغوية والسياسية...

وهو كذلك مدخل إلى عملية البناء الفكري؛ كيف تبدأ، ثم تتواصل مرحلة بعد أخرى؟ وكيف تترقى من مستوى إلى آخر؟ وكيف تتنوع في المحتوى الذي تبنيه؟

وهو قبل ذلك وبعده، أسئلة كثيرة، وإجابات قليلة؛ فقيمةُ التَّفكُّر في إثارة الأسئلة لا تقلُّ عن التفكر في البحث عن إجاباتها، وبعض الإجابات عارضة مؤقتة، تتغير وتتعمق مع مزيد من الفكْر والذِّكْر، والتَّفكُّر والتَّذكُّر.

قد يجد القارئ في الكتاب بعض مواطن المتعة والطرافة، لكنه سوف يجد كذلك مواطن كثيرة تضطره إلى التَّفكُّر والتَّدبُّر، فإذا نجح الكتاب في الأمرين، فذلك ما كان يهدف إليه! 



الاثنين، 18 مايو 2015

الفاروقي وإسهاماته في إصلاح الفكر الإسلامي المعاصر

إسماعيل الفاروقي

وإسهاماته في الإصلاح الفكري الإسلامي المعاصر




هذا الكتاب
إعادة ُاعتبارٍ لمكانة الفاروقي في تاريخ التفكير الإسلامي المعاصر لا سيما في البيئة العربية، وكشفٌ عن موقع الفاروقي في تخصصات قلَّ التطرق إليها والتخصص فيها مثل مقارنة الأديان، واعترافٌ بالإسهامات الفكرية والحضارية التي قام بها الفاروقي في مجال الفكر الإسلامي المعاصر، وتعريفٌ بالمسكوت عنه في شخصية الفاروقي وبيئته العلمية والاجتماعية وأفكاره.
حاولت بحوث هذا الكتاب أن تجيب عن تساؤلات معرفية مهمة مثل: ما دور الفاروقي في نقد الأسس الفلسفية والعقدية للنظام المعرفي الغربي، وما دوره في الكشف عن النموذج المعرفي الإسلامي مع التركيز على مفهوم التوحيد مرتكزاً أساساً في البناء الفكري الإسلامي، وما مدى حضور مفهوم التكامل المعرفي في تنظيرات الفاروقي وممارساته وبرامجه لا سيما المتصلة بالتعليم الجامعي، وما هي إسهامات الفاروقي في تجديد الفكر الإسلامي من خلال مشروع إسلامية المعرفة؟
وقد أسهم المشاركون في هذا العمل، الذين بلغ عددهم عشرين باحثاً، في محاولة إزاحة الستار وتجلية الإسهامات المميزة لمفكر من أبرز شخصيات الإصلاح الفكري الإسلامي المعاصر، والعَلَم الأبرز في مدرسة إسلامية المعرفة.
فتحي حسن ملكاوي: دكتوراه في التربية العلمية وفلسفة العلوم من جامعة ولاية ميتشجان الأمريكية عام 1982م، المدير الإقليمي في المعهد العالمي للفكر الإسلامي، رئيس تحرير مجلة إسلامية المعرفة، وعضو في مجمع اللغة العربية الأردني، شارك في تأليف أو تحرير حوالي أربعين كتاباً، وله ما يزيد عن مائة بحث نشرت في المجلات المحكمة أو عرضت في المؤتمرات.
رائد جميل عكاشة: دكتوراه في النقد الأدبي من الجامعة الأردنية عام 2002م، المستشار الأكاديمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، مدير تحرير مجلة إسلامية المعرفة، أستاذ جامعي بدرجة أستاذ مشارك، له أكثر من خمسة وعشرين بحثاً علمياً محكماً في المجلات المحكمة أو عرضت في المؤتمرات، مهتم بقضايا الفكر واللغة والنقد.
عبد الرحمن سليمان أبو صعيليك: دكتوراه في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية عام 2013م، أمين لجنة الطباعة والنشر في المعهد العالمي للفكر الإسلامي، باحث في قضايا الفرق والحركات الإسلامية، مختص في إنتاج الكتب المدرسية وحوسبتها.

الأحد، 11 مايو 2014

مدخل إلى إسلامية المعرفة

مدخل إلى إسلامية المعرفة


مدخل إلى إسلامية المعرفة يتحدث  عن عملية إسلامية المعرفة التي تدور على محورين: أحدهما تنظيري، يتولى التعريف بالمصطلح، ويوضح ضروراته الملحة، ويؤشر على موقف القرآن، والأصول الإسلامية عموماً.والمحور الثاني : تطبيقي، تتم فيه معالجة كل فرع من فروع المعرفة البشرية الإنسانية، والصرفة والتطبيقية لكي تصاغ توجهاتها الأساسية ومفرداتها وفق المنظور الإسلامي. 



الاثنين، 24 مارس 2014

تكامل المنهج المعرفي عند ابن تيمية

تكامل المنهج المعرفي عند ابن تيمية



قام الأستاذ إبراهيم العقيلي بمجهود ضخم يستحق كل الشكر والتقدير من خلال تأليفه لكتاب: تكامل المنهج المعرفي عند ابن تيمية، الذي يعد بحق من أحسن ما أُلِّفَ عن شيخ الإسلام فيما يخص منهجه المعرفي، ذلك أن مؤلف الكتاب عرض لفكر ابن تيمية بالشرح والتحليل وبيَّن الطريق الذي التزمه في أبحاثه ومناقشاته وآرائه ودروسه ومدارساته مع مختلف الفرق والملل السابقة لِزمانه والتي عاصرها وخاض في غمار الرد عليها.
وهذا الكتاب على العموم، يعرض بالبيان والتحليل المصادر المعرفية التي اعتمد عليها ابن تيمية، وكذا المعايير والموازين التي بنى عليها آراءه في نقد تراث سابقيه، وتمييز حسنهِ من قبيحه، وهذا المنهج بدوره يسهّل على القارئ الفهم الدقيق لتراث ابن تيمية، كما يسهل على الباحثين والقارئين حسن استيعابه مع تمثّل وهضم أفكاره وقضاياه.
ولنتعرض الآن بنوع من التحليل والنقد لما جاء في هذا الكتاب القيّم:
(1). إن القارئ لمقدمة هذا الكتاب لا يستطيع أن يستوعب الأفكار الأساسية حول ماذا سيأتي في ثنايا الكتاب من أفكار وقضايا يريد المؤلف أن يعالجها، ذلك أنه لا بد من الإشارة في المقدمة إلى أهم القضايا التي يريد أن يدرسها حتى تتكون للقارئ فكرة رئيسة عن الكتاب. وهذا هو ما غاب عن المؤلف.
(2). لقد أبدع الكاتب –في نظري- في الباب الأول لما عرض لأهم نواحي الحياة في عصر ابن تيمية، ذلك أنّ مثل هذه الإشارات مهمة وتنطوي على فهم دقيق للظروف الخاصة التي عاشها ابن تيمية واكتوى بنارها، ومن ثمَّ يتسنى لنا الفهم الدقيق لمنهجه المعرفي ولخصائصه في التأليف، وفي الرد على مخالفيه، وفي اجتهاداته، وفي دحض آراء الفرق الكلامية سواء ممن سبقوه أو عاصروه...
إنّ تعرض الأستاذ إبراهيم عقيلي للنواحي العلمية والتيارات الفكرية، وكذا النواحي الاجتماعية والاقتصادية، والسياسية، سيُفيد القارئ بلا شك مما يقرِّب الصورة لذهنه لأجل فهم آراء ابن تيمية ومنهجه بطريقة أوضح.
لقد أشار مؤلف الكتاب في الباب الأول إلى منهج ابن تيمية في البحث والتأليف، وهذا من صميم موضوع الكتاب، فبيَّن المؤلف تأثير المذهب الحنبلي فكراً وعقيدة في تفكير شيخ الإسلام، ممَّا مكَّنه من رحابة الاطِّلاع على السنة الصحيحة وأقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، فاقتنع شيخ الإسلام بسداد المنهج السلفي وسلامه من التناقض والخلل حيث لا إشكال ولا تناقض بين صحيح النقل وصريح العقل، ولا اصطدام مع منهج المعرفة عند ابن تيمية الذي اعتمد في بحثه وتأليفه على قواعد المنهج التالية:
1. الاعتداد بنصوص الوحي.
2. تقديم النقل على العقل.
3. منع التعارض.
4. الكف عن التأويل.
لقد أكرم الله تعالى شيخ الإسلام بقدرة هائلة على سرعة الكتابة والتأليف حتى عدّ الإمام الذّهبي تصانيف ابن تيمية نحو خمسمائة مجلداً منها ما هو معروف لدينا ومطبوع ومنها ما هو غير معروف.
(3). في الباب الثاني من الكتاب ذكر المؤلف منهج ابن تيمية في الاحتجاج باللغة حيث بين أن مفهومها عند شيخ الإسلام ليس هو المفهوم المعروف عند سابقيه من علماء اللغة، وهذا أمر مميز في المنهج المعرفي لشيخ الإسلام، فهو لا ينظر إليها على أنها طريق من طرق العلم الثلاث، وهي الخبر والحس والعقل، وإنما هي في مفهومه: أداة تواصل وتعبير عما يتصوره الإنسان ويشعر به، فهي وعاء للمضامين المنقولة سواء أكان مصدرها الوحي أم الحس أم العقل. وهذا فرق منهجي كبير ذو بال كما سيأتي ذكره في موقف ابن تيمية من المجاز والتأويل.
رجّح شيخ الإسلام في نظر اعتبار اللغة إلهاماً للإنسان في الأصل، كما يلهم الحيوان الأصوات التي يتفاهم بها، واعتمد ابن تيمية في رأيه هذا على قوله تعالى ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ (النحل: 68)، وعلى قوله تعالى حكاية عن سليمان: ﴿ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء﴾ (النمل: 16)، ومصداقاً لقوله تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن: 1-4) فإن الإنسان لا يخرج عن هذه السنة التي تجري على الحيوان، فهما ملهمان بالتغيير عما يريدانه ويتصورانه بواسطة الألفاظ.
لقد أنكر شيخ الإسلام أن تكون العرب قد اتفقت ابتداء على وضع ألفاظ معينة للمعاني، ثم استعملتها فيها وفي غيرها على سبيل المجاز، ودليله على ذلك عدم وجود دليل قطعي على حصول اتفاق وإجماع من طرف جماعة معينة من العقلاء على وضع الأسماء جملة، وإنما المعلوم والمعروف والمشهور هو استعمال العرب للألفاظ فيما أرادوه من المعاني.
أقر ابن تيمية في كتابه الفتاوى بالوضع الأصلي للاستثناء في اللغة، ولكنه شدد وأكد على أن العرف هو الذي يتصرف في المعنى الأصلي للَّفظ إما تعميماً أو تخصيصاً أو تحويلاً.
بيّن المؤلف أيضا احتجاج ابن تيمية بالاستعمال اللغوي معللاً ذلك بأنه واقع في كلام العرب بالضرورة، وما دامت قد استعملته في شعرها ونثرها لمعان معينة فلا بد من الاحتجاج به في مواضع النـزاع، واشترط ابن تيمية لذلك شرطاً وهو أن يكون الكلام صادراً عمّن يحتج بلغتهم ممن كانوا في المدة السابقة لنشوء اللًّحن وظهور التوليد في اللغة.
تنازع الناس في علاقة الشرع باللغة: هل فيها أسماء شرعية نقلها الشارع في مسماها، أم أنها باقية في الشرع على ما كانت عليه في اللغة؟ فكان جواب ابن تيمية حول هذا النـزاع أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها، ولكن استعملها مقيّدة لا مطلقة.
عَمَدَ عقيلي بعد هذا إلى الحديث عن اللغة بين الحقيقة والمجاز في رأي ابن تيمية، الذي أنكر وجود المجاز في القرآن أو اللغة وحمل جميع الألفاظ على الحقيقة موافقاً في ذلك الإمام الظاهري وأبا إسحاق الأسفراييني. وابن تيمية ينفي المجاز على أساس أن تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز لا يصح إلا بثبوت وضع متقدم على الاستعمال، وهذا ما لا يمكن إثباته بنقل صحيح عن فصحاء العرب.
بعد بيان إنكار ابن تيمية للمجاز وأدلّة القائلين بالجواز مثل الجاحظ وابن قتيبة السُّنِّي وعبد القاهر الجرجاني في القرن الخامس الهجري، عمد المؤلف إلى بيان جوهر الخلاف بين المجوزين والمانعين للمجاز، فبين أن الخلاف لا يدور أصلاً حول وجود الواقع اللغوي بشقيه الحقيقي والمجازي في كلام العرب نظماً ونثراً، وإنما يدور حول تفسير هذا الواقع اللغوي. فالقائلون بالمجاز يحتجون بالوضع السابق على الاستعمال، إذ جميع المسميات لا بد لها من أسماء خاصة يستدل بها عليها عند الإطلاق، وذلك يقع ضرورة عند التخاطب لأجل التفاهم. أما المانعون للمجاز -و ابن تيمية منهم- فيحتجّون بالواقع اللغوي، إذ وجود الألفاظ المجازية والألفاظ الحقيقية مع بعض، في كلام العرب دليل على أنهم لم يفرقوا بينهما بحدٍّ، مع صحة أفهامهم وعمق درايتهم بمقاصدهم وأساليبهم في التعبير، لا لسبب إلا لأن هذا التقسيم غير مستساغ عقلاً.
إن المنهج المعرفي لابن تيمية لا بد أن يقودَنا إلى الحديث عن موقفه –رحمه الله- من التأويل، والخلاف في هذه المسألة بينه وبين غيره لا يدور حول وجود التأويل أو عدم وجوده، وإنما يدور حول مفهومه ومعناه. فقد خالف ابن تيمية أن يكون التأويل في لغة القرآن معناه صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لِدليلٍ يقترن به، وهذا ما استقر عليه رأي الجمهور، بل يرى شيخ الإسلام –مخالفا ما سبق- أن لفظ التأويل في لغة القرآن والسنة وكلام السلف قد ورد بمعنيين: أحدهما الحقيقة الخارجية التي يصير إليها الكلام، والآخر تفسير الكلام وبيان المراد منه.
في سياق الحديث عن ظهور التأويل الاصطلاحي، أشار المؤلف إلى أن أبا الفرج ابن الجوزي عرَّف التأويل بأنه: "نقل الكلام عن وضعه إلى ما يحتاج في إثباته إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ"، دون أن يذكر المؤلف المصدر الذي استقى منه هذا التعريف.
إن أي تأويل في نظر ابن تيمية لا يطمح إلى التعرف عن مراد الشارع من الوجه الذي قصده، ويتكلّف في إخراج الألفاظ عن معانيها المعروفة وعن سياقها الذي وردت فيه، وحملها على معان غريبة وشاذة، مرفوض شرعاً وعقلاً. فالواجب علينا أن نتحرى مراد الشارع في كل سياق على حدة، فالقدرة مثلاً تطلق في سياق ويراد بها صفة الله عزّ وجل، وتطلق في سياق آخر والمراد منها المقدور وفي سياق ثالث يراد بها تعلق المقدور بالقدرة. والكلمة قد يراد بها نفسها الصفة القائمة بالموصوف، وقد يراد بها المفعول نفسه باعتبار أنه وجد بالكلمة. وعيسى عليه السلام ليس هو نفس الكلمة "كُن"، ولكن كائن بالكلمة "كُن".
(4). عمد المؤلف في الباب الثالث من هذا الكتاب إلى جزء مهم من أجزاء المنهج المعرفي عند ابن تيمية ألا وهو الاحتجاج بالنقل في إطار منهج شيخ الإسلام، حيث يُعد السمع أو النقل أهم مصدر للمعرفة الصحيحة وأهم ميزان لوزن الأفكار وتقويمها عند ابن تيمية.
إن النقل عنده من قبيل الخير الذي يتوقف الاحتجاج به على صدق المخبر فقط، كما هو الحال في الأخبار التاريخية والقصص، بل يتضمن أيضاً ما هو حق في نفسه لما فيه من الدلائل العقلية والبراهين الصحيحة والقضايا اليقينية المطابقة للواقع.
وابن تيمية يردُّ على من قدَّم العقل على النقل أمثال الرازي وغيره من المتكلمين لأن ثبوت النقل غير متوقف على العقل، وهو في هذا الصدد يعارض من زعم بأن السمع موقوف على مقدمات ظنية، ويجب تقديم العقل عليه مطلقاً. فالعقل الصريح لا يتعارض أبداً مع النقل الصحيح عنده بل هما متعارضان متوافقان غير متناقضين، فإن حدث تراض بينهما فلا بد أن يكون أحدهما ظنياً.
تظهر في منهج ابن تيمية في تفسير القرآن الكريم عناية فائقة به نظراً لقدسيته وعلو شأنه وتضمنه لأصول العلم والهداية.
لقد كان التعسف في تأويل كلام الله وتحريف الكلم عن مواضعه، الدافع المحفّز لابن تيمية للاهتمام بالتفسير مما جعله يضع ضوابط قويمة وصارمة للتفسير الصحيح. فقد احتفى شيخ الإسلام بالتفسير بالمأثور وألزم نفسه بضوابطه، ولقد حدد ابن تيمية الخطوات المنهجية للتفسير السليم في خمس نقاط هي:
1. تفسير القرآن بالقرآن
2. تفسير القرآن بالسنة.
3. تفسير القرآن بأقوال الصحابة.
4. تفسير القرآن بأقوال التابعين.
5. تفسير القرآن باللغة.
يرى ابن تيمية أنه إذا لم يجد المفسِّر ما يرجع إليه في تفسير القرآن الكريم، رجع إلى لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب أو أقوال الصحابة في ذلك.
إن منهج ابن تيمية المعرفي يدفع به إلى الجمع بين عبارات السلف إذا اختلفوا في التفسير، لأن ذلك عنده هو اختلاف تنوّع لا تضاد، فَيُخَرِّجُ آراءهم وعباراتهم تخريجاً حسناً باعتبار أنها جميعاً عبرت عن الحق إما بصفاته المتنوعة أو بأنواعه أو بنظائره.
إن تفسير القرآن بمجرد الرأي وبدون اتّباع الضوابط التي وضعها شيخ الإسلام حرام في نظره، بمقتضى النصوص الواردة في النهي عن القول بغير علم في كتاب الله، فالتفسير المذموم هو المبني على مجرد الرأي الذي لا دليل معه أو على نقل غير مصدّق، إذ الدّين لا يُبنى على نقل وَاهٍ أو استدلال غير محقق.
يرى المؤلف أن لتفسير ابن تيمية خصائص منهجية وإن لم يكن له تفسير كامل يشمل آيات وسور القرآن الكريم –تتلخص فيما يأتي:
أ. هو تفسير ظاهري، أي: أنه اعتمد المنهج الظاهري، وهو ليس بتفسير مُنضَوٍ تحت المذهب الظاهري الذي لا يعتمد فحوى الخطاب ولا القياس، وإنما يعني مخالفة للتفسير المجازي والتأويلي وكذا التفسير الباطني والإشاري.
ب. تفسير القرآن بنفسه.
ج. احتجاجه بالقراءات، ذلك أنها سُنَّة متبعة لا ينبغي ردها.
د. دور أسباب النـزول في التفسير، فهي ذات أهمية كبرى لأنها تكشف عن ظروف التنـزيل وأحواله وصفات المنـزل فيهم، ويرى ابن تيمية في هذا المجال أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
هـ. أقوال المفسرين لا سيما الأقوال المأثورة عن الصحابة والتابعين والأئمة المعتبرين.
و. أقوال أهل اللغة والنحو: يحتج ابن تيمية بأقوال اللغويين والنحاة كثيراً في تفسيره، أما إذا اختلفت أرآؤهم في معنى الألفاظ القرآنية وفي إعرابها، فإنه يرجع القول الذي معه دليل محقق.
ي. الاستنباط الشخصي هو أبرز خصائص ابن تيمية لأنه يرجح ويوجّه ويصَّوب ويضعَّف ويبطل أقوال المفسرين مستخدماً في ذلك منهج الاستدلال والتعليل والمقارنة.
عرّج المؤلف بعد هذا إلى بيان أصول الاستنباط الفقهي عند ابن تيمية، وهو في الحقيقة قسم مهمُّ جداً من أقسام منهجه المعرفي، وقال الكاتب: إن المجهود الفقهي لشيخ الإسلام يمكن أن يُنظر إليه من زاويتين: الأولى: كون اجتهاده الفقهي ينبغي عدّه مستقلاً لخصوصياته، والثانية: كونه امتداداً للمذهب الحنبلي. والصواب في رأي المؤلف: هو الجمع بين الأمرين، فهو تابع لأصول الإمام أحمد بن حنبل العامة، ومستقل في اجتهاداته الفقهية، فتارة يوافق المذهب الحنبلي وهو الغالب، وتارة يخالفه، بل يخالف المذاهب الأربعة جميعاً أحياناً، كما في فتوى الطلاق. لقد التزم ابن تيمية في الغالب الأعم في استنباطاته الفقهية أصول الإمام أحمد إلا في بعض المسائل القليلة مما يرجح كون ابن تيمية مجتهداً في المذهب وليس مجتهداً مطلقاً.
وعلى الرغم من كونه يفصل بين الكتاب والسنة من حيث الرتبة، فإنه عند الاستنباط لا يفرق بينهما، وهو يحتج بإجماع الصحابة، فإذا اختلفوا رجَّح القول الذي دلت عليه الأصول، فلا يتوقف غالباً في الترجيح بينها، كان يرجِّح أقوال الإمام أحمد بعضها على بعض.
أما موقف ابن تيمية من النسخ فهو واضح لا غبار عليه، يجعله خاصاً وقاصراً على رفع حكم النص، وموافقاً بذلك جمهور الأصوليين، فهو عنده لا يكون إلا في الأحكام من أوامر ونواهٍ، ولا يكون في الأخبار والعقائد. ولا يقبل ابن تيمية نسخ القرآن بالسنة لأنها ليست أعلى منه مرتبة وفضلاً، وكذلك الشأن عنده في نسخ القرآن بالإجماع فهو لا يحدث تماماً وهو رأي الجمهور أيضاً. ويذهب ابن تيمية إلى القول بحجية الإجماع موافقاً في ذلك جمهور العلماء، وهو ينفي بناء الإجماع على القياس معتمداً على الواقع، فما دام النص يجوز أن يكون هو مستند الإجماع، فلا ينبغي العدول عنه في رأيه. لا سيما أن القطعي منه يترتب على إنكاره تكفير المنكر، فمن غير المعقول أن يكون أصله مبنياً على دليل ظني يجوز أن تختلف فيه أنظار العلماء.
أنهى المؤلف كتابه بالتعرض لمنهج ابن تيمية في الاحتكام إلى العقل فجعله الباب الرابع من مؤلفه، فالعقل في نظر ابن تيمية ليس جوهراً قائماً بنفسه ولا علوماً ثابتة موجودة عند كل إنسان، وإنما هو عرَض وصفة يكتسبها الإنسان، وعلوم يحصل عليها بواسطة الغريزة الموجودة فيه بالقوة، والثابت عند كل إنسان هو العقل الفطري (الغريزي) وهو موجود لدى جميع الناس، والمتغير هو العقل الإكتسابي، وهذا يحدث فيه التفاضل، فبقدر تحصيل العلوم والمعارف بقدر ما يسمو عقل المحصِّل للعلم. إن المعرفة العقلية نسبية عند ابن تيمية، لهذا يحتاج الإنسان إلى مصادر معرفية أحرى كالحس والنقل. فالاعتماد على القضايا الحسية ضروري في المعرفة العقلية، إذ بدونها تكون أحكامه مجردة من اليقين وعارية من الأدلة الواقعية الشاهدة على صدقها. وكذلك الشأن بالنسبة للقضايا النقلية الشرعية فهي لازمة لأية معرفة عقلية، لا سيما في القضايا المعنوية التي ليست لها قيمة محددة وثابتة. فالعقل إذن وحده لا يمكنه الاهتداء إلى معرفة الشؤون المعنوية وموازين الخير والشر، والحسن والقبح، والنفع والضرر، والمعروف والمنكر، والحق والباطل، والعدل والظلم، والواجب والمحرم والمكروه والمباح. فلولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد، كم قال ابن تيمية.
لاحظ المؤلف عن شيخ الإسلام في منهج استنباطه العقلي أنه قد حد من الاعتماد على العقل بمفرده، ورفض استقلاله واستغناءه عن بقية المصادر المعرفية الأخرى، ورفع بالمقابل من قيمتها وجعلها على الأقل موازية له. وأيّد علاقة التكامل والتواصل بينها، فلم يُلغ بعضها على حساب بعض، ولم يُعمل ببعضها دون بعض، وإنما كان يقدم دائماً أرجح الأدلة وأقواها حجّة.
فلم يكن ابن تيمية مثل كثير من أهل الكلام ممن يذمون العقل ويعيبونه، ولا مثل كثير من المتصوفة ممن يعظمون المعارف والأحوال التي تحصل لهم عند غياب العقل، ولا مثل بعض أهل الحديث ممن يعارضون العقل بالسنن ويعزلونه عن محل ولايته، ولا مثل المعتزلة الذين يقدمون العقل على النقل.
لقد تنبَّه ابن تيمية في هذا المجال أيضا إلى قضية كون العلوم نسبية وإضافية. فليس هناك قضايا أولية عند كل أحد ولا مشهورة عند كل أحد، وإنما ذلك أمر نسبي بحسب أحوال الناس، وبحسب قوة التصور، فإذا كان تصور الشيء تاماً كان يقينياً، وإذا كان ناقصاً عُدَّ مظنوناً.
ولا يوافق ابن تيمية المتكلمين كالمعتزلة ومن نهج نهجهم من الأشاعرة، على أن معرفة الله واجبة بالنظر دون غيره، إذ في هذا حصر للطريق التي يعلم بها وجود الله لكونه خالقاً مدبراً لهذا الكون، بل معرفة الله حاصلة للخلق ضرورة بالفطرة، لكن قد يعرض للنفوس ما يغير فطرتها فتحتاج في الإقرار بوجود الله تعالى إلى النظر وغيره كالإلهام والتصفية... وأما إيجاب النظر على كل أحد فهو باطل عند ابن تيمية، ودليله أنه لو كان ذلك صحيحاً لوجب على كل الرسل دعوة الناس إلى النظر ابتداء، وليس الأمر كذلك.
وأثناء الحديث عن طرق الاستدلال العقلي عند ابن تيمية، بيَّن المؤلف أن شيخ الإسلام لا يوافق المناطقة على حصرهم للدليل في القياس الشمولي والاستقراء والقياس التمثيلي، إذ في هذا تضييق لطرق الاستدلال عنده، فهو يرجِّح رأي النُظَّار من المسلمين في اعتبارهم الدليل بمعنى المرشد أو الهادي المطلوب عموماً، والضابط لكون الدليل دليلاً عنده هو استلزامه للمدلول عليه. ومجرد النظر العقلي عند ابن تيمية غير كاف بل يضيف إليه سبباً آخر وهو ذكر الله تعالى حتى يصير المحل قابلاً للهداية، وفي هذا الصدد أورد المؤلف قصة الشيخ أحمد الحيوقي المعروف بالكبرى، ودخول فخر الدين الرازي ورجل آخر من المعتزلة عليه ليبين أهمية الذكر في المعرفة، إلا أن القصة لا تفي بالمراد فهي غير واضحة وغير مفهومة، ولا تحقق مراد المؤلف فيما يريد التعبير عنه.
لقد رد ابن تيمية القياس الأرسطي ولم يقبله بوصفه قانوناً يعصم الذهن عن الزلل في الفكر، فهو يذهب إلى الرد على الإمام الغزالي في عدّه تعلم المنطق فرض كفاية وأن من لا يحيط به فلا ثقة بعلومه، حيث استعمله الغزالي في أصول الفقه خاصة في كتابه المستصفى من علم الأصول.
وابن تيمية وإن رفض بشدة أن يكون المنطق ميزاناً للمعرفة الصحيحة أو أن يكون وسيلة لها، إلا أنه كان يبني في نفسه منطقاً آخر سماه المؤلف "المنطق العادي الفطري". فلقد بين ابن تيمية أن القياس ينقسم بحسب مادته إلى :
أ. البرهاني: وهو ما كانت مقدماته معلومة.
ب. الجدلي: وهو ما سلمت مقدماته من طرف المخاطب.
ج. الخطابي: وهو ما كانت مقدماته مشهورة بين الناس.
د. الشعري: وهو ما أفادت مقدماته التخييل.
هـ. المغلطي: وهو ما كانت مقدماته سوفسطائية مموهة.
وأما بحسب صورته فينقسم إلى:
أ. القياس الاقتراني أو الحملي: وهو ما سماه الغزالي بقياس التعادل.
ب. القياس الاستثنائي: وهو نوعان: قياس التلازم أو الشرطي المتصل، وقياس التعاند أو الشرطي المنفصل والتقسيم والترديد.
ويَعتبِر شيخ الإسلام قياس الغائب على المشاهد طريقاً صحيحاً للعلم بالأحكام العامة التي تشمل جميع الأفراد، لأنه لا يمكن في الحقيقة العلم عن طريق الحس إلا بالمحسوسات المعينة، فلا يمكن العلم بنظائرها الغائبة إلا بطريق هذا النوع من القياس.
إن خاصية الحس عند ابن تيمية هي العلم بالأشياء الجزئية المعينة في الخارج، بينما خاصية العقل عنده هي العلم بها كلية مطلقة، فوظيفة الحس إذن هي العلم بالقضايا الجزئية كما هي في الواقع، ووظيفة العقل هي التعميم عن طريق الاعتبار والقياس، وهذه العلاقة بينهما. فابن تيمية يطعن ويرد ما ادعاه المناطقة والفلاسفة من وجود ماهيات مجردة عن القيود السلبية والثبوتية، متحققة في الخارج كالمثل الأفلاطونية وما جاء عند ابن سينا بعده.
وتنقسم المعرفة الحسية عند ابن تيمية إلى نوعين:
1. ما يدرك بطرق الحس الظاهر، وهو يختص بإدراك الإحساسات الخارجية عن طريق الحواس الخمس، وهي تستوعب جميع المسموعات والمرئيات والمشمومات والمذوقات والملموسات.
2. ما يدرك بالحس الباطن، وهو يختص بإدراك المشاعر الباطنة التي يجدها الإنسان في نفسه، كالشعور باللذة والألم والجوع والشبع، والحزن والسرور، والحب والبغض، والري والعطش.
يتسع مفهوم التجربة عند ابن تيمية ليشمل ليس فقط ما يجرّبه الإنسان من أمور بفعله وإرادته، بل يشمل أيضاً ما يجربه بعقله وحسه من غير مباشرة للشيء المجرب. والتجربة المفيدة للعلم في نظر ابن تيمية هي المبنية على قانون العلّية، أي لكل معلول علّة، وقانون الإطّراد في وقوع الحوادث عقب وجود أسبابها.
(6). اعتبر المؤلف خاتمة الكتاب خلاصة للبحث، وهذا ليس بموضوع الخاتمة، إذ أنها في الحقيقة لا بد وأن تبين آفاق البحث وما يرجوه المؤلف من زيادة وتحسين وإضافة نوعيّة ومنهجية لبحثه، وليس فقط مجرد تلخيص لما سبق عرضه في ثنايا الكتاب.
وعلى العموم، فإنه حريّ بكل من اختار طريق العلم من أساتذة وطلبة أن يطالعوا هذا الكتاب لأنه يمثل نموذجاً جاداً للقراءة المعرفية لتراث شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- وتحليلاً دقيقاً لمنهجه المعرفي المتميّز، وهو في الوقت نفسه بيان للمعايير التي احتكم إليها في ردّ آراء سابقيه ونقدها وبيان أيضا للمصادر المعرفيّة التي بنى عليها اجتهاده واستنباطه. فجزى الله الأخ الفاضل الأستاذ المؤلف خير الجزاء.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. 

الثلاثاء، 18 مارس 2014

منهجية التكامل المعرفي

منهجية التكامل المعرفي

مقدمات في المنهجية الإسلامية






 منقول من مركز نماء
بين يدي الكتاب

يشكل كتاب "منهجية التكامل المعرفي: مقدمات في المنهجية الإسلامية" الذي ألفه الدكتور فتحي حسن ملكاوي، واحدا من المشاريع الفكرية التأصيلية والمعرفية، وتتجلى قيمة هذا المؤلف، في كونه يتناول قضية إشكالية، ذات أبعاد ابيستيمولوجية ومعرفية، حيث أن الكثير من الدراسات والأبحاث الصادرة مؤخرا، من طرف مفكرين وباحثين كبار، بدأت تطرح إشكالية التكامل المعرفي بين العلوم، سواء على المستوى النظري أو المستوى التطبيقي، فالتقرير العالمي للعلوم الاجتماعية، الصادر عن منظمة اليونسكو سنة 2010(1)، تحدث في إحدى توصياته، عن ما سماه ب "موجة ما بعد التخصصات" "والتي تقتضي نهج مقاربة جديدة ومبدعة، تستحضر جميع التخصصات، سواء منها في حقل العلوم البحثة أوالطبيعية أو في العلوم الإنسانية".

بيد أن الكتاب الذي نقدم له في هذه القراءة، لا يستحضر هذا التكامل المعرفي في بعده الدمجي بين التخصصات فحسب، بل إنه يطرح قضية تجديدية في العقل المعرفي الإسلامي، وذلك بالنظر إلى الطموح الذي يرنو إليه صاحب المشروع، "فالمؤلف،يحاول ان يقتحم عقبة التأليف في هذا الموضوع، ليبني برنامجا للتمكين للوعي بعلم المنهجية، وللتدريب على التفكير والبحث في قضاياها، ولممارسة هذه المنهجية في التعامل الرشيد مع مسائل العلم والمعرفة في المجالات المعرفية المختلفة، فهما وتوظيفا وتطبيقا". ولعل المؤلف؛ حينما أراد اقتحام هذا المجال، فإنما كان  يستحضر من بين ما يستحضر، الإشكالية الابيستيمولوجية التي يتخبط فيها العلم المعاصر؛ حيث أن عهد الحداثة؛ وإن كان ناجحا في تحقيق وعوده في زيادة المعرفة والتقدم في متطلبات الحياة المادية الخارجية، فإنه بالمقابل خلف آثارا سلبية في عدة مجالات، ومن بينها المجال المعرفي والعلمي، حيث  أن تغير البراديغم الحاكم للعلوم، في اتجاه التجزئة المستمرة للمعرفة، والإغراق في التخصصات الدقيقة، " ولد أنظمة تربوية تبحر في أجزاء الحقيقة المختزلة؛ والراهنة؛ والمباشرة؛ لكنها مفتقدة للوحدة التاريخية للصورة الكبيرة الكلية" ولعل القولة التي استلهمها المؤلف من أحد الابيستيمولوجيين المعاصرين "أوتيكي" تعبر عن هذا الواقع المعرفي المتسم بالتجزيئية المعرفية، والتي تقول: "في الوقت الذي أصبحنا فيه أناسا نعرف أكثر فأكثر عن الأشياء الأقل فالأقل، فإننا في الوقت نفسه للأسف أصبحنا أناسا نعرف  أقل فأقل عن الأكثر فالأكثر".

يقدم الدكتور "فتحي حسن ملكاوي" في هذا الكتاب أطروحة تجديدية وتجاوزية واستيعابية، تجديدية للعقل المسلم؛ في إطار الدعوة للإبداع المعرفي، القائم على القراءة المنهجية للنص الديني: القرآن والسنة النبوية الشريفة، وكذا التعامل الخلاق مع التراث، والذي يشمل التراث بنوعيه: الإسلامي والإنساني العام. وتجاوزية للفكر الغربي الذي أخفق في تشكيل رؤية تكاملية للمعرفة، وفي نفس الوقت فهي استيعابية؛ بمعنى التفاعل الإيجابي مع ما تراكم من معارف وعلوم.

ويقصد الدكتور فتحي ملكاوي بمفهوم التكامل المعرفي في المنهجية الإسلامية،  التكامل في المصادر والتكامل في الأدوات؛ والتكامل في المدارس؛ والتكامل في الطبائع والوقائع المشهودة،  والمثل والقيم المنشودة؛ والتكامل بين الوصف الكمي بالتقدير والحساب الدقيق لموضوع التفكير أو لمشكلة البحث، والوصف الكيفي الذي يعطي الدلالات والمعاني العميقة؛ وغير ذلك من وجوه التكامل المعرفي والتعامل المنهجي".

يتوزع الكتاب على سبعة فصول، شكل الفصل الأول، المحددات المفاهيمية للتكامل المعرفي، وتوقف الفصل الثاني؛ عند المنهج والمنهجية، نظرا لما يطبع هذين المفهومين من تداخل. أما الفصل الثالث فقد تحدث عن الوعي المنهجي ومظاهر الخلل في واقع الأمة. بينما تدارس الفصل الرابع، مفهوم المنهج في الفكر الإسلامي والفكر الغربي، من خلال قراءة مقارنة. في حين تطرق الفصل الخامس، لأهم المدارس المنهجية الإسلامية، شرحا وتفصيلا. وتناول الفصل السادس، إشكالية مصادر المنهجية وأدواتها. وفصل الفصل السابع، المبادئ والقيم المنهجية، وختم الكتاب بملاحق؛ عبارة عن عناوين كتب تضمنت ألفاظ المنهج والمنهاج والنهج، بالإضافة إلى  دليل للتخطيط لبرنامج تدريبي في موضوع منهجية التكامل المعرفي.

لعل أهم ما يمكن ان يستخلصه القارئ، من هذه الفصول، هو الطابع المنهجي المجدد، الذي جمع بين التصور النظري، وذلك من خلال العرض المفاهمي، لمفاهيم التكامل المعرفي، وللمنهجية والمنهج والوعي المنهجي، ثم الطابع العملي لتطبيق مفهوم التكامل المعرفي، وبالتالي فالكتاب يقدم خدمة هائلة للمفكرين ولمراكز الأبحاث والمشتغلين في حقل الإيبستيمولوجيا، وذلك لتنزيل هذه الرؤية على  مشاريع واقعية، خصوصا في الحقل التعليمي الذي يعاني أزمة مركبة في المجتمعات العربية الإسلامية.

الفصل الأول:مفاهيم في التكامل المعرفي.

نظرا للتداول الكبير لمفهوم التكامل والوحدة بين العلوم، وسط الباحثين؛ لدرجة تفقد في بعض الأحيان هذه المفاهيم دلالاتها الحقيقية، فقد انتهج المؤلف أسلوب التحديد المنهجي في مفتتح كتابه، مقدما تعريفه الخاص لمفهوم التكامل المعرفي وعلاقته بمفهوم الوحدة، حيث يعتبر أن التمييز بين وحدة العلوم وتكاملها لا يثبت صفة لينفي أخرى، "فالقول بوحدة العلوم لا ينفي تكاملها، وكذلك العكس، لكن استخدام أحد المفهومين يتعلق بمنهج المعالجة، فيكون القول بوحدة العلوم أقرب إلى وصف العلاقة بين هذه العلوم على المستوى الوجودي، وتتوجه المعالجة وجهة ميتافيزيقية نظرية، في حين يكون القول بالتكامل أقرب إلى وصف العلاقة بين العلوم على المستوى المعرفي (الإبيستمولوجي)، وعندها تأخذ معالجة الموضوع وجهة منهجية عملية وتعليمية".

ولتوضيح هذه الرؤية أكثر، فقد تضمن الفصل بعض الأمثلة التي تبين ما المقصود بمفهوم التكامل المعرفي، فمثلا يسهل القول بضرورة تكامل جهود العلماء من التخصص العلمي نفسه، الذين يسعون إلى حل مشكلة علمية معينة وتحقيق إنجاز فيها. ويكون التكامل هنا منصبا على اجتماع الجهود الفردية للعلماء، لبناء رؤية أكثر عمقا واتساعا وموضوعية، مما يعين على تحقيق إنجاز ملموس، ويسهل أمر قبوله والاعتراف به من (الجماعة العلمية) بتعبير "توماس كوهن".

لا يقتصر التعريف السابق على مفهوم التكامل، فقد يعني "تكامل جهود العلماء من تخصصات مختلفة، ولكنها ضرورية لمعالجة مشكلة معينة، وبخاصة في القضايا الإستراتيجية الكبيرة والتطوير العلمي والتكنولوجي المعاصر في مجالات مثل الطب وغزو الفضاء، وقد يتعلق أحد الجوانب الأساسية في هذا النوع من التكامل، بإدارة المشروع العلمي وتنظيم أدوار العاملين فيه، لتوفير المعلومة الضرورية لكل خطوة من خطوات المشروع في الوقت المناسب (مثلا، مشروع "منهاتن" في تصنيع القنبلة الذرية الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1946، ومشروع وصول الإنسان إلى القمر سنة 1969)".

ولا يمكن  فهم التكامل المعرفي الذي طرحه المؤلف؛ في أبعاده الشمولية، إلا بتوسيع صور هذا التكامل "ليتضمن تكامل جهود العلماء  في الأجيال المختلفة، بحيث يبني كل جيل على خبرة الجيل الذي سبقه، حتى  إنه ليصعب تصور تحقيق إنجازات جيل لا حق لو لم يعتمد على  إنجازات الجيل السابق. وكذلك الأمر في تكامل جهود الشعوب والأمم".

بهذه الرؤية المنفتحة والاستيعابية والتجديدية، يمكن أن نفهم التكامل المعرفي، الذي طرحه الباحث، خصوصا وأنه في إطار توضيحه لهذا المعنى، توقف عند الجهود التي قام بها بعض المفكرين المسلمين، أمثال: إسماعيل الفاروقي، وعثمان بكر،وعبد الحميد أبو سليمان،وغيرهم، ممن ساهموا في التنظير للمفهوم وربطوه بالبناء الحضاري الإسلامي لنهضة الأمة.

الفصل الثاني: المنهج والمنهجية: طبيعة المفهوم واهمية البحث فيه.

يمكن اعتبار الفصل الثاني؛ امتدادا للفصل الأول من حيث توقف الباحث عند المسألة المفاهيمية،وذلك نظر لما يتطلبه الأمر من تقعيد علمي للعديد من المفاهيم المتداولة بين الباحثين، والتي  لا  يتم تمحيص دلالاتها وأبعادها، إلا نادرا،  ومن بين هذه المفاهيم، نجد مفهوم المنهج والمنهجية ورؤية العالم والنموذج التفسيري؛ والبراديغم والنظام المعرفي؛وعلاقة هذه المفاهيم بالمنهجية.

ولعل أهم ما يشدنا في الفصل، هو التركيب الذي انتهجه الباحث؛في الربط بين دلالات المفاهيم السابقة، والدلالات داخل النسق القرآني الكريم، إذ يتبنى الباحث مرجعية قرآنية في النظر للمفاهيم، نظرا لما يتصف به الهدي القرآني من شمول وعموم في الرؤية. وعليه فإن الفصل أقام رؤية تأصيلية لمفهومي المنهج والمنهجية، حينما اعتبر أن منهج الصحابة رضوان الله عليهم، هو منهج التلقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمنهاج هو السنة كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، لأن السنة منهج لبيان القرآن الكريم، وهي منهج لضبط عملية اسنتباط الأحكام الشرعية العلمية من مصادرها الأصلية،" ويقدم الباحث كأمثلة دالة على هذا التعريف، علم أصول الفقه، الذي  يجسد المنهج، وعلوم الحديث علوم منهجية توظف جملة من عمليات الضبط والتدقيق والتوثيق والنقد في سند الرواية وفي متنها، وهذه كلها عمليات منهجية".

ويضيف د.فتحي حسن ملكاوي، بالقول، بأن "المنهج جملة من القواعد العامة التي تضبط الفكر الإنساني في تعامله مع قضايا المعرفة وموضوعاتها، وله قواعد خاصة بكل علم من العلوم. وبعض القواعد تتأسس على رؤية العالم التي يتبناها العلماء والباحثون، فيتصف المنهج-بالضرورة- بصفة هذه الرؤية، فثمة منهج وضعي يتبنى مقولات الحداثة، وهناك منهج وضعي آخر، لكنه يتبنى مقولات ما بعد الحداثة، وثمة منهج ديني مسيحي، ومنهج ديني إسلامي... وهكذا".

بعد هذه التوطئة المفاهيمية، يستخلص الباحث من  خلال تتبعه للعديد من النماذج التي تم الاشتغال عليها من قبل باحثين مرموقين في مجال المنهجية المعرفية، أنماطا محددة، استطاعت ان تفرض ذاتها في الساحة الفكرية، من بينها،  المنهجية التي اعتمدها المرحوم "إسماعيل الفاروقي" أو التي انتهجها "الدكتور طه جابر العلواني" والمسماة "بالمنهجية القرآنية الكونية". أو تلك  التي أصل لها الفقيه المقاصدي، الدكتور أحمد الريسوني، خصوصا فيما أطلق عليه:" المقاصد والمنهج المقاصدي". وأيضا من خلال الوقوف عند منهجية الدكتور: طه عبد الرحمن، والتي عرفت بمنهجية "المناظرة"، القائمة على علمي المنطق واللسانيات. أو حتى من خلال المنهجية التي وطنها الدكتور عبد الحميد أبو سليمان، والتي تقوم على: فهم النصوص على أساس مقاصد الدين، والجمع بين جميع النصوص التي تختص بموضوع البحث، وفهمها في الإطار الزمني والمكاني ، لاستلهام حكمة تنزيلها على الواقع المعاصر. وغني عن البيان أن هؤلاء المفكرين قاموا بجهد معتبر في تطوير المعرفة الإسلامية، والتي يشكل المعهد العالمي للفكر الإسلامي واحدا من ثمراتها.

إلا أنه وبالرغم من هذه الإضافات النوعية التي حققت نوعا من التراكم في المنهجية المؤصلة والمبدعة، فإن الباحث، يؤكد بالمقابل على ملاحظات أساسية تعيق تطور هذه المنهجية، منها:

·        أن أكثر البحوث والدراسات في الممارسة السائدة تتبع أعرافا وتقاليد وإجراءات لم يحاول الباحثون تأصيلها والبحث عن مرجعياتها، مكتفين بأنها مناهج مطروقة وأساليب مسلوكة، أو أنها لا تنهج نهجا محددا يمكن وصفه وتحديده.

·        أن البحوث والدراسات التي يمكن أن نعدها تطبيقات مباشرة للمنهجية الإسلامية نادرة جدا، ويقصد الكاتب بذلك، البحوث والدراسات التي تنهج بصورة واعية وتلتزم مبادئ المنهجية الإسلامية.

·        من جهة أخرى، يقتصر الحديث عن المنهج والمنهجية في الغالب على البحوث والدراسات الأكاديمية والمهنية، ولا يتسع الحديث ليشمل تطبيقات المنهجية الإسلامية في التفكير، والبحث، والسلوك.

الفصل الثالث: الوعي المنهجي والخلل المنهجي.

لاشك أن أولى خطوات تحقيق النهضة، واستعادة الأمة  لعافيتها، يقوم على الوعي بذلك، والوعي المنهاجي الذي عقد له الباحث الفصل الثالث، إنما يشكل المدخل الطبيعي للإقلاع الحضاري،إذ أن الوعي المنهاجي هو الطريق والخطة والاستراتيجية، "والذي يتطلب بالضرورة وضوحا في خطوات البناء المنهجي، وفي سبل السعي للإنتقال من غاية إسلامية المعرفة ومبتغاها إلى الأخذ بالأسباب وتنفيذ البرامج، ويتطلب هذا الوضوح قدرة على التمييز بين عملية بناء المفاهيم وعملية بناء الأطر المرجعية للتحقق من فعالية تلك المفاهيم ولتحقيق غاية المنهجية".

ويشرح لنا المؤلف، أسباب ضمور هذا الوعي المنهاجي في الأمة، وذلك  بارجاعه إلى سلسلة الهزائم  العسكرية والسياسية التي أطاحت بالعديد من الطموحات الفردية والجماعية للأمة، وحتى عندما كان هذا الوعي يبرز في بعض الخطابات الإصلاحية مثلا، لم يكن يذهب لعمق الإشكاليات التي تواجه الأمة، فهذا الوعي تجسد فيما سماه الباحث ب"منهجيات أحادية قاصرة" حيث كان البعض يدعو إلى منهج سلفي لحتمه تقديس الماضي والثناء على السلف، وسداه القطيعة مع مناهج الغربيين وبيان عوراتهم ومثالب إنجازاتهم... . ومنهم من دعا إلى منهج حديث اعمل فيه فنون جلد الذات، والاختيار الإنتقائي من التاريخ الإسلامي...والدعوة إلى القطيعة معه، والإرتماء في أحضان الغرب لما له من عبقرية وسيادة.." كل هذه النماذج من الوعي لم تستطع أن تنهض بديلا عن واقع متخلف متهالك، لهذا تصبح الدعوة إلى تجديد الوعي المنهاجي حاجة حضارية ماسة.

أما عن الاختلالات المنهجية التي أصيبت بها الأمة، فقد حددها في الشق الثاني من هذا الفصل، في أربعة مظاهر :

1) الخلل في رؤية العالم: وقد تجسد في فقدان الرؤية الصحيحة، التي تقدر الأشياء بحسب أحجامها الحقيقية، فما هو جزئي يقدر على أنه كلي كبير، وما هو تابع يقدم على أنه أولوية... وهكذا ينعكس هذا النوع من الخلل المنهجي على قدرة الإنسان على فهم مبادئ الواقعية والسببية والشمولية، مما يشكل عائقا أمام الإقلاع الحضاري".

2) الخلل في فهم الواقع والتعامل معه: ولعل هذا الخلل المنهجي، كان سببا في نقض الواقعية في الفكر والواقعية في التعامل، وهو اتجاه نفسي ينتهي عادة إلى الرفض المطلق دون اعتبار التفاصيل والمعطيات.

3) الخلل في ربط الأسباب بالنتائج: وذلك في التخلي عن الأخذ بالأسباب والتعامل معها  باتكالية،وبالتهرب من المسؤولية، وعدم اكترات بالنتائج، لأنها حسب منتسبي هذا  النهج، من عند الله.

4) الخلل في معرفة الحقيقة والعمل ضد مقتضياتها: ويعطي كمثال من آلاف الأمثلة على هذا الخلل، آفة التدخين التي انتشرت كالنار في الهشيم، في دولنا العربية والإسلامية، دون ان تكون للحكومات إرادة سياسية لوقف هذا النزيف الذي يتهدد الآلاف.

الفصل الرابع: تطور المنهج في الفكر الإسلامي والفكر الغربي.

نظرا للأهمية البالغة للمنهج المقارن في إبراز أهم الخصوصيات التي تميز كلا من الفكر الإسلامي والفكر الغربي، فإن الباحث، يقدم في هذا الفصل، كرونولوجيا لتطور مفهوم المنهج ودلالاته في كلا الفكرين، ففي التجربة الإسلامية، تشكل المنهج في عدة ميادين، انطلقت من التفكير المنهجي في أصول ومبادئ  القرآن الكريم والسنة النبوية، وفي تمثلاته عند الصحابة رضوان الله عليهم، وبعد ذلك في تصنيفات المتكلمين والفلاسفة  والمؤرخين والصوفيين، لكن المجال الذي برز فيه بشكل قوي المنهج، هو علم أصول الفقه، بل يذهب أحد الباحثين، إلى أن هذا "العلم، احتوى قواعد مناهج البحث الحديثة".

أما في التجربة الغربية، فقد شكلت البدايات لتطور المنهج، في البدايات الأولى للفكر اليوناني ، مرورا بالعصر الحديث في أوربا،خصوصا مع إسهامات كل من "فرنسيس بيكون" ومن بعده "روني ديكارت" وصولا إلى مرحلة الوضعيين مع "أوكست كونت" ودوركايم" ، في حين شكلت مرحلة الحداثة وما بعد الحداثة، تطورا في المنهج، تمثل على الخصوص، في البنيوية، والتأويلية، والتفكيكية، والشكلانية، والظاهراتية،وغيرها.

ولعل ما يمكن استنتاجه؛ في هذا الفصل؛ هو أن تطور مفهوم المنهج خضع لتطور الخبرة عبر الأجيال. لكن ما يلفت انتباهنا في هذا الفصل، هو الإشارة التي استرعت اهتمام المؤلف،عندما أكد أن "بعض انجازات المسلمين عرفناها بعد أن كشف لنا الغربيون عنها، ومن هؤلاء "ابن الهيثم" الذي عرف له أكثر من مائتي كتاب في مجالات العلوم المختلفة، فضلا عن صياغته الدقيقة للمنهج العلمي التجريبي القائم على المشاهدة والتجربة والبرهان".

الفصل الخامس: مدارس المنهجية الإسلامية.

يتتبع هذا الفصل، أهم المدارس المنهجية التي اشتهرت في تاريخ الأمة الإسلامية، والتي تتمثل في أربع مدارس: مدرسة المنهج العقلي –الكلامي الفلسفي، ومدرسة المنهج الذوقي الصوفي، ومدرسة المنهج العلمي التجريبي، ومدرسة المنهج الفقهي والمنهج الأصولي.

ومما أكد عليه الباحث، هو أن هذه المدارس تعبر بتنوعها وتعددها عن منهجية التكامل المعرفي في الرؤية الإسلامية، من حيث التزامها بالمبادئ العامة والقيم العليا للمنهجية الإسلامية، واستمدادها من المصدر نفسها: العقل والحس، مع بعض التفاوت في درجة التركيز على أي من هذه المصادر أو الأدوات. وقد تبين أن  هذه المدارس لا تغني الواحدة منها عن غيرها، إلا  للغرض الذي تمارس فيه، وللشخص الذي يفضل أن يختارها.

وقد وسم الدكتور فتحي حسن، تعددية وتنوع المدارس المنهجية في التجربة الإسلامية، بالرؤية "التوحيدية" التي تعتمد التكامل وتتصف به، في مقابل الرؤية "الواحدية" التي لا ترى الحق إلا في مدرسة واحدة من هذه المدارس أو غيرها.

الفصل السادس: مصادر المنهجية وأدواتها.

تتشكل المصادر المنهجية التي يستقي منها المسلم معارفه، في الوحي والعالم بوصفهما مصدرين متمايزين في خصائصهما. فإذا كان الوحي، يشير إلى القرآن والسنة النبوية الطاهرة، فإن العالم يتمثل في:

·        العالم الطبيعي؛ عالم الأشياء المادية في الكون.

·        العالم الاجتماعي، عالم الناس أفرادا وأسرا، وشعوبا وقبائل ولغات، وما يكتسبه هذا العالم من ثقافات ويبنيه من حضارات.

·        العالم النفسي، عالم النفس الإنسانية عقلا وروحا وفكرا وسلوكا، وما يعج به من المعلوم والمجهول، وما ينتابه من المشاعر خيرها وشرها.

وإذا كان الحديث عن المصادر والأدوات في الرؤية الإسلامية، من منظور كلي عام، فإن تفاصيل التعامل مع المصادر والأدوات تتيح للإنسان أن يطور من المصادر الفرعية والأدوات التفصيلية ما يصل إليه بالخبرة والتجربة.

الفصل السابع: المبادئ والقيم المنهجية.

لاشك ان المنهجية المتأصلة والمبدعة لكل تكامل معرفي، تقوم على مجموعة من القيم، فبدونها لا يمكن الحديث عن أسس ومنطلقات هذه المنهجية، وقد حدد الباحث في آخر فصوله، ثلاثة ركائز أساسية: التوحيد، والتزكية، والعمران. وهذه المنظومة تتصف بالتكامل والشمول، وإمكانية اشتقاق الكثير من المبادئ الفرعية من كل قيمة من هذه القيم.

"فتوحيد الله الخالق سبحانه، وتزكية حياة الإنسان وتطهيرها وترقيتها على مستوى الأفراد والجماعات والأمة، والعمران البشري للحياة وتطوير أساليبها وأسبابها تشكل منطومة قيمية، تحتاج امتنا على اعتمادها مبدأ في منهجيتها في الفكر  والعلم والسلوك، ومصدرا لسائر الضوابط والمعايير الحاكمة لهذه المنهجية المرشدة لتطبيقاتها".

لكن المنظومة القيمية التي تؤطر هذه المنهجية التكاملية، تحتاج إلى مزيد من التأصيل، عبر العديد من الدراسات والبحوث، والتي تعمق الفهم.  ولعل المهمة التي ينبغي الانتباه إليها، هو التفكير في عملية نقل منظومة القيم من حقلها التداولي في مجال الدعوة والموعظة ومجال الشريعة، إلى مجال التأسيس للعلوم الإنسانية والاجتماعية والكونية. والعمل على نحت تجارب رائدة في المجتمعات المسلمة لتكون لها الريادة في العالم.



السبت، 14 ديسمبر 2013

نظرية الاستعداد في المواجهة الحضارية للاستعمار - المغرب نموذجا

نظرية الاستعداد في المواجهة الحضارية للاستعمار 

 المغرب نموذجا



هذا الكتاب يكشف عن الاستراتيجية الاستعمارية الأوروبية لاحتلال المغرب في القرن الماضي، وما نشأ عن ذلك من رد فعل من قبل العلماء متمثلاً في نظرية ذات طابع شمولي في الاستعداد لإحباط الغزو الاستعماري وتجاوز آثاره، وفي التصدي حضارياً له ارتكازاً على الإحياء الإسلامي لمواجهة الهجمة الأوربية على الهوية الحضارية للأمة. وهو دراسة متعمقة لمفهومي المواجهة والمراجعة كطرفي قانون تطور القوة، ومحاولة لتفسير حركة التاريخ، وتشخيص الخلفية الدينية الحضارية للأمة، واستبطان قواعد التجديد والاجتهاد والإبداع والجهاد والتدافع. وقد ركزت الدراسة على المغرب كنموذج، إلا أنها تبقى قابلة للتعميم على خريطة العالم الإسلامي، في تفسير حركة الاستعمار، ورصد تطوراته وسياساته، وتتبعها، بدءاً من بيان مرجعية الغزو اللاتيني ونظامه، ثم عروجاً على استعراض مفهوم الاستعداد، وأصوله التقنية والمالية والسياسية، وتطورها نحو فكرة النظام الحديث، وانتهاءاً بتحليل نظرية الاستعداد وبيان موقعها في جدلية التحديث والاستقلال. التعريف بالمؤلف أحمد العماري: ـ هو أحمد بن محمد العماري، من مواليد سنة 1362ﻫ/ 1943 م بناحية فاس بالمغرب. ـ درس بمدينتي فاس والرباط، وحصل على الماجستير في التاريخ المعاصر في جامعة الرباط سنة 1401ﻫ/1987م. وحصل على دكتوراه الدولة في تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر من جامعة فاس سنة 1412ﻫ/ 1992م. وهي الجامعة التي يدرس بها منذ أكثر من عشرين سنة. ـ له مؤلفات وأبحاث تزيد على الثلاثين في التاريخ والفكر التاريخي. ـ يحاول أن يؤسس ملامح منهج في التاريخ، يقوم على التفسير الحضاري للتاريخ. ـ آخر ما صدر له قبل هذا الكتاب الأطروحة هو كتاب معالم في منهج التغيير الذي نشرته مؤسسة الفرقان بالدار البيضاء سنة 1614ﻫ/ 1996م. إلى جانب نظرية المواجهة والمراجعة التي حاول البحث فيهما عن العلاقة الجدلية بين الصراع والتطور الحضاري.