الأربعاء، 7 يونيو، 2017

المأزق العالمي للديمقراطية

المأزق العالمي للديمقراطية

بلوغ نقطة التحول

 



في كتاب المأزق العالمي للديمقراطية: بلوغ نقطة التحول الصادر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات (255 صفحة بالقطع الوسط)، لا يدّعي مؤلفه عصام فاهم العامري أنه يقدم فيه مخططًا جاهزًا لتجديد الديمقراطية، فمن الممكن بحسبه أن يتخذ تجديدها مسارات متعددة، وأن يستفيد من التجارب الناجحة ويطورها أو يضيف إليها، مستدركًا ضرورة إقناع الناخبين والحكومات على حد سواء بالأسس الموضوعية لقبول القيود المفروضة على ميل الحكومات الطبيعي إلى تجاوز حدود صلاحياتها. فالاتجاهات الكبرى التي تحكم مجمل التحولات في العالم خلال العقدين المقبلين على الأقل شاهدة على توسّع الاتجاه العالمي للديمقراطية، ومن شأن هذه الاتجاهات أن ترسم ملامح المستقبل للعالم في باقي عقود القرن الحادي والعشرين.

يرى العامري في كتابه هذا أن بروز عصر الغضب والأساليب التي يمكن أن تلجأ إليها الحكومات الديمقراطية لقمع المتظاهرين الغاضبين بقوة، يلقي الضوء على عنصر آخر لمأزق الديمقراطية على المستوى العالمي، مشيرًا إلى أن الغضب الشعبي الذي اجتاح المجتمعات الغربية ليس مرهونًا بالأزمة الاقتصادية العالمية التي لا يزال العالم يعاني تداعياتها منذ أواخر عام 2007، وإن كانت هذه الأزمة قد فاقمت حالة السخط بسبب ما أحدثته من بطالة وتراجع في مستوى الحياة ونقص الدخل الفردي، وتراكم الديون الشخصية، وإنما مصدر ذلك كله هو "توعك" الديمقراطية.

يهدف العامري من هذا الكتاب إلى المساهمة في الحوار الدائر في عدد من البلدان في شأن مستقبل السياسات الديمقراطية، ويفترض فيه أن الديمقراطية تواجه مأزقًا عالميًا بسبب تحولات عالمية كبرى وفواعل كثيرة تدفع باتجاه توسع الديمقراطية، وتعظم نداء الشعوب نحوها، "ولا سيما أن هناك نماذج حكومات تسعى إلى الارتقاء بمثُلها وقيمها، إضافة إلى تراجع الديمقراطية وفق مؤشرات القياس المعتمدة لها، وانتكاساتها وبروز تحديات متعاظمة تنحدر بها إلى نوع من الدكتاتورية والقيصرية، وتحوّل ربيعها إلى شتاء جاف، الأمر الذي أوصلها إلى نقطة تحوّل حادة تنفتح على احتمالين: الأول، ارتدادها وانحسارها، كما حدث في عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته؛ والثاني، السير بها إلى آفاق رحبة تنهض بمؤسساتها وقيمها وجوهرها على نحو يستجيب لعصر ما بعد الصناعة، بشكل يحيي روح المبادئ الديمقراطية التي خبت، ويعيد إلى المواطَنة مفهومها المفقود، وإلى المجتمع السياسي تفاعله الخلاق من أجل أن تصون الديمقراطية للإنسان كرامته".

في الفصل الأول ما الديمقراطية، يبحث العامري في ماهية الديمقراطية، وغموض المفهوم وسيولته، وأبعاد الديمقراطية وعناصرها، ومعايير الديمقراطية ومقاييسها. وبحسبه، ربما يستحيل في العصر الحديث إزالة الغموض والتناقض في الاستعمالات المتعددة للديمقراطية، لأنها تكون راسخة في المفهوم نفسه. وفي اللحظة التي نتفوه فيها بالديمقراطية ونعتقد أنها حميدة، كقولنا "إن الديمقراطية تعني حكم الشعب"، نكون قد أنشأنا تناقضًا. وعلى الرغم من أن الحرية والديمقراطية لا تترادفان، فإنهما غالبًا ما تُستخدمان بالتبادل. فمن المفترض أن تتأسس الديمقراطية لحماية الحرية، إلا أن غموض المفاهيم غالبًا ما يجعل الديمقراطية والحرية مترادفتين.

يناقش العامري في الفصل الثاني التوسع الديمقراطي العالمي الحجج التي تؤيد فرضية التوسع العالمي للديمقراطية، متطرقًا إلى التفضيل الشعبي للديمقراطية، وإلى دور الإنترنت في انتشار الديمقراطية. وهو يرى أن توسع الديمقراطية العالمي بحاجة إلى اقتناع الشعوب في الدول غير الديمقراطية بضرورة تحوّل دولها إلى الديمقراطية، واستعدادها وقدرتها على العمل من أجل تغيير نظم الحكم إلى الديمقراطية، وتوافر ديناميات تخضع الأنظمة غير الديمقراطية من خلالها للقوى الناشطة من أجل التحول نحو الديمقراطية. وتفضل الشعوب الديمقراطية لأنها تروّج فكرة الحرية وتطوير الإنسان وتمثل الوسيلة الأمثل لحماية المصالح الإنسانية المشتركة. كما يبحث المؤلف في هذا الفصل مسألة تمكين الأفراد وفيضان الطبقة الوسطى في مدن مزدحمة، وأدوار الجيوش في التحول الديمقراطي، ويقدم الصين مثالًا على آفاق التوجه المستقبلي نحو الديمقراطية.

يحلل العامري، في الفصل الثالث تحولات الديمقراطية وموجاتها، والتي شهدتها عبر التاريخ، مركزًا على حوادث الربيع العربي ومآلاته، ومتطرقًا إلى الديمقراطية بين نهاية التاريخ ومستقبله، باحثًا في التحولات والموجات المتعددة، وتجارب التحول الديمقراطي في الموجة الثالثة، متسائلًا إن كان الارتداد العكسي موجة ثالثة أم رابعة، وأين مؤدى الربيع العربي، وما العواقب غير المقصودة؟ يكتب: "ربما يقول ملايين من العرب أنه كان من الأفضل ألا تنفجر حوادث الربيع العربي، رغبة في الحفاظ على الأمن الذاتي، وإن كان هذا الأمن ينتقص الكرامة في ظل الاستبداد، بل إن بعض المواطنين العرب - وهذا الكلام كثيرًا ما سمعناه أكثر من عشرة أعوام من سقوط نظام صدام حسين - يؤكد أن شعوب المنطقة بحاجة دومًا إلى دكتاتوريات تحكمها، وأن فشل الربيع العربي جلي، وأن صناديق الانتخاب التي هي من نتائج ثورات الربيع العربي، ستفرز دكتاتوريات، في أفضل الأحوال"، ليستدرك مذكرًا بأن أنظمة الاستبداد لم تكتف بزرع الأفكار التي تروّج لاستمرارها وتكريسها، بل أوجدت عوامل معوقة لعمليات التغيير، ونمّت التخلف على مدى عقود طويلة، ويكفي هذا الربيع أنه أضاف إلى عناصر القوة الموجودة في الجسد العربي قوة جديدة، هي قوة الشارع.

يتطرق المؤلف في الفصل الرابع انتكاسات الديمقراطية في العالم إلى واقع الديمقراطية في مناطق العالم المختلفة وانتكاساتها والتحديات التي تتعرض لها، متناولًا الدكتاتورية العالمية والقيصرية والشعبوية. وهو وجد دلائل موثّقة على دور بارز للمعتقدات الثقافية في إخفاق كثير من الديمقراطيات؛ ففي أفريقيا، تراجع بسهولة ما كان عند النخبة الناشئة من التزامات سطحية بالديمقراطية وحلّت محله نزعات دكتاتورية مع ضغط هائل واجهتها الأنظمة الجديدة. فالسحر ومزاولوه عوّقوا قيام الديمقراطية في جنوب أفريقيا بسبب إيمان عدد كبير من سكان البلاد أن في استطاعة الأشرار أن يستحضروا عن طريق السحر قوى خفية في من يحسدونهم أو يكرهونهم. وسبق السحر ومزاولوه إقامةَ الديمقراطية في جنوب أفريقيا، وفي أثناء التحرك ضد الحكم العنصري في ثمانينيات القرن الماضي، كانت تهمة مزاولة السحر ترافق في الأغلب تهمة العمالة المأجورة للحكم.

يستكشف العامري في الفصل الخامس، شروط ازدهار الديمقراطية، من ناحية عملية، من خلال نماذج حكومات ديمقراطية اجتهدت من أجل الارتقاء بأدائها كي تسعد شعوبها. فيبحث في التمايزات الديمقراطية، دارسًا تجربتي جمهورية التشيك التي رأى فيها ديمقراطية استثنائية تواجه تحدي المخاوف الشعبية، والأوروغواي التي ترسخ التواضع في الديمقراطية، مبينًا الاختلاف بين الديمقراطية الإسكندنافية والديمقراطية الأميركية. فهذا الاختلاف، بحسب الكتاب، يكمن في طبيعة الديمقراطية في كلّ منها، وفي قيمها وحصيلتها؛ فالولايات المتحدة أمة مقسمة طبقيًا على نحو عميق، وهذا التقسيم ليس تقسيمًا اجتماعيًا فحسب، بل تقسيم سياسي أيضًا، فالطبقة الثرية هي نفسها الطبقة الحاكمة، والنظام السياسي الأميركي كرس قواعد اللعبة السياسية بشدة ضد أولئك الذين يملكون ثروة صغيرة، بينما تعتمد عناصر الديمقراطية الإسكندنافية على ممارسات وقيم كثيرة أهمها الشفافية، وتقديم المواطن على المسؤول.

في خاتمة الكتاب، بلوغ نقطة التحوّل، يقول الكاتب إن الديمقراطية وضِعت في مأزق متواصل بسبب التراجع المستمر في نوعيتها. ولهذا التراجع مظاهر وأشكال منوعة، ربما أهمها الشعور بالبون الشاسع الذي يفصل بين ما يجري في البرلمانات وآراء الناس والحياة اليومية. ويتجلى هذا المأزق في تدنّي الثقة بالمؤسسات الديمقراطية، واشتعال الإيمان بالديمقراطية في لحظات الانتصار، "لكن سرعان ما تنطفئ هذه الشعلة؛ فكثيرًا ما بدا في خارج الغرب أن الديمقراطية تتداعى وتنهار، وأن كثيرًا من الدول التي تخلصت من عتاة دكتاتورياتها تعاني الآن الاضطراب والفوضى وانعدام الأمن وتردّي الأوضاع الاقتصادية، كما يحدث في العراق وليبيا ودول عربية أخرى". وبحسب المؤلف في هذه الخاتمة، الفوضى والحرب الأهلية أسوأ من الدكتاتورية والقمع وغياب الحريات، وهذا ما أظهرته الحوادث في العقد المنصرم. ومع تحرر دول من نظم حكمها الاستبدادية، "ارتفع عدد الدول الفاشلة، الأمر الذي يبيّن أن البديل من الدكتاتورية ليس الديمقراطية بالضرورة، وإنما الفوضى في كثير من الأحيان"، كما يقول. وأثبتت تجارب عدة أن إسقاط الطغاة أسهل كثيرًا من إقامة الديمقراطية، بعدما سادت الخشية من أن تنتج هذه الديمقراطية أنظمة مارقة أو تقوي شوكة الجهاديين والإرهابيين.

العثمنة الجديدة

العثمنة الجديدة 

القطيعة في التاريخ الموازي بين العرب والأتراك


جاء الكتاب في مقدمة وثمانية فصول وخاتمة، وقد احتوت المقدمة مجموعةً من التعريفات، إضافةً إلى توضيح إشكالية البحث وأهميته، في حين ضمّ الفصل الأول تحليلًا نقديًا لنظرية العمق الإستراتيجي والجيوستراتيجي بعيدًا من الجانب الجيوتاريخي، ومن ضمن ذلك نقد ظاهرة العثمانيين الجُدد خصوصًا؛ كما جسّدها وزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو في نظريته "العمق الإستراتيجي" ، وانصب الاهتمام في الفصل الثاني على مشروع إحياء "باكس أوثمانيكا".
عالج الفصل الثالث الأطوار الانتقالية للإصلاحات العثمانية، ومفاهيم التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر من جهة ما يتعلق بكيفية تحوُّل الأطوار الانتقالية من العثمنة التاريخية إلى العثمنة الجديدة. أمّا الفصل الرابع، فهو يشمل تحليلًا تاريخيًا لمسألة انبثاق المشروطية العثمانية وتداعياتها على العرب والأتراك الذين بحثوا على نحوٍ مشتركٍ عن حياة دستورية وفق ما كان يجري في أوروبا. 
انتقل الكتاب في الفصل الخامس إلى معالجة ظاهرة الكمالية التركية، بدءًا بالاحتواءات الفكرية والتداعيات التاريخية وما أحدثته في العالم الإسلامي من انقسام فكري وأيديولوجي، مع انحراف الذاكرة الجمعية وحدوث الانقسام العربي إزاء الكمالية بين مؤيِّد ومعارض، في ظلّ غياب أيّ زعامة عربية يُجمع عليها العرب كلُّهم في مقابل أتاتورك الذي وُصف بـ "الذئب الأغبر". 
وفي الفصل السادس درس المؤلف طبيعة الإسلام السياسي التركي الحديث من خلال عدد من أكبر رموز الدعاة والمفكرين الأتراك، بدءًا بالشيخ سعيد النورسي، متحدثًا عن حياته ودوره في عهد أتاتورك، وكذلك محمد عاكف آرصوي، صاحب النشيد الوطني التركي المنبثق من فكره الإسلامي، وصولًا إلى أحمد نجيب فاضل صاحب نظرية الشرق الأعظم، ثمّ إلى اختتام الفصل بالحديث عن محمد فتح الله غولن. 
وفي الفصل السابع جرى درسٌ للمفاهيم والتطبيقات واعتناءٌ بالعثمنة الجديدة؛ من خلال التساؤل عن مفهومها المعاصر وطبيعة التحول الإستراتيجي في تركيا المعاصرة، وكيفية توظيف الإسلام السياسي التركي للعثمنة الجديدة، في حين عالج الفصل الثامن تركيا في ظل الإسلاميين (من الرفاه إلى الفضيلة، فالعدالة والتنمية والمشكلة الكردية)، ونقرأ فيه تحليلًا لتفكير أربكان إزاء تركيا والمستقبل، ومقارنةً بين الرفاهيين والإسلاميين والعلمانيين. ويتوقف الفصل عند تركيا في ما يخص متغيراتها بعد أربكان مع بروز ثلاثة زعماء جُدد كان اللامع بينهم أردوغان الذي عُدَّ رجل تركيا الجديد. أمّا الخاتمة، فقد ضمت جملةً من نتائج البحث، ودروسًا مستخلصةً من ثنايا مدخلات الكتاب وفصوله. 
- See more at: https://bookstore.dohainstitute.org/p-710.aspx#sthash.hx7mUFXE.dpuf


من موقع المركز العربي للأبحاث

جاء الكتاب في مقدمة وثمانية فصول وخاتمة، وقد احتوت المقدمة مجموعةً من التعريفات، إضافةً إلى توضيح إشكالية البحث وأهميته، في حين ضمّ الفصل الأول تحليلًا نقديًا لنظرية العمق الإستراتيجي والجيوستراتيجي بعيدًا من الجانب الجيوتاريخي، ومن ضمن ذلك نقد ظاهرة العثمانيين الجُدد خصوصًا؛ كما جسّدها وزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو في نظريته "العمق الإستراتيجي" ، وانصب الاهتمام في الفصل الثاني على مشروع إحياء "باكس أوثمانيكا".
عالج الفصل الثالث الأطوار الانتقالية للإصلاحات العثمانية، ومفاهيم التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر من جهة ما يتعلق بكيفية تحوُّل الأطوار الانتقالية من العثمنة التاريخية إلى العثمنة الجديدة. أمّا الفصل الرابع، فهو يشمل تحليلًا تاريخيًا لمسألة انبثاق المشروطية العثمانية وتداعياتها على العرب والأتراك الذين بحثوا على نحوٍ مشتركٍ عن حياة دستورية وفق ما كان يجري في أوروبا.
انتقل الكتاب في الفصل الخامس إلى معالجة ظاهرة الكمالية التركية، بدءًا بالاحتواءات الفكرية والتداعيات التاريخية وما أحدثته في العالم الإسلامي من انقسام فكري وأيديولوجي، مع انحراف الذاكرة الجمعية وحدوث الانقسام العربي إزاء الكمالية بين مؤيِّد ومعارض، في ظلّ غياب أيّ زعامة عربية يُجمع عليها العرب كلُّهم في مقابل أتاتورك الذي وُصف بـ "الذئب الأغبر".
وفي الفصل السادس درس المؤلف طبيعة الإسلام السياسي التركي الحديث من خلال عدد من أكبر رموز الدعاة والمفكرين الأتراك، بدءًا بالشيخ سعيد النورسي، متحدثًا عن حياته ودوره في عهد أتاتورك، وكذلك محمد عاكف آرصوي، صاحب النشيد الوطني التركي المنبثق من فكره الإسلامي، وصولًا إلى أحمد نجيب فاضل صاحب نظرية الشرق الأعظم، ثمّ إلى اختتام الفصل بالحديث عن محمد فتح الله غولن.
وفي الفصل السابع جرى درسٌ للمفاهيم والتطبيقات واعتناءٌ بالعثمنة الجديدة؛ من خلال التساؤل عن مفهومها المعاصر وطبيعة التحول الإستراتيجي في تركيا المعاصرة، وكيفية توظيف الإسلام السياسي التركي للعثمنة الجديدة، في حين عالج الفصل الثامن تركيا في ظل الإسلاميين (من الرفاه إلى الفضيلة، فالعدالة والتنمية والمشكلة الكردية)، ونقرأ فيه تحليلًا لتفكير أربكان إزاء تركيا والمستقبل، ومقارنةً بين الرفاهيين والإسلاميين والعلمانيين. ويتوقف الفصل عند تركيا في ما يخص متغيراتها بعد أربكان مع بروز ثلاثة زعماء جُدد كان اللامع بينهم أردوغان الذي عُدَّ رجل تركيا الجديد. أمّا الخاتمة، فقد ضمت جملةً من نتائج البحث، ودروسًا مستخلصةً من ثنايا مدخلات الكتاب وفصوله.
 

 

Download - MediaFire 

جاء الكتاب في مقدمة وثمانية فصول وخاتمة، وقد احتوت المقدمة مجموعةً من التعريفات، إضافةً إلى توضيح إشكالية البحث وأهميته، في حين ضمّ الفصل الأول تحليلًا نقديًا لنظرية العمق الإستراتيجي والجيوستراتيجي بعيدًا من الجانب الجيوتاريخي، ومن ضمن ذلك نقد ظاهرة العثمانيين الجُدد خصوصًا؛ كما جسّدها وزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو في نظريته "العمق الإستراتيجي" ، وانصب الاهتمام في الفصل الثاني على مشروع إحياء "باكس أوثمانيكا".
عالج الفصل الثالث الأطوار الانتقالية للإصلاحات العثمانية، ومفاهيم التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر من جهة ما يتعلق بكيفية تحوُّل الأطوار الانتقالية من العثمنة التاريخية إلى العثمنة الجديدة. أمّا الفصل الرابع، فهو يشمل تحليلًا تاريخيًا لمسألة انبثاق المشروطية العثمانية وتداعياتها على العرب والأتراك الذين بحثوا على نحوٍ مشتركٍ عن حياة دستورية وفق ما كان يجري في أوروبا. 
انتقل الكتاب في الفصل الخامس إلى معالجة ظاهرة الكمالية التركية، بدءًا بالاحتواءات الفكرية والتداعيات التاريخية وما أحدثته في العالم الإسلامي من انقسام فكري وأيديولوجي، مع انحراف الذاكرة الجمعية وحدوث الانقسام العربي إزاء الكمالية بين مؤيِّد ومعارض، في ظلّ غياب أيّ زعامة عربية يُجمع عليها العرب كلُّهم في مقابل أتاتورك الذي وُصف بـ "الذئب الأغبر". 
وفي الفصل السادس درس المؤلف طبيعة الإسلام السياسي التركي الحديث من خلال عدد من أكبر رموز الدعاة والمفكرين الأتراك، بدءًا بالشيخ سعيد النورسي، متحدثًا عن حياته ودوره في عهد أتاتورك، وكذلك محمد عاكف آرصوي، صاحب النشيد الوطني التركي المنبثق من فكره الإسلامي، وصولًا إلى أحمد نجيب فاضل صاحب نظرية الشرق الأعظم، ثمّ إلى اختتام الفصل بالحديث عن محمد فتح الله غولن. 
وفي الفصل السابع جرى درسٌ للمفاهيم والتطبيقات واعتناءٌ بالعثمنة الجديدة؛ من خلال التساؤل عن مفهومها المعاصر وطبيعة التحول الإستراتيجي في تركيا المعاصرة، وكيفية توظيف الإسلام السياسي التركي للعثمنة الجديدة، في حين عالج الفصل الثامن تركيا في ظل الإسلاميين (من الرفاه إلى الفضيلة، فالعدالة والتنمية والمشكلة الكردية)، ونقرأ فيه تحليلًا لتفكير أربكان إزاء تركيا والمستقبل، ومقارنةً بين الرفاهيين والإسلاميين والعلمانيين. ويتوقف الفصل عند تركيا في ما يخص متغيراتها بعد أربكان مع بروز ثلاثة زعماء جُدد كان اللامع بينهم أردوغان الذي عُدَّ رجل تركيا الجديد. أمّا الخاتمة، فقد ضمت جملةً من نتائج البحث، ودروسًا مستخلصةً من ثنايا مدخلات الكتاب وفصوله. 
- See more at: https://bookstore.dohainstitute.org/p-710.aspx#sthash.hx7mUFXE.dpuf
جاء الكتاب في مقدمة وثمانية فصول وخاتمة، وقد احتوت المقدمة مجموعةً من التعريفات، إضافةً إلى توضيح إشكالية البحث وأهميته، في حين ضمّ الفصل الأول تحليلًا نقديًا لنظرية العمق الإستراتيجي والجيوستراتيجي بعيدًا من الجانب الجيوتاريخي، ومن ضمن ذلك نقد ظاهرة العثمانيين الجُدد خصوصًا؛ كما جسّدها وزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو في نظريته "العمق الإستراتيجي" ، وانصب الاهتمام في الفصل الثاني على مشروع إحياء "باكس أوثمانيكا".
عالج الفصل الثالث الأطوار الانتقالية للإصلاحات العثمانية، ومفاهيم التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر من جهة ما يتعلق بكيفية تحوُّل الأطوار الانتقالية من العثمنة التاريخية إلى العثمنة الجديدة. أمّا الفصل الرابع، فهو يشمل تحليلًا تاريخيًا لمسألة انبثاق المشروطية العثمانية وتداعياتها على العرب والأتراك الذين بحثوا على نحوٍ مشتركٍ عن حياة دستورية وفق ما كان يجري في أوروبا. 
انتقل الكتاب في الفصل الخامس إلى معالجة ظاهرة الكمالية التركية، بدءًا بالاحتواءات الفكرية والتداعيات التاريخية وما أحدثته في العالم الإسلامي من انقسام فكري وأيديولوجي، مع انحراف الذاكرة الجمعية وحدوث الانقسام العربي إزاء الكمالية بين مؤيِّد ومعارض، في ظلّ غياب أيّ زعامة عربية يُجمع عليها العرب كلُّهم في مقابل أتاتورك الذي وُصف بـ "الذئب الأغبر". 
وفي الفصل السادس درس المؤلف طبيعة الإسلام السياسي التركي الحديث من خلال عدد من أكبر رموز الدعاة والمفكرين الأتراك، بدءًا بالشيخ سعيد النورسي، متحدثًا عن حياته ودوره في عهد أتاتورك، وكذلك محمد عاكف آرصوي، صاحب النشيد الوطني التركي المنبثق من فكره الإسلامي، وصولًا إلى أحمد نجيب فاضل صاحب نظرية الشرق الأعظم، ثمّ إلى اختتام الفصل بالحديث عن محمد فتح الله غولن. 
وفي الفصل السابع جرى درسٌ للمفاهيم والتطبيقات واعتناءٌ بالعثمنة الجديدة؛ من خلال التساؤل عن مفهومها المعاصر وطبيعة التحول الإستراتيجي في تركيا المعاصرة، وكيفية توظيف الإسلام السياسي التركي للعثمنة الجديدة، في حين عالج الفصل الثامن تركيا في ظل الإسلاميين (من الرفاه إلى الفضيلة، فالعدالة والتنمية والمشكلة الكردية)، ونقرأ فيه تحليلًا لتفكير أربكان إزاء تركيا والمستقبل، ومقارنةً بين الرفاهيين والإسلاميين والعلمانيين. ويتوقف الفصل عند تركيا في ما يخص متغيراتها بعد أربكان مع بروز ثلاثة زعماء جُدد كان اللامع بينهم أردوغان الذي عُدَّ رجل تركيا الجديد. أمّا الخاتمة، فقد ضمت جملةً من نتائج البحث، ودروسًا مستخلصةً من ثنايا مدخلات الكتاب وفصوله. 
- See more at: https://bookstore.dohainstitute.org/p-710.aspx#sthash.hx7mUFXE.dpuf
جاء الكتاب في مقدمة وثمانية فصول وخاتمة، وقد احتوت المقدمة مجموعةً من التعريفات، إضافةً إلى توضيح إشكالية البحث وأهميته، في حين ضمّ الفصل الأول تحليلًا نقديًا لنظرية العمق الإستراتيجي والجيوستراتيجي بعيدًا من الجانب الجيوتاريخي، ومن ضمن ذلك نقد ظاهرة العثمانيين الجُدد خصوصًا؛ كما جسّدها وزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو في نظريته "العمق الإستراتيجي" ، وانصب الاهتمام في الفصل الثاني على مشروع إحياء "باكس أوثمانيكا".
عالج الفصل الثالث الأطوار الانتقالية للإصلاحات العثمانية، ومفاهيم التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر من جهة ما يتعلق بكيفية تحوُّل الأطوار الانتقالية من العثمنة التاريخية إلى العثمنة الجديدة. أمّا الفصل الرابع، فهو يشمل تحليلًا تاريخيًا لمسألة انبثاق المشروطية العثمانية وتداعياتها على العرب والأتراك الذين بحثوا على نحوٍ مشتركٍ عن حياة دستورية وفق ما كان يجري في أوروبا. 
انتقل الكتاب في الفصل الخامس إلى معالجة ظاهرة الكمالية التركية، بدءًا بالاحتواءات الفكرية والتداعيات التاريخية وما أحدثته في العالم الإسلامي من انقسام فكري وأيديولوجي، مع انحراف الذاكرة الجمعية وحدوث الانقسام العربي إزاء الكمالية بين مؤيِّد ومعارض، في ظلّ غياب أيّ زعامة عربية يُجمع عليها العرب كلُّهم في مقابل أتاتورك الذي وُصف بـ "الذئب الأغبر". 
وفي الفصل السادس درس المؤلف طبيعة الإسلام السياسي التركي الحديث من خلال عدد من أكبر رموز الدعاة والمفكرين الأتراك، بدءًا بالشيخ سعيد النورسي، متحدثًا عن حياته ودوره في عهد أتاتورك، وكذلك محمد عاكف آرصوي، صاحب النشيد الوطني التركي المنبثق من فكره الإسلامي، وصولًا إلى أحمد نجيب فاضل صاحب نظرية الشرق الأعظم، ثمّ إلى اختتام الفصل بالحديث عن محمد فتح الله غولن. 
وفي الفصل السابع جرى درسٌ للمفاهيم والتطبيقات واعتناءٌ بالعثمنة الجديدة؛ من خلال التساؤل عن مفهومها المعاصر وطبيعة التحول الإستراتيجي في تركيا المعاصرة، وكيفية توظيف الإسلام السياسي التركي للعثمنة الجديدة، في حين عالج الفصل الثامن تركيا في ظل الإسلاميين (من الرفاه إلى الفضيلة، فالعدالة والتنمية والمشكلة الكردية)، ونقرأ فيه تحليلًا لتفكير أربكان إزاء تركيا والمستقبل، ومقارنةً بين الرفاهيين والإسلاميين والعلمانيين. ويتوقف الفصل عند تركيا في ما يخص متغيراتها بعد أربكان مع بروز ثلاثة زعماء جُدد كان اللامع بينهم أردوغان الذي عُدَّ رجل تركيا الجديد. أمّا الخاتمة، فقد ضمت جملةً من نتائج البحث، ودروسًا مستخلصةً من ثنايا مدخلات الكتاب وفصوله. 
- See more at: https://bookstore.dohainstitute.org/p-710.aspx#sthash.hx7mUFXE.dpuf

الأحد، 4 يونيو، 2017

أصول النظام السياسي

أصول النظام السياسي

من عصور ما قبل الإنسان إلى الثورة الفرنسية



نقلا عن موقع منتدى العلاقات العربية والدولية
مراجعة محمد عبد العزيز

أصدر منتدى العلاقات العربية والدولية ترجمة الكتاب الموسوعي لفوكوياما بجزأيه-أصول النظام السياسي: من عصور ما قبل الإنسان إلى الثورة الفرنسية، والنظام السياسي والانحطاط السياسي: من الثورة الصناعية إلى عولمة الديمقراطية- قبل صدور ترجمته إلى الفرنسية أو الألمانية أو الإسبانية أو أية لغة حية أخرى.
ينظر الكتاب بجزأيه إلى الأصول التاريخية للمؤسسات السياسية وعملية الانحطاط السياسي، فيتناول المجلد الأول، الذي نقوم بعرضه في هذا المقال، التطور السياسي من عصور ما قبل الإنسان حتى قيام الثورتين الفرنسية والأميركية تقريباً، ويدور بالضرورة حول الماضي- بل لا يبدأ حقيقةً بالتاريخ الإنساني المسجل وإنما بأسلاف الجنس البشري من الثدييات الرئيسة. وتتناول الأجزاء الأربعة الأولى منه مرحلة ما قبل التاريخ الإنساني، وأصول الدولة، وحكم القانون، وأخيراً الحكومة الخاضعة للمحاسبة.
الفكرة الأساسية التي يجادل عنها فوكوياما في بداية الكتاب أن المؤسسات مهمة، وأن الدول الفقيرة ليست فقيرة في الموارد، بل فقيرة لأنها تفتقد المؤسسات السياسية الفعالة، لذلك نحتاج إلى فهم كيفية ظهور تلك المؤسسات وتطورها، وكيف بلغت الدانمرك شكلها السياسي الحالي وظلت الصومال بشكلها الحالي أيضاً. لا تشرح الأسباب الأحادية هذه الظاهرة، الإجابة التي يقدمها فوكوياما هي المؤسسات وتطورها. ونظراً لأن المؤسسات السياسية تأخذ وقتاً طويلاً لتتطور وترتقي، في هذا الوقت الذي تبلورت فيه الأشكال السياسية الحديثة كان أحد أعراضه الجانبية فقدان للذاكرة التاريخية فيما يتعلق بكيفية وصول تلك المجتمعات إلى تلك النقطة أصلاً. يهدف الكتاب إلى ملء بعض الفجوات في هذا الفقدان التاريخي للذاكرة عبر تبيان مصادر المؤسسات السياسية الأساس في مجتمعات تسلم اليوم بداهةً بوجودها. وتقع المؤسسات المعنية في ثلاث فئات: الدولة، وحكم القانون، والحكومة الخاضعة للمحاسبة/ المساءلة.
وبهذا يتضح التساؤل الأساسي للكتاب، وهو كيف استطاع أي مجتمع تحقيق هذا التحول من المجتمع القبلي إلى المجتمع على مستوى الدولة؟ وكيف ارتقت حقوق الملكية الحديثة، وكيف ظهرت أصلا الأنظمة القضائية/القانونية الرسمية؟ مع رغبة فوكوياما في دراسة مرحلة ما قبل التاريخ تحديداً بقدر معتبر من التوضيح.
لذلك يقسم الكتاب إلى خمسة أجزاء: الجزء الأول يهتم فيه بما قبل الدولة، والجزء الثاني يفصل مسألة بناء الدولة، وفي الجزء الثالث يتحدث عن حكم القانون، وفي الجزء الرابع يتحدث عن الحكومة الخاضعة للمحاسبة، ثم ينهي الكتاب في الجزء الخامس بطرح نظرية في التطور السياسي والانحطاط السياسي. في كثير من الكتابات التاريخية حول الموضوع اتسمت بما يسمى “تعاقب حادث لعين إثر آخر”، دون محاولة استخلاص قواعد عامة، مع الابتعاد المتعمد عن التعميم أو استخلاص نظريات سببية يمكن تطبيقها في شروط وأحوال أخرى. تلك بالتأكيد أبعد ما تكون عن مقاربة فوكوياما التي تقارن وتعمم عبر مختلف الحضارات والحقب الزمنية.
يغطي الكتاب عدداً كبيراً من المجتمعات والحقب التاريخية، ويستخدم مواد من فروع معرفية تقع خارج تخصص المؤلف، بما في ذلك علوم الأناسة والاقتصاد والأحياء. في عمل بحثي واسع النطاق كهذا سيدرك القارئ أن كتابة هذا الكتاب تمت بحرفية شديدة، تم فيها تضفير أدبيات علم الاجتماع والتاريخ والاقتصاد، ليخرج هذا الكتاب بهذا الشكل. ويتضح أيضاً صعوبة كتابة عرض واف لهذا الكتاب الدسم بسبب الأفكار المتشابكة على طول خط الكتاب، والتي تحتاج إلى القراءة المفصلة في الكتاب مدعومة بالأرقام والأحداث التاريخية، تجريد الكتاب من حججه خلال عملية العرض يفقده أحد أسباب أهميته.
من بواعث تفكير فوكوياما في كتابة مثل هذا العمل في مجلدين يبحث فيهم أصول النظام السياسي، هو تطوير كتاب أستاذه صمويل هنتنغتون النظام السياسي لمجتمعات متغيرة[1]، الصادر عام 1968، حيث استجدت الكثير من الأحداث منذ 1968 مثل بروز دول شرق آسيا كقوة اقتصادية، وانهيار الشيوعية العالمية، وتسارع وتيرة العولمة، وبداية “الموجة الثالثة” من الدمقرطة في السبعينيات، مثل هذه الأفكار جعلت من تطوير عمل هنتنغتون ضرورة معرفية.
ما قبل الدولة
في الجزء الأول من الكتاب يحاول فوكوياما القيام بنقاش نظري حول حالة الفطرة أو ما قبل نشأة المجتمعات، ووضع الإنسان قبل وجود مظلة الدولة أو القبيلة. وفي هذه الفصول نجد مراجعة لأدبيات التراث السياسي الغربي في نصوص هوبز ولوك وروسو. والذي يميل إليه فوكوياما هو فكرة أرسطو عن كون الإنسان كائناً سياسياً بطبعه، اللافت في النظر في النقاش النظري في هذا الفصل هو مقارنة آراء هوبز ولوك وروسو بآراء علم الثدييات الرئيسية وعلم وراثيات السكان المعاصرة، بحيث يتم عرض تلك الآراء مقارنة بينها وبين الأبحاث العلمية. ومن أمثلة ردود النظريات العلمية الحديثة حول  ما يسمى “مغالطة هوبز” هو عدم وجود ما يسمى بحالة الفطرة، كان الجنس البشري فيها أفراداً معزولين، يعتبرون المجتمع حالة غير طبيعية. في هذا الفصل عودة لعلم الأحياء ومحاولة لدراسة سياسات الشمبانزي وصلتها بالتطور السياسي البشري. وهناك نقد لأطروحة أن الدين هو أساس العنف والشقاق الاجتماعي، بل على العكس اعتبره أحد مصادر التماسك الاجتماعي الذي يتيح تعاون البشر على نطاق أوسع. يتتبع فوكوياما أيضاً قضية الهجرة إلى قارات العالم التي بدأها الإنسان الأول من أفريقيا، ثم الجدالات في علم الإناسة في أصل المجتمعات، والتحول من الأسرة أو العصبة إلى القبيلة، كوحدة سياسية قبل الدولة، وهذا التنظير في علم الإناسة سبقه نقاشات نظرية حول أصول المؤسسات الإنسانية المبكرة، منذ كتاب روسو خطاب حول أصل التفاوت وأساسه بين البشر، ثم كتاب مورغان المجتمع القديم والذي استخدمه إنجلز معاون ماركس في ابتكار أشهر نظرية تطور في الأزمنة الحديثة في الشيوعية، الدافع الثاني المهم حول التنظير حول التطور السياسي المبكر كان كتاب تشارلز داروين حول أصل الأنواع، الذي تلقفه بعض العلماء نظرية التطور ليجعلوها أساساً لنظرية التطور الاجتماعية والتي بدأت مع هربرت سبنسر، مع ما أنتجته هذه النظريات الارتقائية من تبرير للعنصرية والاستعمار في القرن الماضي.
في هذا الجزء يعود فوكوياما لكتابات علم الإناسة والأحياء وبعض نظريات علم الاجتماع في تفسير نشأة الاجتماع الإنساني الأول، محاولاً الوصول إلى مفاهيم أكثر تفسيرية من المعتاد عليها. هناك شرح لبنية القبيلة وطبيعة العدالة في تلك المجتمعات، ونقاط قوة تلك المجتمعات القبلية وضعفها، لكنه يوظف مفهوم القبيلة في عالم السياسة المعاصرة عبر إعطائها معنى واسعاً. وأعطى مثالاً على ذلك بالهند، فهي تتمتع بديمقراطية ناجحة منذ قيام دولتها عام 1947، لكن السياسيين الهنود ما زالوا يعتمدون إلى أبعد الحدود على روابط الراعي- الزبون الشخصانية للوصول إلى البرلمان. في بعض الأحيان تكون هذه الروابط قبلية بالمعنى الدقيق للكلمة؛ لأن القبلية لا تزال موجودة في بعض المناطق الفقيرة والأقل تطوراً في الدولة. في أحيان أخرى يتأسس الدعم على أرضية النظام الطبقي أو الطائفي.
بناء الدولة أو قصة الصين
في الجزء الثاني من الكتاب يركز المؤلف على البعد السياسي لتطور مؤسسات الحكم وارتقائها، مؤكداً أن المؤسسات السياسية الحديثة ظهرت قبل قيام الثورة الصناعية والاقتصاد الرأسمالي الحديث بعهود طويلة في التاريخ الإنساني. فكثير من العناصر التي نعتبرها اليوم جزءاً من الدولة الحديثة كان في الواقع قائماً للتو في الصين في القرن الثالث قبل الميلاد، أي قبل حوالي ألف وثمانمئة عام من ظهور الدولة الحديثة في أوربا. لهذا السبب يبدأ فوكوياما روايته عن ظهور الدولة في الجزء الثاني من الكتاب الحالي بالصين. وكما تنزع نظريات التحديث الكلاسيكية إلى اعتبار التطور الأوربي معياراً قياسياً، وتسأل لِمَ انحرفت باقي المجتمعات عنه، يأخذ الصين أنموذجاً عن تشكل الدولة ويسأل لِمَ لم تستنسخ الحضارات الأخرى المسار الذي اختطته الصين لنفسها؟
حاول فوكوياما أن يقص قصة الدولة في الصين، من القبيلة الصينية إلى الدولة الموحدة، وتحدث عن انتشار النظام الإقطاعي وطبيعة السلطة السياسية. أثناء التتبع التاريخي لتاريخ سلالات الأسر والإمبراطوريات، عقد مقارنات بين نشأة الأنظمة المختلفة في الصين ونظيراتها في أماكن مختلفة حول العالم، فالإقطاع في الصين اختلف عن إقطاع أوربا العصور الوسطى، وما أنتجه النظام العسكري والجنرالات في الجيش الصيني لم يكن يماثل النظام الروماني، والنخب الصينية وطبيعة الارستقراطية كانت مختلفة عن تطور العديد من الارستقراطيات والنخب في أماكن أخرى في العالم. هناك تماثل في بعض المراحل التاريخية مثل غزو قبائل “جو” إمبراطورية مستقرة، وهو ما يذكرنا بغزو القبائل الجرمانية الإمبراطورية الرومانية، لكن التنافس العسكري داخل الصين سرع من وتيرة اتخاذها شكل دولة لها مؤسسة بيروقراطية عريقة. أما على مستوى الأفكار فقد كان الصراع بين المدرسة القانونية والكنفوشيوسية سمة أساسية في التاريخ الفكري للصين، هناك تفسير لتطور الطاوية ديانة الشعب، وأن الابتكارات المؤسسية كانت أحد نتائج الحروب المستمرة.
 أحد الأسئلة التاريخية التي طرحها أيضاً هو لماذا تعزز نظام الدولة متعدد الأقطاب في صين القرن الثالث قبل الميلاد ضمن امبراطورية كبرى واحدة في نهاية المطاف، بينما لم يتوحد نظام الدولة الأوربية على نفس الشاكلة. فلم تظهر أبداً دولة أوربية واحدة مهيمنة مثل الصين؟ هناك عدة تفسيرات ممكنة لذلك، قد تكون الجغرافيا من أهم الأسباب، والعامل الثاني هو التجانس الثقافي الذي لم يحدث في أوربا وحدث في الصين، فضلاً عن المسارات السياسية المختلفة التى اختطها التطور السياسي في تاريخ أوربا والصين، مثل قيام حكومات مستبدة في الصين استطاعت توحيد تلك الرقعة الضخمة، بينما لم توجد مثيلتها في أوربا.
يستمر فوكوياما في استعراض تطور الصين السياسي، فالصين أول حضارة في العالم تخلق دولة حديثة. لكنها خلقت دولة حديثة لا يقيدها حكم قانون، ولا تحد مؤسسات المساءلة والمحاسبة فيها من سلطة الحاكم. المسؤولية الوحيدة في النظام الصيني كانت أخلاقية.
المنعطف الهندي
اختط التطور السياسي في الصين مساراً مختلفاً جذرياً عن نظيره الهندي. في أحيان كثيرة، يجري الجمع بين هذين المجتمعين على اعتبار أنهما حضارتان “آسيويتان” أو “شرقيتان”. لكن في حين أظهرت الحضارتان بعض التشابهات الأولية، كان مسار التطور اللاحق لكل منهما شديد الاختلاف. فالوضع السياسي الصيني الصحيح على امتداد الألفيتين الماضيتين كان وجود دولة بيروقراطية مركزية تتخللها فترات تفكك وانحطاط؛ بينما اتسم الوضع السياسي الهندي بوجود سلسلة ممالك وإمارات مفككة ومتناحرة، تتخللها فترات قصيرة من الوحدة السياسية. إقامة نظام حكم استبدادي كانت على الدوام أمراً بالغ الصعوبة في السياسة الهندية. السبب في ذلك يكمن في عالم الدين والأفكار، كما يوضح الكتاب.
في دراسته لتطور الأنظمة السياسية يتتبع فوكوياما تطور المؤسسات في الصين ثم يتتبع النظام الهندي، وينتقل بعدها لدراسة النظام السياسي في التاريخ الإسلامي، ابتداء من خروج المسلمين من القبيلة والمماليك، إلى حسن أداء الدولة العثمانية وأسباب انحطاطها.
الدولة الإسلامية من النهوض إلى السقوط
يستكمل فوكوياما في الجزء الثاني من الكتاب ما بدأه بدراسة تطور مؤسسات الدولة، وفي دراسته للتاريخ الإسلامي يبدأ من تطور نظام الانكشارية في الدولة العثمانية، والذي يبحث له عن جذور في تاريخ الدولة العباسية، بإدخال العناصر غير العربية مثل الشعوب التركية وغيرها إلى مؤسسة الإدارة الإسلامية.
حاولت الدولة الإسلامية التي نشأت في الجزيرة العربية أن تتحرر من سلطة القبيلة إلى مفهوم أعم وأشمل. هذا التطور الأيديولوجي كان حيوياً في وضع أسس دولة مختلفة عن مجتمع مقسم ومتنازع داخلياً. لكنه يقرأ تاريخ العباسيين والمماليك والعثمانيين باعتبارها دولاً اعتمدت على نظام الرق العسكري. قد يختلف القارئ مع فوكوياما في قراءته لمسار التاريخ الإسلامي، خصوصاً رؤيته السياسية لتطور الأحداث التاريخية التي شكلت الدولة الإسلامية الأولى، واعتماده كثيراً على فكرة القبيلة والنسب، هذه الرؤية التي جعلته يرى أبا بكر مؤهلاً للخلافة لأنه على علم بالأنساب، وكذلك رؤيته للخوارج أنهم المجموعة الإسلامية التي استخلصت أكثر النتائج منطقية من تعاليم النبي، ويستدل بعد ذلك برؤية الخوارج السياسية للحكم.
يحاول فوكوياما اعتماد تفسير وجود مؤسسة الرق العسكري كأساس قامت عليه ثلاث إمبراطوريات إسلامية: أولها الإمبراطورية الغزنوية، ثم المماليك، ثم العثمانيون، لكن في الحالتين الغزنوية والمملوكية المصرية، انحدرت مؤسسة الرق العسكري لأن القرابة لعبت دوراً في إفشالها، مع فشل المماليك في البقاء تحت الحكم المدني، بالإضافة إلى عدم وجود آلية حكم ممأسسة على نحو جيد داخل الأخوية المملوكية نفسها، لكن تجربة العثمانيين نجحت بسبب إبقائهم القوات العسكرية تحت سيطرة إدارة مدنية حازمة، لكنهم انحدروا أيضاً مع ظهور مبدأ الوراثة في أواخر القرن السابع عشر.
يكمل فوكوياما القراءة الفاحصة لبناء النظام السياسي في الدولة المملوكية ثم انهياره بشرح يوضح فيه بذور القوة في النظام المملوكي وعوامل ضعفه. هناك تتبع بعد ذلك لتركيز الدولة العثمانية السلطة في يدها بطريقة استعصت على الملوك الأوربيين، مع تطوير نظام الرق العسكري على نحو أفضل من المماليك، ثم يقدم قراءته لأسباب انحطاط النظام العثماني وكيف أصبح الرق العسكري طريقاً تطورياً مسدوداً.
ثمة ملاحظة منهجية نبه إليها المترجم وهي مثال على تأثر الترجمة بأيديولوجية المترجم، ففصول فوكوياما الثلاثة الباحثة في التراث المؤسسي الإسلامي تتكئ بقوة على أعمال ترجمها ديفيد عيالون وبرنارد لويس، وهما مستعربان صهيونيان.
بعد دراسته تشكل مؤسسات الدولة من المجتمعات القبلية في ثلاث مناطق (الصين-الهند-الشرق الأوسط)، وقبل أن يبدأ في دراسة تطور حكم القانون، يعود إلى السبب في الخروج الأوربي من إطار القرابة ونهوض الاقطاع بديلاً لمفهوم القرابة، وكيف دمرت الكنيسة الكاثوليكية جماعات القرابة الموسعة، مع ملاحظة اختلاف تاريخ تطور العائلة في الغرب عنه في بعض المناطق في العالم ويشرح خطأ تصور ماركس لهذه المسألة كما عبر عنه في البيان الشيوعي.
حكم القانون
بعد أن تحدث الكاتب عن ما قبل الدولة والتطور السياسي المتعلق ببناء الدولة، وقدرة الدولة على تركيز السلطة واستخدامها، ينتقل بعدها إلى الحديث عن انبثاق ما يسمى “حكم القانون”، فهو مكون منفصل عن النظام السياسي يضع حدوداً مقيدة لسلطة الدولة. لذلك يتعايش بناء الدولة وقضية حكم القانون في حالة من التوتر المتبادل. لعل هذا الداء في بناء الدولة يمثل أخطر العيوب السياسية في البلدان النامية، فالسلطة العسكرية والسلطة الضريبية تبثق بشكل طبيعي من غرائز الطمع الأساسية لدى البشر، وتثبيت مفهوم حكم القانون لدى كل النخب في الدول هو ما يجعل من ديمقراطية ما ديمقراطية أقرب إلى العدالة عن أماكن يمارس فيها النظام الديمقراطي بشكله الانتخابي، لكن مع وجود عوار كبير في تطبيق القانون مثل ديمقراطية أميركا اللاتينية، وديمقراطية روسيا الاتحادية مع تمتع بعض النخب بحصانة ضد القانون.
في استعراضه لحكم القانون، يدرس حالة الهند والعالم الإسلامي وأوربا في العصور الوسطى مع إلقاء نظرة على التجربة الصينية، ينتقل فوكوياما في كل فصل إلى عمليات مقارنة مستمرة ليستخلص ما يمكن أن يكون نظرية متوسطة المدى، تتجنب مزالق التجريد المفرط (وهو عيب الاقتصاديين)، والتخصيص المفطرط (وهو مشكلة العديد من المؤرخين وعلماء الإناسة).
المحاسبة السياسية
تعني الحكومة الخاضعة للمحاسبة اعتقاد الحكام بأنهم مسؤولون أمام الشعب الذي يحكمونه، ويضعون مصالحه فوق مصلحتهم. مؤسسات المحاسبة السياسية هي الركن الثالث في النظام السياسي كما يتخيله فوكوياما، لا ريب في أن المحاسبة الرسمية عملية إجرائية: توافق الحكومة على إخضاع نفسها لآليات معينة تحد من سلطتها وقدرتها على فعل ما تشاء. في نهاية المطاف، تتيح هذه الإجراءات (التي تنص عليها الدساتير عادة) للمواطنين في المجتمع استبدال الحكومة برمتها بسبب التجاوزات، أو عدم الكفاءة، أو سوء استخدام السلطة. ويتمثل اليوم الشكل المهيمن للمحاسبة الإجرائية في الانتخابات، ويفضل أن تكون متعددة الأحزاب مع حق شامل في الاقتراع للبالغين. لكن المحاسبة الإجرائية لا تقتصر على الانتخابات. في إنكلترا، قدمت المطالب المبكرة بحكومة تخضع للمحاسبة والمساءلة باسم القانون، الذي اعتقد المواطنون أن على الملك طاعته. وكان أهم قانون هو القانون العام، الذي صاغ معظمه في تلك المرحلة قضاة غير منتخبين، إضافة إلى قوانين تشريعية أجازها برلمان منتخب على أساس حق الاقتراع المقيد. وهكذا، لم تكن الأشكال المبكرة من المحاسبة السياسية مسؤولة أمام الشعب ككل، بل أمام جملة تقليدية من القوانين التي عدت ممثلة لإجماع المجتمع، لهذا السبب أستعمل تعبير “المحاسبة” بدلاً من “الديمقراطية” في هذا القسم من الكتاب.
يقول فوكوياما: “من لا يعرف سوى بلد واحد يجهل البلدان كلها”، لذلك يقدم تجارب أربع نتائج لبناء الدولة الأوربية وبعض الأسباب التي جعلت هذه النتائج تتشعب وتفترق، ابتداء بنموذج الدولة المستبدة الضعيفة والمستبدة الناجحة، والدولة الأوليجاركية الفاشلة، والحكومة الخاضعة للمحاسبة، مقدماً مثالاً لكل نموذج بدول أوربية وتجربتها مع المحاسبة، مع إضافة النماذج غير الغربية التي ناقشها في صفحات الكتاب. والكتاب يهتم بنقد الرؤية المركزية الأوربية في روايتها للتحديث.
نظرية في التطور السياسي والانحطاط السياسي
تتطور المؤسسات السياسية، ببطء وبطرائق مؤلمة عادة، مع مرور الزمن وسعي المجتمعات الإنسانية إلى تنظيم نفسها للسيطرة على بيئاتها المحيطة. يطرأ الانحطاط السياسي حين تفشل الأنظمة السياسية في التكيف مع الظروف المتغيرة. ثمة ما يشبه قانون الحفاظ على المؤسسات في هذه السيرورة. ليست هناك آلية أوتوماتيكية تكيّف بواسطتها الأنظمة السياسية نفسها مع الظروف المتغيرة، يحدث الفشل في التكيف وبالتالي تنشأ ظاهرة الانحطاط السياسي. تاريخياً، على سبيل المثال، لم يكن ثمة سبب منطقي يمنع السلطان المملوكي في مصر من اعتماد الأسلحة النارية في فترة أبكر لمواجهة التهديدات الخارجية المتصاعدة، كما فعل العثمانيون الذين هزموه في نهاية المطاف؛ ولم يكن من المحتم أن يفشل أباطرة الصين أواخر حكم سلالة مينغ في فرض ضرائب مناسبة على مواطنيهم لبناء جيش قوي وتدعيمه، بحيث يستطيع حماية البلد وإنقاذها من المانشويين. المشكلة في الحالتين كلتيهما كانت جموداً مؤسسياً هائلاً يقبع خلف الوضع القائم.
ضرورة المؤسسات
هناك قلق على الديمقراطية في الاستيطان في كثير من البلدان، مرجع هذا القلق هو صعوبة إقامة مؤسسات سياسية فاعلة وإدامتها، مع حكومات قوية ومسؤولة وملتزمة بحكم القانون في آن، وهكذا تنشأ مشكلة في التطبيق والتنفيذ أكثر منه في المفهوم والفكرة. قد يكون شغف المتظاهرين والمدافعين عن الديمقراطية في أرجاء العالم كافة كافياً لـ”تغيير النظام” والانتقال من حكومات استبدادية إلى حكومات ديمقراطية. لكن الأخيرة لن تنجح بدون عملية بناء المؤسسات، وهي عملية طويلة ومكلفة ومعقدة ومضنية. ثمة تغافل كبير لأهمية المؤسسات السياسية أصاب على مر السنين أناساً كثراً يحلمون بعالم يتجاوز السياسة بطريقة ما مستقبلاً.
الكتاب في أحد توجهاته وهو بحث في تاريخ التطور السياسي، لكنه لا يقدم قراءة تاريخية تتابعية بقدر ما هو تحليل بعض العوامل التي أدت إلى ظهور بعض المؤسسات السياسية، كذلك يؤكد الكتاب على عدم اعتبار المكونات المختلفة للتحديث جزءاً من مضمومة وصلت مع الإصلاح، والتنوير، والثورة الصناعية، بل بينهم اختلاف في التوقيت تجمعت لتشكل العصر الحديث بشكله الحالي، وسبقها أشكال بدائية من المؤسسات تطورت كل في سياقه، لتجتمع وتشكل العصر الحديث بكل مؤسساته من بناء الدولة إلى حكم القانون ووجود جهات للمحاسبة.
يختتم فوكوياما سردية التطور السياسي في هذا المجلد مع الثورتين الأميركية والفرنسية عند نهاية القرن الثامن عشر. منطق التوقف عند هذه النقطة يقتبسه من شارح هيغل، المفكر الروسي-الفرنسي ألكسندر كوجييف بقوله إن التاريخ بحد ذاته انتهى عام 1806 مع معركة يينا-اورشتدت، حين هزم نابليون الملكية البروسية وجلب مبادئ الحرية والمساواة إلى منطقة هيغل من أوربا. أشار كوجييف إلى أن كل شيء حدث منذ عام 1806، بما في ذلك “العاصفة والاندفاع” في القرن العشرين بحروبه الكبرى وثوراته العظمى، هو مجرد “إعادة تعبئة”. أي إن المبادئ الأساسية للحكومة الحديثة وضعت منذ موقعة يينا؛ والمهمة منذئذ ليست العثور على مبادئ جديدة ونظام سياسي أسمى، بل تطبيقها في أجزاء أكبر وأكبر من العالم


العلاقات الدولية في عالم متغير

العلاقات الدولية في عالم متغير

 



صدرعن مركز الحضارة للدراسات السياسية كتاب العلاقات الدولية في عالم متغير: منظورات ومداخل مقارنة (في ثلاثة مجلدات)
إن المحتوى العلمي لهذا الكتاب هو الأول من نوعه بوصفه مرجعًا باللغة العربية جامعًا لاتجاهات ورؤى "غربية وغير غربية" في نظريات العلاقات الدولية على نحو نقدي وبنائي مقارن، وعلى نحو ينشغل أيضًا بالأبعاد التطبيقية للنظريات من ناحية أخرى، وتبحث بعض دراساته – من ناحية ثالثة- عن الجديد في العلم من منظور حضاري إسلامي مقارن.
أهمية هذا الكتاب، تنبع من حقيقة أن الإنتاج "النظري" في دوائرنا الأكاديمية الحضارية –غير الغربية- لابد أن يختلف عن نظيره في دوائر إنتاج العلم الغربية. دون أن يتجاوز بالطبع هذا الإنتاج الأخير المتميز؛ حيث يجب أن يقدم متابعةً لـ "دوائر العلم الغربية" وخبرة التفاعل معها، مع نقد منتجها والمراكمة المقارنة معه، وصولًا إلى منتجات ومخرجات جديدة. كما أن خبرة إنتاج العلم –وخاصة الجماعية- أكثر أهمية من تقديم منتج فردي جاهز الصنع... من أجل إنتاج "علم نافع"، وعلى نحو تتبلور معه مدارس وجماعات علمية ذات إنتاج يميز بعضها عن بعض، ويكون ساحة لحوار معرفي ونظري ناضج.
وعليه، يضم هذا الكتاب ستة محاور تشمل أبعاد دراسة العلاقات الدولية: بدءًا من مستوياتها الكلية والتأسيسية من نماذج معرفية ومنظورات مقارنة، وبعض المداخل البينية والاتجاهات النظرية الجديدة، إلى المفاهيم، والفواعل، والعمليات، وقضايا نظرية وتطبيقية، في إطار نقدي مقارن.




الأحد، 9 أبريل، 2017

فهم العلاقات الدولية

فهم العلاقات الدولية



كتاب (فهم العلاقات الدولية) ترجمه إلى اللغة العربية وأصدره مركز الخليج للأبحاث عام 2004م، للمؤلف كريس براون، وهو أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للعلوم الاقتصادية، ورئيس رابطة الدراسات الدولية البريطانية، ويركز الكتاب على العلاقة بين تطور نظريات العلاقات الدولية وأحداث القرن العشرين من الحربين العالميتين والكساد الكبير، إلى حروب الخليج، والصراع في البوسنة والهرسك، والثورة في تكنولوجيا المعلومات، وانطلق من الجدل  بين أنصار المدرسة الواقعية والطوباويين الذي كان يدور في ثلاثينيات القرن العشرين، وقد تناول بشيء من العمق قضايا مثل المصلحة القومية وميزان القوى والحرب، إضافة إلى الاقتصاد السياسي الدولي وقضايا الحكم العالمي، وقضايا البيئة واللاجئين والمهاجرين.


وجاء الكتاب في 4 أقسام تضمنت 12 فصلاً، قدم لها كريس براون بقوله: هذه الفصول تناولت طبيعة نظرية العلاقات الدولية ونشوء وتطور هذه العلاقات، ثم ظهور النزعة الدولية الليبرالية بعد عام 1914م، والصراع بين الليبرالية والواقعية في ثلاثينيات القرن العشرين، والتركيب الواقعي بعد عام 1945م، والجدل في الستينيات من القرن العشرين حول التعددية والبنوية، وارثوذوكسيات الواقعية الجديدة والليبرالية الجديدة. ثم تناول الكتاب قضايا العلاقات الدولية الواقعية المتمحورة حول الدولة: نظريات الدولة، صنع القرار، مشاكل بنية الوكالة، السلطة، الأمن، الحرب، وتوازن القوى. وفي القسم الثالث يتناول الكتاب أوصاف العالم الأقل تمحورًا حول الدولة: فكرة الحكم العالمي، الاقتصاد العالمي ومؤسساته، والعلاقة بين الشمال والجنوب.

 ويختتم الكتاب بفصلين عن تأثير انتهاء الحرب الباردة على نظرية العلاقات الدولية، ويقول إن ما أرمي إليه هو إعطاء وصف نقدي لأحدث ما تم التوصل إليه عن الموضوع وليس توقع شكله المستقبلي في الألفية الثالثة مع وضع بعض العلامات التي تشير إلى المستقبل.

 وتحمل فصول الكتاب العناوين التالية:

ــ تعريفات ووجهات نظر ـ النظرية والعلاقات الدولية ـ 1( الواقعيون والطوباويون ـ التركيبة الواقعية لما بعد الحرب ) ـ النظرية والعلاقات الدولية ( تحديات التوليفة الواقعية ـ التعددية والترابط المعقد ـ المجتمع الدولي والمدرسة الإنجليزية ـ ما بعد الوضعية : فكر ما بعد الحداثة )ـ توليفة الواقعيين ( الدولة والسياسة الخارجية ـ السياسة الخارجية والداخلية: القرار بوصفه نقطة تركيز ـ البنية والسياسة الخارجية ) ـ القوة والأمن ( أبعاد القوة ـ القوة والخوف ـ إدارة حالة انعدام الأمن ) ـ ميزان القوى والحرب ( ميزان القوى ـ التصور السياسي للحرب ـ الحرب في القرن العشرين ـ نهاية العلاقات الدولية المتمحورة حول الدولة) ـ الحكم العالمي ( المذهب الوظيفي ـ نظرية الدمج : الفيدرالية والمذهب الوظيفي الجديد ـ الحكم العالمي والأمن الجماعي) ـ الاقتصاد السياسي الدولي ( نشوء الاقتصاد العالمي ـ المشاكل والمنطلقات ـ الاقتصاد العالمي ونشوء نظام بريتون وودز وسقوطه) ـ وجهة نظر الجنوب ( البنيوية ـ الجنوب والنظام الاقتصادي الدولي الجديد ـ نهاية العالم الثالث ـ الحكم الجيد: مستويات الحضارة وأشباه الدول ) ـ أجندات جديدة ( ما بعد الحرب الباردة ـ نهاية الحرب الباردة ـ العودة إلى المستقبل ـ النظام العالمي الجديد ـ نهاية التاريخ ـ السلام الديمقراطي ـ السياسة الجديدة للبيئة العالمية ـ المهاجرون واللاجئون : سياسة مراقبة الحدود ـ التمييز بين الجنسين والهوية والعلاقات الدولية).

Download - MediaFire

السبت، 1 أبريل، 2017

قوة الدين في المجال العام

قوة الدين في المجال العام


نقلا عن موقع مؤمنون بلا حدود 
قراءة : مصطفى عبد الظاهر
الدين ظاهرة مدهشة تلعب في حياة الناس أدوارا متناقضة، يمكن له أن يدمر، أو أن يبعث الحيوية، يستجلب النوم أو يدعو إلى الصحو، يستعبد أو يحرر، يعلم الخنوع أو يعلم الثورة".

بهذا الاقتباس للمصلح الإسلامي وعالم الاجتماع الإيراني الكبير د.علي شريعتي، يبدأ "كريج كالهون"كلمته في ختام المؤتمر الكبير الذي عقد في نيويورك عام 2009 في القاعة التاريخية باتحاد كوبر تحت عنوان: "قوة الدين في المجال العام "، حيث قدمت المداخلات الأربع ليورجين هابرماس وجوديث بتلر وتشارلز تايلور وكورنيل ويست، ثم أصدرت المشاركات الأربع في كتاب تحت نفس العنوان؛ منقحة ومحررة عن طريق إدوارد منديتا وجوناثان فانانتوبرين، ثم أصدرت الطبعة العربية بترجمة المترجم العراقي فلاح رحيم عن دار التنوير اللبنانية بالاشتراك مع مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد بإشراف الدكتور عبد الجبار الرفاعي.
هذا الاقتباس السابق ذكره لعلي شريعتي، يصلح كحجر أساس لفهم الأطروحة الرئيسة لهذا الكتاب القيم، فلقد عكفت الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة، طوال عقود على فهم الدين وعلاقته بالفضاء الاجتماعي، وكيفية نشوء مساحاته وآلياته وكيفية شغلها،وتفسير "الاحتياج" الموضوعي أو الذاتي الذي يؤدي لخوض تجربة دينية سواء "بإنشائه" أو بخوض تجربة ممارسته واللجوء إليه؛ فمن ماكس مولر (1823- 1900) الذي استخدم نظرية داروين في النشوء والارتقاء لفهم تكون الدين أصلاً في المجتمعات، وقاده ذلك إلى نظرية قائمة على أن تطور اللغه هو الأصل في ظهور الأديان والسحر
من مولر إلى ماركس في نظريته عن الدين الذي يراه مظهراً من مظاهر الهرب من مواجهة الاستغلال الاقتصادي وفرويد الذي يرى أن الدين هو اختراع ذاتي ناتج عن اصطدام اللاوعي بضغوط المجتمعات، فهو تجربة تدور رحاها بين الوعي واللا وعي وبين الأنا والأنا الأعلى.
وغير ذلك الكثير من النظريات الغربية في تفسير نشوء الدين والحاجه إليه، والتي هي على تنوعها تتفق على نتيجة واحدة، هي أن الدين لابد وأنه بمرور الوقت يزدادا ضموراً وهامشية لصالح المساحات التي يحتلها عقل "الأنوار" بانتظام في الفضاء الاجتماعي الحديث.
إلا أن هذه النتيجة أو الفرضية بالأحرى، تصطدم بالواقع عودة "الديني" وتزايد قدرته على اجتذاب أعداد أكثر من الناس وخاصة في الغرب، بل وحتى نزوع قطاعات كبيرة من المثقفين إلى مصدر لإنتاج "المعنى"، الأمر الذي يحاول فلاسفتنا الأربعة في هذا الكتاب نقاشه، فالمجال العام ليس فضاء للنقاش العقلاني البحت أو التوافق الطوعي الخالص ولا الدين مجرد شأن خاص.
فحسب هابرماس، فإن المجال العام الذي بدأ بالظهور في القرن الثامن عشر تطور بوصفه فضاء اجتماعيا متميزاً عن الدولة والاقتصاد والعائلة فيه يمكن للأفراد أن يتواصلوا فيما بينهم كمواطنين مستقلين من أجل التداول في الصالح العام  فهو بحسب تعبيره "القوة غير المفروضة بالقوة" التي يحوزها الجدال الأفضل.
فهابرماس في مداخلته قد قدم موقفاً أكثر اعتناء بمكانة الدين في المجال العام من رأيه الأول في كتابه "التحول البنيوي للمجال العام" حسب النقاد، فيرى أنه يجب أن يتم تطوير موقف "مابعد علماني" يأخذ في الحسبان الحيوية العالمية المتواصلة للدين ويستفيد من الاستبصارات الأخلاقية التي يحملها الدين بشرط أن تترجم إلى لغة عقلانية "اتفاقية" كي تبث عبر المجال العام.
يصل هابرماس إلى ذلك عبر أطروحة نقدية مكثفة لفكرة الفيلسوف الألماني "كارلب شميت"عن"اللاهوت السياسي" فيرى هابرماس أن كل الذي خشي منه شمت قد حدث بالفعل، ولم تعد الدولة الحديثة تستمد سلطتها من هذا الأصل الوجودي، ولا يمكن أن تتم محاولة إعادة الدين إلى المجال العام عن طريق رد أساس سلطة الدولة إلى أساس لا يحتكم إلا للكتب المقدسة.
ويقدم الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور صاحب الكتاب الشهير"عصر العلمانية"،وهي بعنوان "لماذا نحتاج إلى تعريف جذري للعلمانية " يقدم فيها قراءة فينومينولوجية للعلمانية، فيقول بأن الدولة التي يمكن أن توصف بالعلمانية ليست التي تنصب علمانيتها كمتاريس بينها وبين كل ماهو ديني وتفترض فيه كل خطأ بشكل قبلي بناء على ما سماه "أسطورة التنوير"، بل هي الدولة التي تضع بينها وبين الأفكار المتنوعة داخلها مسافة أولية تسمح لها أن تتعامل بحيادية مع كافة الأفكار، معرجاً على حالات منع ارتداء الحجاب في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والمشكلات من هذا القبيل في المجال العام الأوروبي.
وتقدم الفيلسوفة النسوية المعروفة جوديث بتلر مشاركتها بعد نقاش سريع بين هابرماس وتايلور، في فصل ثالث من الكتاب، قائمة على محاولة "نحوية" في تفسير المجال العام، تجادل فيها عن أهمية اللغة في إخراجنا للوجود، كفاعلين اجتماعيين، لا يمكن أن نخرج إلى الوجود الاجتماعي إلا عن طريق الحصول على أسماء، وهو ما يعني أنه لا سبيل إلى منع إمكانية أن نستدعى بطرق مؤذية مقلقة، ولا سبيل إلى تلافي هذا الوهن الأولي الناتج عن لغة لم نشارك أبداً في وضعها، هي التي تمنحنا المكانة الأنطولوجية المؤقتة اللازمة، الأمر الذي يقوض حدود الفاعلية ويغلق بضربة واحدة إمكان الفاعلية الجذرية، مثل ممارسة الترهيب عبر إطلاق تهمة معاداة السامية على كل منتقد لإسرائيل حتى وإن كان يهوديا\!
تقدم بتلر أطروحتها السابقة عبرمجموعة من الملاحظات عن الأساس الديني للمجال العام، والذي كان محدداً رئيساً للفصل بين ما هو عام وما هو خاص، وتضرب مثلاً مفصلاً عن الفرق بين الأخلاق التي تحويها اليهودية كدين، والتي تدعو للتعايش، وما هو متجذر في الثقافة اليهودية التقليدية بسبب تقاليد الشتات، فيكون التعايش بذلك شرط حتمي سابق على تكون أية أمة من الأمم،وبين ما تكرسه الصهيونية كسردية علمانية تكرس للعنف ومصادرة حقوق الفلسطينين وتدمر كل فرصة للعيش السلمي المشترك.
أما المداخلة الأخيرة، فهي لناقد ومثقف وناشط أمريكي أسود،هو كورنيل ويست الذي يقدم نفسه على أنه مسيحي اشتراكي ومتفلسف، وموسيقي أيضاً، تغطي كلمته لهجة كوميدية لطيفة ملؤها الدعوة للتعايش، ولتفهم الخطابات المتنافرة في المجال العام عن طريق نقد التجربة البراجماتيه الأمريكية، من خلال قيم المسيحية النبوية التي شكلتها التجربة الأفرو أمريكية. من خلالها ينتقد ويست صوتين أمريكيين آخرين؛هما ريتشارد رورتي وجون رولز، وهما من حماة الليبرالية الأمريكية التي يعتبرها ويست "علمانية دوغمائية " تمارس دور الشرطي على المجال العام وتحرمه من أفكار متنوعة بتنوعه الداخلي، والتي ربما تكون افكاراً تنويرية أيضاً!
يمكننا أن نستفيد كثيراً كعرب، أياً كانت انتماءاتنا الفكرية، من هذا النوع من السجالات العلمية في مجتمعات تحاول ألا تكون أحادية تحت أي مسمى،حتى وإن كان "التنوير،ومن خلال مثقفين تعلموا أن يثروا المجال العام في مجتمعاتهم بآرائهم لا بما حفظوه من آراء غيرهم أو أنساقهم الفكرية.





السبت، 18 مارس، 2017

العدالة والعقاب في المتخيل الإسلامي خلال العصر الوسيط

العدالة والعقاب في المتخيل الإسلامي خلال العصر الوسيط

 


نقلا عن  موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود:

صدر عن دار المدار الإسلامي ببيروت، كتاب "العدالة والعقاب؛ في المتخيل الإسلامي خلال العصر الوسيط"، للمفكر الألماني المتميز (كريستيان لانغ Christian Lange)، وقد حصل لانغ على شهادة الدّكتوراه، من جامعة هارفارد عام 2006م، وهو باحث متخصص في علم الأديان المقارن، والدّراسات الإسلاميّة.
والكتاب، في الأصل، رسالة دكتوراه أنجزها لانغ بجامعة هارفارد الأمريكية، والعنوان الأصلي لها، هو: Justice, Punishment and the Medieval Muslim Imagination ويمثل الكتاب؛ دراسة لنظرية العقاب وطرائق تطبيقه في العصر الإسلامي الوسيط، وتفسير استعمال العنف تجاه المسلمين، وبيان الدّور الذي اضطلع به عقاب الدولة في رسم الخط الفاصل بين المجالين (الخاص والعام)، والسؤال عن الاستراتيجيات المتّبعة للتصدي للمعاناة الناجمة عن العقاب.
وتندرج الدراسة في إطار المباحث التي تهتمّ بالحضارة الإسلامية، في فقهها وتاريخها، ويفتح الباحث زاوية نظر جديدة؛ تنظر في المتخيل الجمعي، وطريقة التمثل التي كان يقوم عليها تصوّر العلماء، والسلاطين، والعامّة، للعدل وللعقوبة في الحياة الدنيا، وفي الآخرة. ويهتم الباحث، فضلاً عن ذلك، بأثر الواقع السياسي والاجتماعي في أحكام القضاة والفقهاء، وفي طرائقهم في فهم النصوص التأسيسية وتأويلها.
وقد حدّد المؤلف توجّهات الكتاب، وقسّمها إلى مستويات ثلاثة: المستوى الأول: اهتم فيه بتحديد الفضاء الذي يجري فيه العنف العام في تاريخ المجتمعات الإسلامية؛ ذلك أنّ مسألة العنف شغلت المؤرّخين، وعلماء الاجتماع، وعلماء النفس، على امتداد عصور كثيرة، وكان الدارسون الغربيّون لقضيّة العنف في تاريخ المجتمعات الإسلامية، يوجّهون اهتمامهم، عادة، إلى دراسة أشكال العنف التي يمارسها المسلمون ضد غير المسلمين، ولا سيما، في ميدان العنف الديني المشروع؛ كما في نظرية الجهاد العسكري وممارسته، وفي الشروط الشرعية المتعلّقة بالذمّيين والمرتدّين، وقد قام المؤلّف بتصحيح تلك الرؤية.
أمّا المستوى الثاني؛ فقد لخّص فيه الكاتب صورة النار، التي كانت حاضرة في إسلام العصر الوسيط، كما سعى، أيضًا، إلى تحديد الوظائف النفسية، والاجتماعية، والسياسية، لمثل هذه الأدبيّات.
أمّا المستوى الثالث؛ فقد هدف إلى بلوغ فهم أفضل لدور الفقهاء في صياغة المواقف إزاء ظاهرة عنف الدولة، وكانت سلطة أحكام الخطاب الفقهي يُحسَب لها ألف حساب لدى الحكّام، سواء أكان الفقه، حينئذ، يغضّ النظر عن أفعال رجال السياسة، أم كان يعارضها معارضة تامّة.
وحاول لانغ في الكتاب، الربط بين الاهتمام بالمتخيّل الإسلامي، للجنّة والنار والعقاب، في ما يسمّى بالقرون الوسطى، وحاول الباحث ربط أحكام الفقه المتعلّقة بالجنايات؛ فدرس صدى الأحكام الأخروية في أقضية السلاطين، والقضاة، والمحتسبين، ومدى تأثيرها فيها.
وكان لانغ معنيًّا في بحثه بعدد من الإشكاليات المركزية، منها: كيف كان يُفسّر استعمال العنف تجاه المسلمين؟ وكيف كان يُسوَّغ في إسلام العصر الوسيط؟ وكيف كانت الدولة القائمة، ممثّلة في أجهزتها، تسعى إلى التمييز بين الفضاءين، العامّ والخاصّ، في إقامة العقوبات؟ وما الاستراتيجيات المتّبعة للتصدي للمعاناة الناجمة عن العقاب؟ أسئلةٌ نجد إجاباتها في دراسة كريستيان لانغ المعمّقة لظاهرة العقاب، الإلهي منه والبشري، في المجتمع الإسلامي، بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر، ويبحث الكتاب في العلاقة بين الدولة والمجتمع في إقامة العدالة، ومواقف المسلمين من جهنّم، والعقوبات المنتظرة في الحياة الأخرى، والأبعاد الشرعية للعقاب، وكيفية تسويغ الفقهاء المسلمين لمختلف أنماط الجزاء، أو تقييدهم لها، أو رفضهم لها رفضًا تامًّا.
إنّ المقاربة المتعدّدة المداخل والمعرفية المتبنّاة في هذه الدراسة، والتي تستند إلى تنوّع كبير في المصادر الفارسية والعربية، تسلّط الضوء على التفاعل بين النظرية والممارسة في الفقه الجنائي الإسلامي، وبين السلطة التنفيذية والمتخيل الديني للمجتمع الإسلامي في العصر الوسيط عمومًا.
ولا تهتم الدراسة بسِيَر الملوك والسلاطين؛ بل تتنزّل في إطار، ما يسمّى بالتاريخ الكلّي؛ إذ تقف، فضلًا عن التأريخ للطبقات العليا، على صورة المهمّشين، وكيف تفاعلوا مع، ما نسميه اليوم، بعنف الدولة المشروع المتمثّل في قوانينها وعقوباتها؛ فالكتاب يُعنى بالعدل من منظور السلطان وعالم الدين، ولكنه يُعنى، أيضًا، بصورة العدل من منظور العامّة الدهماء.
وقد توّصل الكاتب إلى أنّ العقاب في الواقع الإسلامي، لم يكن يكرّس أحكامًا فقهية نظرية فحسب؛ وإنما، وعلى وجه الدقة، هو: فِعْلٌ يؤثّر فيه الأشخاص الذين يقع عليهم فعل العقاب، ويؤثر فيه، أيضًا، الفضاء الذي يجري فيه العقاب؛ فللفضاء الخاص، وهو فضاء عِلْيَة القوم، نواميسُه. وللفضاءات العامة قوانينُ أخرى، تختلف عن الأولى اختلافًا جذريًّا في الكثير من الأحيان. ولذلك مثلًا؛ كان للعامة سجونهم، ولِعِلْيَة القوم سجونهم، وكان إخفاء ما يجري في القصور والبلاطات، جزءًا مهمًّا من هيبة الدولة.
وقد ناقش الكاتب قضية جوهرية أصبحت متفقًا عليها، مفادها: أنّ الفقه الإسلامي ليس منظومة نظرية جاهزة ومعزولة عن الواقع؛ بل إنّه فقه على صلة وثيقة بمعطيات الواقع الإسلامي المتغيّر أبدًا.
ويحاول الباحث أن يعقد الصلة بين العدل والعقاب في الدنيا والآخرة من جهة، والأحكام الفقهية التي حدّدها الأصوليّون والفقهاء والمفتون للمكلّفين من المسلمين من جهة أخرى.
وقد قامت الدراسة على منهج، تعدّدت مداخله ومشاربه، ولم يهتم بالثقافة الإسلامية العلمية فحسب؛ إنما اهتم، أيضًا، بكتب التاريخ التي أرّخت لليومي، ولما تعانيه الطبقات الاجتماعية المسحوقة من صنوف العقاب، ولِمَا كان يربطها من علاقة بالعالم والسلطان أو من يمثّله من أعوان، لتحقّق توازنها، ولتحدّد معنى وجودها في الحقبة التاريخيّة الوسيطة.
وقد هدفت الدراسةُ إلى توضيح كيفية تفكير طوائف من المجتمع في العقاب، بوصفه ظاهرة اجتماعية.
جاء هيكل الكتاب مقسّمًا؛ إلى مقدّمة، وستّة فصول: المقدّمة اشتملت على السياق التاريخي (The historical context)، الذي اختاره الباحث ليمثّل الدراسة؛ فكان اختياره لحقبة السلاجقة (Saljuqs) في العراق وفارس، خلال القرنين الخامس والسادس الهجريين/ الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، وقسّمها إلى ثلاثة أجزاء، للحصول على خلاصة تاريخية؛ أوّلها: حقبة الغزو (ما بين عامي 426هـ/ 1055م)، وثانيها: حقبة التماسك وقيام الحكم المركزي (447هـ/ 1055م - 511هـ/ 1118م)، وثالثها: حقبة التشتّت ومحلّية الحكم السياسي (511هـ/ 1118م - 590هـ/ 1194م).
وبرّر اختياره لفترة السلاجقة، باعتبارها حقبة تمثّل مرحلة تكوينيّة مهمّة في نموّ الحضارة الإسلامية، وتسبّب اعتلاؤهم سدّة الحكم في تغييرات أساسية؛ إذ حاول الحكّام السلاجقة الأوائل، إعادة تأسيس إدارة مركزية قويّة، تقوم على عدد من المفاهيم الأساسية: السلطة المؤقّتة للسلطان إزاء الخليفة، والسيطرة العسكرية عن طريق نظام إقطاعي مركزي التوزيع، والإشراف الدقيق على النظام التعليمي، ثم تأسيس بيروقراطية ذات أغلبية فارسية عالية التدريب، وقد تعرّض لانغ إلى الظروف العامّة للعقاب زمن السلاجقة، وكيف أثّرت التطوّرات السياسية في إدارة العدل والعقاب، خاصّة مع ضعف الخلافة العبّاسيّة.
وتناول الفصل الأول: "سياسات العقاب" (The politics of punishment )، وفيه تناول دوائر العقاب ومؤسّساته؛ فتعرّض الباحث للعقاب الخاصّ وحالاته، والذي تنوّع ما بين السجن في باطن قصر الخليفة حتى الموت، مثلما حدث لعميد الدولة (محمد بن جهير) وزير الخليفة المستظهر، كما كان هناك عقوبة الإعدام بالسيف؛ مثلما حدث للوزير شمس الدين بن نظام الملك، وإلى جانب القتل بالسيف، كان الخنق وسيلة أخرى خاصة لطبقة الخاصّة؛ مثلما حدث لقارود حاكم كرمان سنة 466هـ/ 1037م، أيّام السلطان ملك شاه، كما كانت عقوبة إتلاف البصر من العقوبات المحدّدة للخاصة، باعتبارها وسيلة إقصاء سريع عن اللعبة السياسيّة، وقد استعرض الكاتب العقوبات التي تصدر بحقّ القاضي المذنب، وكذلك العقوبات التي تطال رجال الشرطة، ورجال الحسبة (muhtasib) Inspectors.
ثمّ جاء الفصل الثاني للدراسة بعنوان: "أنواع العقاب"، والتي تنوّعت وتعدّدت، ومنها؛ الإعدام بحدّ السيف (Execution by the sword)، والصلب (salb) Gibbeting على جذع أو عمود من الخشب، كما كان الصّلب، أحيانًا، للجثّة بعد الإعدام الفعلي، وكانت عقوبة الصلب تتعرّض لها كلّ الطبقات الاجتماعية، خاصّة، المجرمون والأشخاص المتّهمون بانتسابهم إلى الباطنية، وكذلك، الصلب يكون لقاطع الطرق المقترن بالقتل، وكانت هناك عقوبات أخرى، مثل؛ الرمي بالحجارة، والإغراق، والإحراق، والإلقاء من أعلى شاهق، والإبعاد والنفي، كما كان بتر الأعضاء من العقوبات على السرقة، وقطع الطريق غير المقترن بالقتل، وكان بتر الأعضاء يتمّ على الملأ.
كما كانت هناك عقوبات أخرى، منها؛ التعذيب، والضرب، وسوء المعاملة، وكان أغلبها للحصول على الاعتراف بالجريمة، وكان التعذيب يتمّ باستخدام السوط وأداة خشبيّة تسمّى (العقابين): وتتكوّن من قطبيْن يعلّق بينهما المعذَّب، وهناك أيضًا؛ (الفَلْقة): وهي خشبة تفلق لأرجل اللصوص الدعار ويقطرون فيها. وكان الجلد (Flogging) من العقوبات الشائعة، ويتمّ بالسياط، والعصا، والمقاريع.
كما كانت عقوبة التشهير (tashhir) Shaming أو التجريس من العقوبات المعروفة، وهي: الطواف المذلّ بالمذنب في أرجاء المدينة، على ظهر حمار أو بقرة أو جمل، مع استخدام الأجراس أثناء الطواف، أو تُثبّت أجراس في رأسه، ويكون الطواف مرورًا بقصر السلطان، وداخل الأسواق والساحات العامة، ويكون رأس الجاني، إمّا عاريًا بطريقة مخزية، أو مغطّى بغطاء حقير، ووجهه ملطّخ بالفحم أو السخام.
أمّا الفصل الثالث؛ فقد خُصِّص لدراسة العقاب الأخروي (The eschatology of punishment)، وبنية الجحيم، وحدّد فيه قائمات بالكبائر من الذنوب وفق القرآن الكريم والأحاديث النبوية، ومن الكبائر التي تناولها؛ الشرك بالله، والقتل، والزنا، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، والربا، والسحر، والارتداد، والإلحاد، والهروب من الزحف، والقتال، وأكل مال اليتيم.
كما تناول تفسيرات الخوف من العقاب، ومن النار، وتصوّرات الجحيم عند المسلمين من وجهة نظر الدراسات الغربية، وشكل جهنّم وموقعها، وأسماء الجحيم وما يحدث داخلها، وتناول حجم جهنم، وروائحها، وألوانها، وخصائصها المناخية، وخصائصها الجغرافية أيضًا، وكذلك، نبات الجحيم وأشجاره.
وجاء الفصل الرابع تحت عنوان: "مخلوقات الجحيم وعذاباتها"؛ إذ تعرّض فيه لملائكة الجحيم، والحيوان في الجحيم، وأنواع العقاب فيه، كما تناول الوظائف البنيوية لمتخيّل الجحيم، والأبعاد الوعظية للجحيم في المتخيل الإسلامي، وتعرّض للعوامّ في الجحيم، ورجال الدين، والساسة ونوّابهم، ورجال الشرطة، والتشهير والمظاهر الطقوسية له، وكذلك؛ العار والتشويه في الجحيم، كما تناول الأبعاد الإجرائية لمتخيّل الجحيم عند المسلمين.
ثم جاء الفصل الخامس؛ فكان بعنوان "ضبط الحدّ في التشريع السُنّي"، متناولًا فيه القياس والحدود في التشريعيْن الغربي والإسلامي، وتناول رفض الحنفية للقياس في ما نصّت عليه الأوامر الإلهية، وتعرّض الكاتب للفروق الاصطلاحية في القياس بين الحنفية والشافعية، وتحدّث عن اللواط (liwat) Sodomy، والزنى (zina) fornication في فروع الفقه الحنفي، والحجج المسندة إلى الأحاديث النبوية، كما تحدث عن الخصوصية ومبادئ الأخلاق.
أما الفصل السادس والأخير؛ فتناول "التعزير والفضاء العام" Discretionary punishment (tazir)، والتعزير: هو العقوبة المشروعة بغرض التأديب على معصية أو جناية لا حدّ فيها ولا كفارة، أو فيها حدّ، ولكن لم تتوفّر شروط تنفيذه؛ كالقذف بغير الزنا، وكالمباشرة في غير الفرج، وغير ذلك؛ فلا يقوم بتعزير المذنب إلّا الحاكم، أو السيّد الذي يعزّر رقيقه، أو الزوج الذي يعزّر زوجته، والمعلّم في تأديب الصبيان، والأب في تأديب ولده الصغير. والتعزير حقّ لوليّ الأمر أو نائبه، ويقسّم التعزير إلى: تعزير بالقول، وتعزير بالفعل. والعقوبات التعزيرية ضربان؛ أحدهما: ما يتعلّق بالأبدان؛ كالقتل والجلد. وما يتعلّق بالأموال: كالإتلاف، والتغريم. وما هو مركّب منهما: كجَلْد السارق من غير حرز، مع إضعاف التغريم عليه. وما يتعلّق بتقييد الإرادة: كالحبس والنفي. أمّا الضرب الآخر من العقوبات التعزيريّة؛ فيتعلّق بالمعنويات: كالتوبيخ والزجر، وكذا، التعزير بالتشهير، أو العزل عن المنصب.
ومن أسباب التعزير لفعل محرّم: الاستمتاع بالأجنبية بما لا يوجد الحدّ، والسرقة التي لا قطْع فيها، وكذا الغصب، والانتهاب، والاختلاس، والقذف بغير الزنا، واللواط، وسبّ الصحابة أو أحد منهم، والـرشـوة: وهي ما يعطيه الشخص لحاكم أو نحوه لإبطال حق أو إحقاق باطل، وشهادة الزور False testimony (shahadat al-zur): وهي الشهادة التي تقوم على الكذب والتهمة للآخرين، والتزوير: وهو الميل بالشيء عن حقيقته بزيادة، أو نقص، أو تغيير، أو تقليد.
وتناول في الدراسة:
التعزير واللواط (tazir) (Discretionary punishment and sodomy)، والتعزير والمعاصي العمومية، وتحدّث في الفصل نفسه، عن شهادة الزور؛ بوصفها جناية على المجال الخاص، وكذبًا على الله، وتناول، كذلك، التشهير في الفقه الإسلامي، وتسويد الوجه (taswid al-wajh) (Blackening of the face)، وتجريد الثياب (tajrid al-thiyab)، والعلامات الخاصة Stripping of clothes and special signs، والضرب (darb) (Beating)، وإعلان الجرم (tarif/tasmi) Announcing the crime.
أمّا تقييمنا للكتاب: نرى أنّ الباحث عند محاولته عقد الصلة بين العدل والعقاب في الدنيا والآخرة، من جهة الأحكام الفقهية التي حدّدها الأصوليّون والفقهاء، قد اعتسف كثيرًا في حكمه على العديد من الأحداث في تلك الفترة، وعمل على ليِّ عنق بعض الأحداث، لتتناسب مع هدفه الذي حدّده لنفسه؛ وهو أنّه اهتم بتحديد الفضاء الذي يجري فيه العنف العام في تاريخ المجتمعات الإسلامية، وأكد على أن المسلمين ممارسين للعنف أكثر من كونهم ضحاياه، وكانت مشكلته، بطبيعة الحال، رؤيته الاستشراقية، ولم يضع طبيعة العصر في حسبانه، وتبنّى حكمًا عامًّا، يرى أنّ المجتمعات الإسلامية، مارست العنف على طول تاريخها، ونجد أن هذا النوع من الكتابات، وما يثير حفيظة عدد من رجال الدين من المسلمين، ويزعج بعض الباحثين، هو: أنّ البحوث الغربية المتعلّقة بالإسلام، بوصفه تاريخًا وفكرًا ودينًا، فيها ما يعكس كيدًا، ويحمل تحريفًا، ويعبّر عن رغبة في تشويه صورة الإسلام، في الماضي والحاضر، وهذا ما أكده مترجم الكتاب.
وضع لانغ هدفًا لبحثه، ركّز فيه على فتح ملف شائك في العصور الوسطى، بصفة عامة، ألا وهو: ملف العدالة والعقاب في المُتخيل الإسلامي خلال العصر الوسيط، بوصفه يمثل حلقة من حلقات تاريخ الأفكار السياسية في المجال الإسلامي الوسيط، ويبلور سياسة عمليّة امتزج فيها الديني بالسياسي؛ فكانت (العدالة) عنوانًا لمسعى حاول فيه كاتب السلطان التوفيق بين الديني والسياسي، أو تسخير الديني للسياسي، وأكّد أنّ الواقع التاريخي، في أغلب الأحوال، يؤكد وجود اختلاف بين أحكام السياسة وأحكام الشريعة.
كما ركّز لانغ على الدور البراغماتي النفعي للفقهاء، واعتبر أغلبهم فقهاء سلطان، ولم يشر إلى جهود فقهاء آخرين، كان لهم دورٌ بارزٌ في مقاومة السلطان، ولم يخشوا في الله لومة لائم؛ فأبرز لانغ دور الفقهاء في صياغة وتبرير المواقف إزاء ظاهرة عنف الدولة، وبيّن كيف كان يفسّر العنف القائم ضدّ المسلمين، وكيف كان يسوّغ في الإسلام القروسطي من جانب بعض الفقهاء.
ويُؤخذ على لانغ، أيضًا، أنه على رغم تمكّنه الواضح من العديد من مفاهيم النصّ الديني، ومقارباته الفقهية، إلّا أنه تسرّع كثيرًا في ما أجراه من مقارنات بين القانون الجنائي الغربي، وأحكام الجنايات في الإسلام.
ويُحمَد له؛ اهتمامُه بالدراسات التي اهتمت بالعنف أو الجنس في المجتمعات الغربية، ليستأنس بها، من أجل فهم مثل هذه الظواهر في المجتمع الإسلامي، باعتبارها علومًا تدرس النفس البشرية، بصرف النظر عن الدين، أو العرق، أو اللون.
كما تميزت الدراسة بإلقاء الضوء، أيضًا، على صورة المهمّشين، وكيف تفاعلوا مع ما نسميه اليوم: عنف الدولة المشروع؛ المتمثّل في قوانينها وعقوباتها؛ فالكتاب يُعنى، إذن، بالعدل من منظور السلطان وعالم الدين، ولكنّه يُعنى، أيضًا، بصورة العدل من منظور العامّة الدهماء. ومن مميّزات الدراسة؛ اهتمامها بأثر الواقع السياسي والاجتماعي في أحكام القضاة والفقهاء، وفي طرائقهم في فهم النصوص التأسيسيّة وتأويلها.
ومن الجوانب الإيجابية التي أشارت إليها الدراسة: اختلاف تطبيق العدالة حسب الطبقة، فمثلًا؛ كان للعامّة سجونهم وللأمراء سجونهم، وكان إخفاء ما يجري في القصور والبلاطات جزءًا مهمًّا من هيبة الدولة؛ فأبرز ما يمكن تسميته بالانتماء الطبقي للمذنبين من جهة، والفضاء الذي اقترفت فيه المعاصي من جهة أخرى، في مسائل تسليط العقوبة، وكأن ثمة وهمًا، هو: أن الأحكام الفقهية وصفة جاهزة، يكفي أن يحفظها القضاة، حتى يوقعوا العقوبات على العصاة، وهو ما يمكن توصيفه؛ بأنه شكل من أشكال فساد السلطة السياسية، وترسيخ ثقافة الرضوخ لأحكام السلطان، دون التقيّد بأحكام الشريعة، وهو ما يراه العديد من المفكرين، ويقرّون أنه لا علاقة بين الأخلاق والسّياسة، لذلك؛ يجب إبعاد الاعتبارات الأخلاقية تمامًا عن العمل السّياسي، وهو ما يذهب إليه صراحة المفكّر الإيطالي (نيقولا ميكيافيلي) (1469م - 1527م)، في كتابه "الأمير"؛ حيث يرى أنّ مبدأ العمل السّيَاسِي، هو: (الغاية تبرّر الوسيلة)؛ فنجاح العمل السّيَاسِي، يكون في ما يحقّقه من نتائج ناجحة، بغض النظر عن الوسائل المتبعة في ذلك، حتى وإن كانت لا أخلاقية.
جاءت خاتمة الكتاب هزيلة للغاية، لا تتناسب مع عمق الدراسة وأفكارها، وكنّا نتوقّع أن تكون خاتمة جامعة مانعة بلغة المنطق، يخرج فيها لانغ بأفكار ورؤى وتصوّرات حول العدالة، والعقاب، وأفكار واستنتاجات حولها، إلّا أنه اكتفى بمجرّد سرد تاريخي سريع لفترة الدراسة، وقدم رأيه في الدراسة، على استحياء؛ بأنّها بيّنت أن العقاب في ظلّ حكم السلاجقة، كان ممارسة اجتماعية أساسية، وأنهم جعلوا من العقوبات العامة (تكتيكًا سياسيًّا) للبرهنة على شرعية سلطتهم، ولتعزيز مركزهم في الحكم.
ونتفق، تمامًا، مع مترجم الكتاب (الدكتور رياض الميلادي)[1]، في أنّ أهمية الكتاب تكمن في أنّ كريستيان لانغ، قام على منهج تعددت مداخله ومشاربه، وفي أن صاحبه لم يهتم بالثقافة الإسلامية العلمية فحسب؛ وإنما نظر، أيضًا، في كتب التاريخ التي أرّخت لليوميّ، ولما تعانيه الطبقات الاجتماعية المسحوقة من صنوف العقاب، ولما كان يربطها من علاقة بالعالم والسلطان، أو من يمثله من أعوان، لتحقق توازنها، ولتحدد معنى وجودها، في حقبة تاريخية قلّما اهتمت بها الدراسات العربية والإسلاميّة
 
 
 
 

الجمعة، 20 يناير، 2017

اللعب بالنار

اللعب بالنار




صدر من إعداد وترجمة وتعليق الباحث والمترجم السعودي المقيم في الدار البيضاء د. حمد العيسى كتاب «اللعب بالنار: مشروع توريث جمال». ويتكون الكتاب من 3 دراسات في 3 فصول وعدة ملاحق وثائقية. وجاء الفصل الأول بعنوان «التوريث والاستبداد والفساد: هكذا سقط مبارك!»، والفصل الثاني بعنوان «اللعب بالنار: مشروع توريث جمال» والفصل الثالث بعنوان «الإخوان المسلمون يفشلون في حكم المارد المصري ويحترقون سياسيا!!». وأضاف العيسى عدة ملاحق وثائقية نادرة لتعزيز رسالة الكتاب




Download - MediaFire
 

الأحد، 1 يناير، 2017

الإخوان والجيش

الإخوان والجيش



كان تنظيم "الضباط الأحرار" (الذي قام بثورة عام 1952 في مصر)، بحسب الإخوان، تنظيماً إخوانياً أساساً، وظلّ إخوانياً صِرفاً حوالى خمس سنوات منذ تأسيسه عام 1946، وحتى استقلال عبد الناصر به عام 1950. وقد قامت الثورة بدعم كامل وتنسيق شامل مع الإخوان، إلاّ أن شهر العسل لم يدم طويلاً. اندلع الصراع بين الجيش وقيادة الإخوان عام 1954، ولم يكن الإخوان كحركة أو كجماعة منظمة في موقف موحّد أثناء هذا الصراع، وقد تشكّلت قيادة الإخوان المسلمين لاحقاً من الحرس القديم. وهي تبلورت سياسياً وتنظيمياً ونفسياً من خلال ضغط الأزمة والصراع مع ثورة يوليو ونظام عبد الناصر وتأثرت بتبعاته فيما بعد، وكانت في معظمها من أعضاء التنظيم الخاص الذين تربّوا على صفات الثبات والسرية والطاعة والثقة المطلقة بالقيادة وتنفيذ الأوامر. ناهيك بعزلتهم عن التطورات التي حدثت في العالم والأفكار والتيارات الحديثة، ونظم الإدارة والتنظيم، ما أدّى إلى تمسّكهم بالعناوين الكبرى وبالشعارات العامة، أي إلى الغموض وعدم الوضوح والبعد عن التفاصيل



السبت، 31 ديسمبر، 2016

الإسلاميون والسياسة التركية

الإسلاميون والسياسة التركية

 


هذا الكتاب هو قصة تركيا الأخرى كما يراها المؤلف
الفاعلون الأساسيون ف تركيا هم البيرقراطيتان المدنية والعسكرية
إلى جانب الحركات الاجتماعية ،والسياسية الإسلامية والكردية والعلوية
وبينما تركز هذه الدراسة على الحركات السياسية والاجتماعية التركية الإسلامية المعاصرة
فإنها ستكون مفيدة أيضا في تسليط الضوء على الموضوع المسيطر على مساحة واسعة من النقاشات ألا وهو موضوع الإسلام والتحول الديمقراطي
إن الحركات الإسلامية المهتمة بالهوية في تركيا تعد مرتبطة ببعضها البعض من خلال عمليات المشاركة السياسية والتحرر الاقتصادي۔
كما أن عملية التحول الديمقراطي والحركات الإسلامية قد أصبحتا متداخلتين لدرجة تجعل من المستحيل تقريبا تحديد أين يمكن للمرء أن يبدأ وأين يمكن أن ينتهي۔
إن هذه الدراسة الأهم على الإطلاق للإسلام وللفاعلين الإسلاميين في تركيا تتبتين بشكل حاد مع الدراسات التقليدية للحركات الإسلامية والتي توصلت إلى أن الحركات السياسية ذات الأطر الإسلامية تمثل عقبة أمام المشاركة السياسية۔
ويعد هذا الاستنتاج الخاطئ قائما على مجموعة من الافتراضات المشكلة بأن الأفكار والنظم الدينية في صراع مع الإصلاح والحلول الوسط وقد جادلت هذه الدراسة بأن العقبة أمام التحول السلمي لكثير من المجتمعات الإسلامية ليست الحركات الدينية وإنما هي الافتقار إلى التحرر السياسي والاقتصادي۔
تركز هذه الدراسة التي تصدر في نسختها العربية عن مركز نماء على الحركات السياسية والاجتماعية التركية الإسلامية المعاصرة۔