الثلاثاء، 27 يناير، 2015

الدولة الإسلامية - الجذور التوحش المستقبل

الدولة الإسلامية 

  الجذور التوحش المستقبل




يكشف الصحافي والخبير في شؤون «القاعدة»، عبد الباري عطوان، عن أصول «الدولة الاسلامية» و«الخلافة» المعلنة، التي وصفها وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل بأنها (أكبر تهديد إرهابي يواجه الولايات المتحدة). كما يبحث عن جذور هذه الدولة ومرتكزاتها الإيديولوجية، وطبيعة القوى المكونة لها، وأسرار صعودها المفاجئ، ومصادر قوتها وضعفها، والعلاقة بينها وبين تنظيم «القاعدة» الأم، وعوامل الخلاف والاتفاق بينهما. وينقّب في أسباب ممارساتها الوحشية الدموية ضد خصومها، في التاريخين الإسلامي والغربي معاً، ويرصد البيئة الحاضنة لها وتركيبتها الدينية والفقهية. يرصد الكاتب إمبراطوريتها الإعلامية الجبارة وتمددها في العالم الإسلامي وسر اندفاع الشباب للانضمام إلى صفوفها. وأخيراً يحاول التنبؤ بمستقبل الدولة الإسلامية وبمدى قدرتها على البقاء وتحقيق طموحاتها في إقامة دولة الخلافة الإسلامية، ومدى شرعية هذه الطوحات وإمكانية تحقيقها على أرض الواقع.

ملخص من مراجعة الكتاب للأستاذ

أحمد بن عبد المحسن العسَّاف

يظن البعض أن ظهور الدولة الإسلامية-التي كانت تعرف اختصاراً بداعش-أمر مفاجئ، بينما يجزم آخرون، أنها نتيجة حتمية لسلسة من الإخفاقات والمظالم، وإجهاض الربيع العربي، وفريق ثالث يراها حلقة تمهد لما بعدها؛ تماماً كما أنتج الجهاد الأفغاني القاعدة، ومن رحم القاعدة ولدت داعش، وتظل فئة رابعة أسيرة الأفكار التآمرية؛ حيث لا يخامرهم شك، بأنها صنيعة صليبية، أو باطنية، أو علمانية.

ولكل فريق ما يسند رأيه من دلائل، سواء كانت حقيقة، أو متأولة، وربما محرفة أو متوهمة، بيد أن الأهم هو أن الدولة أصبحت واقعاً اليوم، ولها جيش من المقاتلين، وجيوش من المؤيدين والمتعاطفين. والمال، والسلاح، والإعلام، كلها أدوات في متناول يدها، ولن نستغرب لو صار لها أذرعة دبلوماسية نشطة، كما هو حضورها الإعلامي، والتقني البارع.

 

بدأ الفصل الأول بعنوان هيكلية الدولة ورجالها، وعدَّ ظهورها المفاجئ، أكبر حدث يشهده الشرق الإسلامي منذ اتفاقية سايكس بيكو سيئة الذكر، بل إن أهميته تتجاوز الربيع العربي. ويرى الكاتب بأن الدولة الإسلامية، مستوفية لشروط الدولة المتعارف عليها دولياً، ومساحتها أكبر من مساحة بريطانيا التي حكمت العالم دهراً، ثم تحدث المؤلف عن التقسيمات الإدارية، ومناصب الدولة، والتي تكاد تنحصر في أهل العراق وسورية، لتجاوز إشكاليات سابقة.

وذكر بأن التداعيات السياسية لتكوين الدولة مربكة للغاية، فقد خلخلت ترتيبات الحلفاء، وبعثرت أوراقاً كثيرة، ومزقت خرائط النزاع على أرض سورية، وصيرت المشهد السياسي والعسكري، في حال بلبلة لا يمكن أن يستقيم دون اجتماع المتخالفين؛ وربما المتحاربين، مما يقود لتغيير وجهة الصراعات، وشكلها، فيصبح العدو صديقاً، والحليف مناوئاً! وهذا أمر يشبه تجرع السم عند الساسة؛ خاصة بعد تصاعد التصريحات، وبلوغ بعض المواقف خط اللارجعة، وإن طبول الحرب لتقرع بصخبٍ؛ وفينا من لم يسمعها بعد!

وأثنى في هذا السياق على موقف بعض العلماء، ومنظري الجهاديين، الذين توقفوا عن انتقاد الدولة؛ حتى لا يكونوا في صف الغرب، فما دامت دولهم تعاقبهم على وصف الصورة كاملة كما يعتقدون؛ فليس من الكياسة أن يصفوا الجزء الذي يروق للنظام فقط، وإن كان الوصف مطابقاً لمعتقدهم، وما أعظم العالم العارف بالساسة وألاعيبهم، حتى لا يصبح الشيخ الوقور كرة بين أقدامهم، أو مطية لأهوائهم.

ثم تحدث عن مصادر المال للدولة، حيث استولت على عدد من حقول النفط ومصافيه في سورية والعراق، واستحوذت على مبالغ طائلة، من موجودات المصارف التي سيطرت عليها، وأفادت من بيع المقتنيات الأثرية، ومن مبالغ الفدية التي دفعتها دول كفرنسا، وامتنعت أمريكا من دفعها، ثم سرد جدولاً زمنياً لميلاد الدولة، الذي توج بإعلان الخلافة، في غرة رمضان 1435=29 يونيو2014 م.

أبو بكر البغدادي هو عنوان الفصل الثاني، وهذا أمر طبيعي، فبعد الحديث عن الخلافة، لا مناص من الوقوف عند الخليفة، وقد حامت حول الرجل إشاعات كثيرة، فمنهم من جعله عميلاً، أو يهودياً، أو باطنياً، والتهم غالباً جاهزة لتشويه سمعة أي أحد، وهي سلاح قديم متجدد، ولازالت فئة تستخدمه لتخدع به غيرها.

وباختصار نقلاً عن عطوان، فأبو بكر ولد عام (1971م)، وتخرج في جامعة إسلامية عراقية، ثم حصل على شهادة الدكتوراه في علوم الشريعة، ويمتد نسبه إلى قريش، وتحديداً إلى آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام، من جهة سبطه الحسين رضي الله عنه، وكنيته توافق كنية الخليفة الراشدي الأول رضي الله عنه، وهذه المؤهلات تمنحه مرجعية لم يحظ بها أي زعيم إسلامي معاصر، فضلاً عن خبراته العسكرية، وزعامته، وشخصيته الجذابة المؤثرة، مع قلة ظهوره إعلامياً. ويحتل البغدادي في المنظومة الجهادية، مكانة سامية كابن لادن أو تربو عليه، وأما الظواهري فليس منافساً له ألبته، بل إن الأصوات تتعالى بضرورة دخول د. أيمن الظواهري في بيعة البغدادي! ولأبي بكر زوجتان، إحداهما كريمة زعيم قبلي كبير، وهو ما يمنحه مزيد قوة، وحماية.

يحمل ثالث الفصول عنوان الجذور العراقية، فالدولة تحتل ثلث مساحة سورية، وربع أرض العراق، وإجمالي مساحتها يعادل ثلاثة أضعاف مساحة إنكلترا، ومن عجب أن دولة بهوية إسلامية، تظهر في دولتين علمانيتين طائفيتين، وتزيل حدود الاستعمار بينهما، وهو ما عجز عنه النظامان البعثيان الجاثمان على سورية والعراق منذ الستينات!

وجزم المؤلف بأن طائفية النظامين كانت سبباً في توجه أبناء السنة نحو الدولة، وخاصة سنة العراق الذين ذاقوا المرارات كلها على يد المالكي، وعصابته وعصائبه، فما وجدوا ترياقاً لسم الشيعة الذي تجرعوه كارهين، إلا بالارتماء في أحضان الدولة، التي كررت تجربة طالبان، بحفظ الأمن، وتقديم الطعام، والخدمات الطبية والاجتماعية، فصارت موضع ترحيب من السكان، أو رضى، أو سكوت على أقل تقدير، فهذه الدولة كانت ثمرة طبيعية لتمرد سنة سورية، ولتغييب سنة العراق.

واجتذب تشدد الدولة ضد الطوائف الأخرى، عدداً كبيراً من مقاتلي جبهة النصرة من غير المواطنين، الذين بادروا بتمزيق جوازات سفرهم؛ في مؤشر على عمق الولاء والتضحية. وحين فاقت الدولة في تصلبها، مواقف زعيمها الروحي أبي مصعب الزرقاوي، حدث شقاق في الظاهر بينها وبين تنظيم القاعدة المركزي، وجبهة النصرة مع أنها منبثقة عن الدولة أصلاً؛ فضلاً عن الخلاف والتناحر، مع كثير من التنظيمات المسلحة في سورية.

ومع محاولات بعض المشايخ التوسط والصلح بين الدولة والجبهة، إلا أن جهودهم فشلت، وصرح العدناني -الناطق باسم الدولة-بأن القاعدة لم تعد قاعدة للجهاد، وأن قيادتها تخلت عن الصفة الجهادية، وألا سبيل للقاعدة وجميع فروعها إلا بمبايعة الخليفة البغدادي، وتنبأ العدناني متفائلاً بأن الملا محمد عمر-أمير المؤمنين-، سيبايع الخليفة إبراهيم البغدادي ولا محالة. والحقيقة أن استعراض الأستاذ عبد الباري لمواقف الجماعات الجهادية وفروع القاعدة، يعطي تصوراً واضحاً بوجود انقسام قد تزداد معه رقعة المبايعين لخليفة الدولة؛ خاصة من قبل تنظيمات القاعدة في اليمن، وليبيا، وسيناء، وأجزاء من أفريقيا، والمغرب العربي، بل إن سيناريو اليمن؛ خاصة بعد سيطرة الحوثيين، قد يؤول إلى مصير شبيه بما جرى في العراق، والليالي مثقلات وسيلدن حتماً!

واسترجع المؤلف تكوين قوات الصحوات، من مئة ألف مقاتل سني، تدربوا جيداً على يد القوات الأمريكية؛ لمحاربة القاعدة في العراق، وبعد خروج الأمريكان من العراق، وعدت حكومة المالكي باستيعابهم، لكنها طردت من فورها نصفهم، وماطلت بتوظيف النصف الثاني لأسباب طائفية، فكان هذا الجيش اللجب، هدية ثمينة للدولة الإسلامية بعد توبة أفراده، وهو الذي حصل، فغدت الصحوات، مع جزء من جيش صدام وحرسه الجمهوري، العمود الفقري لجيش الدولة، وقد امتلأوا حقداً على حكومتهم الطائفية، والشخصية العراقية إذا حقدت؛ فإن انتقامها مدمر، كما يقول عالم الاجتماع العراقي الراحل د. علي الوردي.

الفصل الرابع بعنوان: الدولة الإسلامية في سوريا: الخلفية، وفيه تكلم عطوان عن الحكم والبعثي في سورية، وعن حركة الإخوان التي توحش حافظ الأسد في قتالها؛ حتى أصبحت أثراً في الشام، ومع ذلك لم تخل الساحة الإسلامية والجهادية على وجه الخصوص، من قيادات سورية مهمة، كأبي مصعب السوري، المعتقل حالياً في سجون النظام، والذي سيكون له شأن في دولة البغدادي لو أفرج عنه. ثم روى قصة نشوء الثورة، وبروز الفصائل الإسلامية المقاومة، التي تختلف في فكرها، ومرجعيتها السياسية، وتشترك في مقاومة نظام بشار، وفي تعدادها الكبير بالآلاف، ويأتي على رأسها الدولة، وجبهة النصرة.

ومن الطريف، أن أوباما كرر أنه وحلفاؤه، سيسلحون المعارضة المعتدلة في سورية، فعلَّق الإعلامي المخضرم باتريك كوكبيرن: ليس هناك شيء من هذا القبيل! ولكوكبيرن كتاب حديث عن دولة داعش، وصلني مع هذا الكتاب، وصدر عن دار الساقي أيضاً، وسأحاول استعراضه إن وجدت فيه شيئاً مختلفاً عن كتاب الأستاذ عبد الباري، وأعتقد أن الكتب عن داعش ستغزو معارض الكتاب، فلدى دار بيسان كتابان عنها؛ أحدهما تأليف المعارض السوري هيثم مناع، وتستعد بعض الدور الإسلامية لنشر كتاب حافل عن دولة البغدادي.

جوهر القوة: الوهابية، السعودية، أميركا و “الدولة الإسلامية”، هو عنوان الفصل الخامس الذي يتحدث عن التحالف الوهابي السعودي في تاريخه وحاضره، وكيف استثمر لبناء دولة متجددة، أسهمت بمالها، وإعلامها، ومشاريعها الخيرية، في نشر المنهج الوهابي عبر العالم، وهو المنهج المعتمد من جل الجماعات السلفية الجهادية، التي-وهي مفارقة-تكن عداء للسعودية، ولحليفتها الاستراتيجية أمريكا، والحلف بين الرياض وواشنطن، قديم، ومتين، مع ما فيهما من متناقضات، وما تمر به علاقتهما من منغصات.

واللافت أن الدولة الإسلامية “وهابية” المنهج، وتقاتل أمريكا، وتضع عينها على السعودية؛ كما يقول عبدالباري عطوان، الذي يعتقد جزء من السعوديين، بأن مواقفه تجاه بلادهم متحيزة، ويتهمونه بتلقي الأموال من دول معادية، وإن كنت أرى هذا الموقف “الشوفيني” مبالغاً فيه؛ وأنا أحب بلدي كثيراً، لكني لا أجد حرجاً في سماع آراء الآخرين، ولا حاجة بي لاتهام أحد.

وجدير بعلماء الدعوة السلفية “الوهابية”، بيان الموقف الشرعي، والسياسي، والحقائق التاريخية، لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ومدرسته الإصلاحية، قبل أن يكتمل صبغها بلوحة قد يصعب تغييرها، أو توصم بشيء هي بريئة منه، أو لديها مسوغاتها في تبنيه. وما أجمل الثبات على المبدأ الصحيح، والبراءة من الخطأ الحاضر أو الماضي، فالعصمة لكتاب الله، ولما صح من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، والأسماء لا تغير من الحقائق شيئاً، ولسنا ملزمين بثلاثة قرون هي عمر الدعوة “الوهابية”؛ لكننا ملتزمون بمنهج القرون الثلاثة المفضلة.

استراتيجية التوحش عنوان مرعب للفصل السادس، وهو مقتبس من كتاب ألفه جهادي عام (2004م)، ومما يحمد للأستاذ عطوان، إثباته أن التوحش ليس سمة خاصة بالإسلام، فغالب الحضارات تحفل بتاريخ دموي رهيب، فالحملات الصليبية، والغزوات المغولية، والحروب العالمية، والعدوان الأمريكي القديم والحديث، والجرائم الروسية والأوربية عموماً تؤكد ذلك، بل لا تكاد تسلم أغلب دول التحالف الحالي ضد الدولة الإسلامية، من تاريخ متوحش، أو حاضر دموي، فالتوحش كما نقل عن داتون، قالب عالمي يتكرر في أكثر من مكان، فيامن تلوم عنف الدولة: أين أنت من عنف يهود في فلسطين؟ وأفعال البوذيين المقززة في ماينمار؟ فضلاً عن وقاحات الأمريكان في العراق وأفغانستان؟ فالدولة الإسلامية كما يؤكد أبو خالد، ليست فريدة في هذا المجال!

أما الفصل السابع فعنوانه: المقاتلون الأجانب في “الدولة الإسلامية”، وينقل عن مصادر مطلعة أن مقاتلي الدولة، يبلغون زهاء مائة ألف، ثلثهم أجانب (ليسوا عراقيين ولا سوريين)، جاؤوا من أكثر من ثمانين دولة، وربع العدد الإجمالي للأجانب، قدموا من الغرب (6% من فرنسا، و4,5% من بريطانيا)، وأما العرب فقد أتى ربعهم من تونس، و(22%) من الخليج والسعودية على وجه الخصوص، ثم الأردن (20%)، فالمغرب (15%)-يعني (60%) تقريباً من الدول الملكية! -، مع حضور بارز للمقاتلين من ليبيا والقوقاز، وبدرجة أقل من تركيا. وأكد عطوان وهو الخبير بأن القاعدة وطالبان، تخسران في سباق التجنيد لصالح الدولة، التي استقطبت حتى الشابات، وظهرت أعلامها في كثير من المسيرات الغاضبة، في غير ما بقعة من العالم.

وكم هو حزين أن يكون عنوان ثامن الفصول: الدولة الإسلامية ضد القاعدة… الأخوة الأعداء، حيث تتبع المؤلف نشأة الدولة من رحم القاعدة، ثم خلافهما فنشوب الصراع الإعلامي والدموي بينهما، ونحن المسلمون نقسو على بعضنا بشدة، وقلما نتعاذر، أو نؤجل الخلافات إلى حين الفراغ من العدو المشترك، وفي غياب التوسط الشرعي، يصعب على المؤمن الخيار ما بين غلو وجفاء.

وألمح المؤلف إلى الفرق في الاهتمام العالمي، بين إعلان الخلافة، وتكوين الإمارة في أفغانستان، مع أنهما تعرضتا لحلف دولي واحد بتهمة مقاومة الإرهاب. ومع وجود قواسم مشتركة بين الدولتين؛ إلا أن دولة داعش تتفوق على دولة طالبان، بموقعها العربي القريب من إسرائيل، والمنطلق من الشام والعراق حاضنتي الخلافتين الأموية والعباسية، وبنسب الخليفة القرشي كما يعلن، فضلاً عن وجود النفط، وتعداد المقاتلين، والصراع الدائر في سورية والعراق، إضافة إلى علانية الحرب الصليبية، على الإسلام ونبيه، ومقدساته ومؤسساته ورموزه.

والفصل التاسع بعنوان إعلام التوحش وأهدافه، حيث أبدى عطوان انبهاره باستثمار الدولة لجيش إعلامي، لا يعرف اليأس، ويحضر بقوة في مواقع التواصل الاجتماعي، التي تستعمل الكلمة القصيرة أو الطويلة، والصور، ومقاطع الفيديو، والملصقات، حتى أن هذه المواقع الخاضعة لهيمنة أمريكية، ما تفتأ تغلق حسابات أنصار الدولة؛ حتى تفاجأ بنسل جديد من الحسابات الماهرة، المتقنة المبدعة، وبعضها تابع أو متعاطف أو مدافع.

الغرب والإسلام: لعبة خطرة هو عنوان الفصل العاشر، ويعود المؤلف بالذاكرة قليلًا إلى استخدام الإسلام في حرب الشيوعية؛ خاصة على أرض أفغانستان، حيث تلطفت اللغة السياسية الغربية مع المقاومة في أفغانستان، في مقابل تجريم المقاومة الفلسطينية مثلاً، ووصل الأمر إلى وجود تفاهمات خفية، بين استخبارات أوروبية، وجماعات راديكالية، مما جعل العاصمة البريطانية تسمى “لندنستان”؛ لكثرة من فيها من رموز العمل الإسلامي، فالغرب يعلم يقيناً بأن شعوب المنطقة لا تثق بأحد أكثر من الإسلاميين، وما أحرى هؤلاء أن يكونوا على قدر الثقة، حتى لا يتلعب بهم غربي، أو يعبث بمواقفهم نظام وظيفي؛ يدور في الفلك الغربي الآسن.

الفصل الحادي عشر مهم جداً، وعنوانه: مستقبل الدولة الإسلامية، وينتهي المؤلف إلى أن فرص استمرارها، أكبر من احتمالية زوالها، فلديها خبرات متراكمة، وعقول دارسة في أرقى الجامعات، وهي جذابة للشباب المسلم، وقد تندمج معها الجماعات المقاتلة في سورية أو غيرها، ويضم جيش الدولة مزيجاً متجانساً من الجيش النظامي، والميليشيا المدربة، ووجود جزء من جيش صدام مع الدولة، ربما يعين على امتلاكها للسلاح الكيماوي، وللدولة امتداد في غير ما مكان حتى داخل فلسطين، وظهورها هناك سيرفع أسهمها الشعبية، بل حتى إمارة طالبان المرشحة لأن تعود لحكم أفغانستان عام(2016م)، بعد رحيل الأمريكان، قد تتعاون مع الدولة، وهو تصرف سيزعج المراقبين والخائفين.

Download - Archive 

Download - filepi

 

الخميس، 22 يناير، 2015

مآلات الخطاب المدني

مآلات الخطاب المدني

 

ملخص من موقع الدرر السنية
مدخل:
بعد أحداث سبتمبر 2001م بدأت نغمة الخطاب التجديدي تتغير حميميتها وإن بقيت تدور ضمن شروط الداخل الإسلامي, ولم يعلن سقوط بغداد مطلع العام 2003م إلا وقد سقطت كثير من رايات الانتماء وانسحبت كثيرٌ من تلك الأصوات التجديدية من الداخل الإسلامي إلى معسكر مختلف تماماً.
إننا يجب أن نعترف وبكل وضوح أنه قد تطور الأمر بكثير من أقلام الخطاب المدني إلى مآلات مؤلمة.
كثير من تلك الطاقات الشبابية المفعمة التي بدأت مشوارها بلغة دعوية دافئة أصبحت اليوم – ويا لشديد الأسف - تتبنى مواقف علمانية صريحة, وتمارس التحييد العملي لدور النص في الحياة العامة, وانهمكت في مناهضة الفتاوى الدينية والتشغيب عليها, وانجرت إلى لعب دور كتاب البلاط فأراقت كرامتها ودبجت المديح, وأصبحت تتبرم باللغة الإيمانية وتستسذجها وتتحاشى البعد الغيبي في تفسير الأحداث, بل وصل بعضهم إلى التصريح باعتراضات تعكس قلقاً عميقاً حول أسئلة وجودية كبرى, واستبدلت هذه الشريحة بمرجعية "الدليل" مرجعية "الرخصة" أينما وجدت بغض النظر هل تحقق المراد الإلهي أم لا؟ وتحولت من كونها مهمومة بتنمية الخطاب الإسلامي إلى الوشاية السياسية ضده, والتعليق خلف كل حدث أمني بلغة تحريضية ضد كل ما هو "إسلامي", وغدت مولعة بالربط الجائر بين أحداث العنف والمؤسسات الدعوية, وبالغت في الاستخفاف بكل منجز تراثي, وتحتفي بالأدبيات الفرانكفونية في إعادة التفسير السياسي للتراث وأنه حصيلة صراعات المصالح وتوازنات القوى وليس مدفوعاً بأية دوافع أخلاقية أو دينية, بل ووصل بعضهم إلى اعتياد اللمز في مرويات السنة النبوية وخصوصاً مصادرها ذات الوزن التاريخي واعتبارها مصدر التشوش الاجتماعي المعاصر.

وفي مقابل كل هذا الإجحاف في طرف النص والتراث والمؤسسات الإسلامية تجد اللغةَ الناعمةَ البشوشة في التعامل مع خصوم الحل الإسلامي، وحقهم في الحرية والتعبير, والتفهمَ الودودَ للدراسات التجديفية والروايات العبثية, والتصفيقَ المستمرَّ لكل ما هو "غربي" بطريقة لا يفعلها الغربي ذاته, وعَرْضَ الأعلام الغربية بلغة تفخيمية وَقُوْرة, وإسقاطَ التجارب العلمانية في التاريخ الأوروبي على مجتمعنا بشكل لا يليق بشاب مسلم -كصراع الكنيسة مع العلم والثورة الفرنسية وعصر الأنوار ونحوها- والتركيز على أخطاء المقاومة أكثر من أخطاء المحتل, والمطالبة المستمرة بمواجهة المشروع العسكري الغربي بورود السلام الغاندية.. إلى آخر سلسلة التطورات الموجعة .

إن أكثر هذه التورمات تضخمت داخل هذا الخطاب في سياق التفاعلات الحادة والاستفزاز المتبادل مع المنتديات الإنترنتية المتخصصة في الإسفاف والتجني والمتقنعة بلبوس الاحتساب الفكري, بحيث صار الخطاب المدني الجديد تدفعه مشاعر النكاية والعناد ضد البغي الإلكتروني إلى الإمعان في مناقضة الرؤية الإسلامية, ولا أظن عاقلاً ينتقم مِنْ ربِّ خصمه لكن هذا ما جرى للأسف!

هذا الخطاب الجديد خطاب نشط ومتنامٍ في أوساط الشباب المولعين بالثقافة وذوي المنزع الفكري, ويحظى بحفاوة المؤسسات الإعلامية من صحف وفضائيات وغيرها, حيث ستظل فرص الشاشة والعمود الصحفي مشهداً خلاباً لا تقاومه غريزة تحقيق الذات المتوقدة بداية العمر فيرضخ المثقف/الشاب لشروطها ليحتفظ بها.

قسمات الانقلاب المعياري:
بتنا اليوم وكأننا نشهد "إعادة تقييم" جذرية وشاملة تمس العناصر الجوهرية لرؤيتنا الفكرية, فأمامنا اليوم حالة انقلاب حاد في "جدول القيم", حتى أصبح "هرم الأولويات" يقف مقلوباً على رأسه!

لقد طالت هذه الانقلابات المفاهيمية: الموقف من التراث, والموقف من الغرب, والموقف من المؤسسات الدعوية, والموقف من خصوم الحل الإسلامي, والموقف من واقع مجتمعنا المعاصر, والموقف من الدولة العربية الحديثة...

يدعو كثير من منتجي هذا الخطاب إلى قراءة "نصوص الوحي" ونصوص "التراث الإسلامي" قراءة مدنية, بمعنى قراءة "موجهة" تبحث داخل هذه النصوص عن أية مضامين تدعم "المدنية" ثم تؤَوِّل مايتعارض معها, وتصبح فرادة الفقيه داخل هذا الاتجاه تابعة لقدرته في توفير الغطاء الشرعي لمنتجات الحضارة وبحسب إمكانياته في تأويل ما يتعارض معها وتخريجه بشتى المخارج, بدل أن تكون الدعوة إلى قراءة الوحي قراءة "صادقة" تتجرد للبحث الدقيق عن المراد الإلهي!

بمعنى آخر: تحويل الوحي من "حاكم على الحضارة" إلى مجرد "محام عن منتجاتها" يبررها ويدافع عنها ولا يُقْبَلُ منه دورٌ غير ذلك! وليس يخفى أن الحُكم نوع من السيادة، أما المحاماة عن الغير فحالة تبع يقاس نجاحها بإمكانيات التبرير والتسويغ.

والسؤال المؤلم الذي يفرض نفسه هاهنا: ما هي المساهمة الحقيقية التي يمكن أن نقدمها للعالم إذا كان قصارى ما نقوله للغرب هو إن ممارساتكم وسلوكياتكم يمكن تخريجها على بعض الأقوال الفقهية لدينا, أو يحتمل أن تدل عليها بعض الأدلة؟ هم يمارسون هذه الممارسات قبل أن يعرفونا أصلاً.

النماذج التفسيرية للظاهرة:
الواقع أن المراقبين والنقاد طرحوا تفسيرات كثيرة لظاهرة الانقلاب المعياري هذه التي أشرنا إليها, ومحاولات متعددة لاستكشاف النواة الجوهرية التي انبثقت عنها تطبيقات ومواقف وإحداثيات هذا الخطاب المدني المتطرف, فبعض النقاد يرى أن السبب هو "الانبهار بالغرب", والواقع أن الانبهار بالغرب أحد النتائج وليس العامل الحاسم كما سيأتي توضيح ذلك.

وبعض النقاد اعتقد أن الجذر الدفين في هذه الظاهرة هو "العقلانية"، والواقع أن هذه الظاهرة ليس لديها نظرية فعلية في "مصادر المعرفة" بحيث تقدم ما دلّ عليه العقل وترد ما عارضه, بل هي تارة مع العقل، وتارة مع النص، وتارة مع الذوق الشخصي، وتارة مع المألوف، وتارة ضد هذه كلها, فهي تدور مع المنتج الحضاري الجديد بغض النظر عن علاقته بمصادر المعرفة.

وبعض النقاد اعتقد أن هذه الظاهرة هي امتداد تاريخي لمدرسة "المعتزلة"، والواقع أن هذا التفسير قد أبعد النجعة كثيراً, فمدرسة المعتزلة هي مدرسة دينية متزمتة أخرجت الفساق من الإسلام, وشرعت للمنابذة المسلحة لأئمة الجور , فالمعتزلة مدرسة غلو لا مدرسة تساهل, بل إن المعتزلة أشرف بكثير من الخطاب الفرانكفوني المعاصر الذي يحاول الوصول إلى تناقضات داخلية في التراث الإسلامي بهدف تحييد الوحي جملةً عن الحياة العامة.
في تقديري أن النواة الخفية التي انطلقت منها كل هذه التحولات الجذرية والحادة في المواقف والرؤى هي "المغالاة في قيمة المدنية والحضارة", فالغلو في الحضارة والمدنية الدنيوية وتحويلها إلى القضية الأولوية وغاية الغايات، هو الجذر الرئيسي التي ابتدأت منه كل هذه الانقلابات المفاهيمية, بمعنى أن النموذج التفسيري الذي يقدم إجابة دقيقة حول تطبيقات هذه الظاهرة هو ما يمكن تسميته "غائية الحضارة" و "مركزية المدنية".

فنحن إذا تتبعنا تطبيقات هذا الخطاب الجديد ومواقفه وآراءه وصيغ علاقاته وإحداثيات مواقعه التي اختارها على الخريطة الفكرية فسنتوصل حتماً –كما سبقت الإشارة لذلك- إلى أن القيمة المركزية التي تسيطر عليه وتجعله يدعم موقفاً ما أو يعارضه, أو يثمن قضية ما أو يحط منها, فسنجدها بكل تأكيد "مركزية المدنية", وبناءً على مركزية المدنية فقد تحددت صيغ العلاقات مع المجتمع والتراث والغرب والدولة العربية الحديثة على أساس القرب والبعد من "التمدن المادي".

ينابيع الغلو المدني:
هذا الخطاب الذي تطور بطريقة مؤلمة ووصل إلى حالة "غلو مدني" تتعارض مع أصول الوحي, اكتنفته أربعة ظروف رئيسية شكلت أضلاع الوعاء الجوهري لتناميه, ألا وهي:
مناخ سبتمبر
والضخ الفرانكفوني
وحفاوة وسائل الإعلام
ورد الفعل تجاه البغي الإلكتروني
فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تعرض الاتجاه الإسلامي إلى حالة محاكمة عالمية شرسة حدت من انسيابه ودويّه، وتراجعت معها شعبيته الاجتماعية بشكل ملموس.

وفي ظل هذا الفراغ الجزئي الذي خلفه انكماش الحالة الإسلامية، برزت أبحاث المدرسة الفرانكفونية/المغاربية كإجابة جديدة نجحت في استغلال الظرف الأمني الحالي وحققت اكتساحاً استثنائياً في فترة قصيرة.

ويبدوا أن هذا الرواج السريع سيكون مؤقتاً ريثما يستعيد الاتجاه الإسلامي عافيته الأمنية, إذ لو كانت "المدرسة الفرانكفونية" تتكئ على عبقرية طروحاتها الخاصة لكان متحفها عامراً منذ الثمانينات وليس بعد العام 2001م! وإنما رواجها بعد كسادها كان تبعاً لزلزال الظرف السياسي السبتمبري الذي قلب توازنات القوى رأساً على عقب, وسمح لكثير من الأفكار السياسية المتشنجة أن تبتسم فوق الطاولات المستديرة.

هذه الشريحة من الشباب الإسلامي اصطدمت في مقاعد المدرسة الفرانكفونية/المغاربية بـ "سؤال الحضارة" , فحاولت بادئ الأمر أن تقدم إجابة ترضي الطرفين فتتلافى الاصطدام بانتمائها العميق الذي يشدها, وتتودد للذوق الفكري الذي تقرأ له.

هذه الشريحة الشبابية لم تستوعب أبداً -حتى هذه اللحظة- أن المدرسة الفرانكفونية/المغاربية أعادت تشكيل منطقها تماماً, وأعادت صياغة نمط تفكيرها وطريقة تعاطيها للأمور, وأسلوب نظرها للوقائع, وتقييمها للأحداث, من خلال امتصاص أدواتها الخاصة للقراءة والتفسير والملاحظة, وإعادة ترتيب الهرم الداخلي للقيم, وإعادة رسم الجدول الذهني للأولويات.

السؤال الذي يملي نفسه في هذا الموضع: ما الفرق بين العلمانية العربية ما قبل (1984م) والعلمانية العربية ما بعد (1984م)؟ [ هو العام الذي احتضن واقعة صدور أول حلقة من سلسلة "نقد العقل العربي" للمفكر المغربي ذائع الصيت محمد عابد الجابري والذي دشن العهد الجديد لتلمود العلمانية العربية التوفيقية]
بمعنى: ما سر الجاذبية في دراسات العلمانية العربية الحديثة التي خلبت أذهان الشباب الإسلامي وجعلته يُقْبِلُ بنهم على هذا اللون من الدراسات والأبحاث؟

الحقيقة أن الفرق الأساسي هو التحول من "الاستهداف المباشر للشريعة" إلى "إعادة تفسير التراث" من خلال الأدوات التي تطرحها العلوم الإنسانية الحديثة, أو بشكل آخر القفز من الإشكالية الأنطولوجية إلى الإشكالية الإبستمولوجية.

هذا الفارق هو بالضبط مصدر الجاذبية والإثارة لدى القارئ الإسلامي, وهي اللغة التي يفهمها جيداً, لقد امتص وتشرب هؤلاء الشباب بصورة ضمنية كثيراً من المفاهيم المشبعة ببنية علمانية مضمرة, أو التي تدفع باتجاه تعزيز التصورات العلمانية, مثل مفهوم: عصر التدوين, والتنصيص السياسي, والعقل المستقيل, والأرثوذكسية الإسلامية, والنص كمنتج ثقافي, وميثية القرآن, وغيرها من أدوات التفكير العلماني.

على أية حال تظل المدرسة الفرانكفونية/المغاربية المعاصرة هي الأكثر تعبيراً عن هذا الشكل من الخطاب, واهتمامها بموضوعيها الرئيسين -إعادة تأويل التراث والتحليل الأنثروبولوجي للحركة الإسلامية- كان مصدر الجاذبية والإغراء الذي حقق لها النفاذ إلى أسوار الداخل الإسلامي, لتنتهي بحالة استعمار ثقافي.

والحقيقة أن لحظة انتقال هذه الشريحة الشبابية بين المدرستين لم تكن مجرد لحظة تفاعل طبيعي مع رافد ثقافي معين, بل شهدت ارتجاجات فكرية مذهلة كانت نتيجة لصدمة انقلاب السؤال المركزي بين المدرستين.

فالسؤال المركزي في مدرسة الفكر الإسلامي كان سؤال "انتصار الإسلام" ويدخل في ذلك سائر ما تم تطويره من "مفاهيم دعوية" تشكل نسيج هذا الفكر: كمفهوم الحل الإسلامي, وتحكيم الشريعة, والتزكية الإيمانية, والعمل الجماعي, وفقه الواقع, والتعدد التنظيمي, والعمل التربوي, وإنكار المنكرات, وتوعية الجاليات, وتفعيل المساجد, والأمن الفكري, وحراسة الفضيلة, والإعلام الإسلامي, وتضميد جراحات المسلمين, وإعداد القوة, ونحوها من المفاهيم الإسلامية وصيغ العلاقات العريقة في هذا الخطاب.

أما السؤال المركزي للمدرسة الفرانكفونية فقد كان "سؤال الحضارة" ومن ثم محاسبة التراث, والاتجاه الإسلامي, والمجتمع العربي, والدولة العربية الحديثة: على أساس الاقتراب والابتعاد عن "النموذج الغربي الحديث", حيث كان النموذج الغربي الحديث هو المعيار الضمني غير المعلن, وإن كان النص المغاربي في كثير من الأحيان يتظاهر بخلاف ذلك.

هذه الصدمة بخطاب المدرسة الفرانكفونية, وسطوة جهازها المفاهيمي, واكتظاظ لغتها الباذخة, وترسانة شواهدها التراثية, وما يتناثر على جنبات نصوصها من أعلام أوروبية رنانة, وما تحيل إليه من تجربة غربية منتصرة, وما تنطوي عليه بعض فقراتها من هالة الغموض المبهر, وشحنها المستمر والمضمر ضد كل ما هو "لا غربي": نجحت في اختطاف التفكير المتوازن, وتصديع الانتماء الدعوي, وإخضاع القارئ لمنطلقاتها الضمنية, والاستسلام لزواياها الخاصة في النظر والقراءة وتقييم الأمور, والتفكير في العالم من خلال شبكتها المفاهيمية ذاتها.

مما جعل انتقال هذه الشريحة الشبابية –موضع الدراسة- بين المدرستين ليس انتقالاً خطياً تراكمياً من مدرسة إلى التي تليها, بقدر ما كان استقالة فكرية غير ودية من معسكر سابق وتسجيل لعضوية جديدة في المعسكر المقابل.

ويجب أن نعترف أن نزول الخطاب الإسلامي من "أعواد المنبر" فترة التسعينات إلى "قفص الاتهام" بعد سبتمبر بدد شيئاً من جاذبيته الاجتماعية, وفتح المجال لتسويق خطابات أخرى لا تتكئ على نجاحها الخاص, بقدر ما تتكئ على غياب منافسها العنيد.

وهذا يعني –كما سبق- أن الخطاب الإسلامي المعاصر سيسترد عافيته وموقعه الاجتماعي الريادي بمجرد تجاوز هذه الأزمة والتخلص من الآثار الأمنية الحادة لحادثة سبتمبر .

قانون المتوالية الفكرية:
الواقع أن "قانون المتوالية الفكرية" كنموذج تفسيري سيساعدنا كثيرا في فهم تطورات ظاهرة الخطاب المدني وكيف بدأت بإشكاليات تجديدية اجتهادية مشكورة ثم انتهى كثير من كتابها إلى مآلات مؤلمة مذمومة, فجمهور هؤلاء الشباب حين بدأ في قراءة إنتاجات المدرسة الفرانكفونية كان مدفوعاً في البداية بمقصد حسن نبيل، وهو تنمية إمكانياته التحليلية وامتلاك الأدوات الفكرية بهدف تعزيز الخطاب الإسلامي ودعم حجيته, ولم يفرغ كثير منهم من ازدراد هذه الأبحاث إلا وقد انقسموا فريقين:
فأما الأول فتيقظ لبطلان الأساس الضمني الذي انبنت عليه هذه الأبحاث وهو غائية الحضارة أو مركزية المدنية, فانبنى على ذلك بطلان أكثر النتائج التي تضمنتها هذه الأبحاث من تبخيس التراث وتوقير الغرب, ومن ثم التنبه للأداتين الأثيرتين في هذه المدرسة لتهشيم التراث وهما أداتي (التسييس والمديونية).

أما أداة "التسييس" فتعني إعادة التفسير السياسي للنظريات الشرعية وتحركات أعلام التراث ومحاولة ربطها بصراعات سياسية تحت شعار الأنسنة.

أما أداة "المديونية" فتعني محاولة ربط سائر المفاهيم والأصول الشرعية التي صاغها فقهاء التراث بالثقافات السابقة للإسلام وتصويرها كمجرد اقتراض ثقافي من الثقافة الهرمسية أو الغنوصية أو الفارسية أو اليونانية.

أما الفريق الآخر –وهم الأكثر- فقد استسلم لا شعورياً للأساس الضمني في هذه الأبحاث وهو مركزية المدنية لكنه حاول –بحسن نية أيضاً- أن يذب عن دينه وتراثه وأمته بإثبات أن الوحي والتراث يتضمنان أولوية المدنية والحضارة أصلاً, ومن ثم تحول إلى هاجس التفسير المدني للتراث فأخذ يبحث داخل مضامين الوحي والتراث عن أية مشاهد تتوافق مع المدنية الحديثة, وانساق في نقد كل ما لا يتوافق معها داخل التراث.

فبداية كثير من هؤلاء الكتاب –شهادةً لله- كانت بداية حسنة وهي أنهم رأوا أنه لا يمكن نشر رسالتنا الإسلامية وعزة مجتمعنا إلا بالإمكانيات والقدرات الحديثة, ثم تجارى بهم البحث في الحضارة والنهضة والإمكانيات الحديثة حتى جعلوها غاية في حد ذاتها بشكل عملي ضمني, ثم لما رأوا نقد الغرب يحُوْل كثيراً بين الشاب وبين الحضارة الغربية ويهز مرجعيتها، بالغوا في التماس المعاذير لانحرافات الحضارة الغربية, وتلمسوا الأدلة التي توافق ما هم عليه, ثم لما انهمكوا في تكييف الأحكام وفق نتائج الغرب اصطدموا بكثير من المفاهيم الشرعية ذات المنزع الديني/الغيبي كالإيمانيات والشعائر والأحكام الشرعية التفصيلية والتصورات الغيبية ونحوها, فحاول الكثير منهم جعل كل هذه الشرائع مقصودها النهائي أصلاً عمارة الأرض وإقامة الحضارة, وهكذا بدأت هذه المفاهيم الشرعية تتناقص قيمتها في ظل "وسيليتها" المحضة, وتتضخم قيمة المدنية الغربية بحكم تحقيقها للمقصد النهائي وهو الحضارة, ثم تطور الأمر من الانبهار بالحضارة الغربية المعاصرة إلى محاسبة الحركة الإسلامية والقسوة عليها طبقاً للاقتراب والابتعاد عن الحضارة الغربية المعاصرة, ونشأ عن ذلك ظواهر انفصال وانشقاق ترتب عليها الابتعاد عن مقابس الإيمان والتخول بالذكرى، فأخذت جذوة الإيمان تخبو يوماً بعد يوم, وارتخى الانقياد وفقدت العبودية معناها.

ثم تطور الأمر بشكل أكثر سوءً، وأصبح البعض يلتمس العوائق في مضامين الشريعة ذاتها, حتى وصل بعضهم إلى أن المشكلة في "السنة النبوية" وأنها صرفت الناس عن قضية الحضارة إلى الإغراق في التفاصيل الصغيرة, وهكذا يتسلسل الأمر من سيء إلى أسوأ.

وكنتيجة مباشرة للمظالم الإنترنتية التي واجهها هؤلاء الكتاب في بدايات كتاباتهم -كنسبة لوازم لم يلتزموها وتضليلهم بها أو ربطهم بجهات خارجية فريةً وبهتاناً- فإن كثيراً منهم قادته مناكفة الخصوم تدريجياً إلى الانقلاب على الرؤية الإسلامية والرغبة الدفينة الملحة في تأكيد المباينة بمناسبة وبلا مناسبة, حتى آل الأمر بكلا الفريقين المتباغيين إلى الاستقواء بأحد جناحي السلطة ضد الفريق الآخر.

والحقيقة أن وقوع بعض المنتسبين للاحتساب في بعض البغي هو مما جرت به سنة التاريخ, وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن تيمية في كثير من كتبه, ومنه قوله: (وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم, وإما على نوع من المبتدعة, بزيادة على ما أمر الله به, وهو الإسراف المذكور في قولهم: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا) الفتاوى (14/483)

ثم إن مما زاد في تأجيج هذا الجموح الشبابي حفاوة كثير من المؤسسات الإعلامية بذلك مدفوعة بتصفية حسابات قديمة مع ما تسميه الإسلام السياسي, ومن يتصور أن المؤسسات الإعلامية مجرد مناخ معرفي بحت فهو يعيش وهماً كبيراً, فالمؤسسات الإعلامية كائنات سياسية لها أجندتها الخاصة وانحيازاتها العميقة, ولكن لها أدواتها الخاصة في الاستقطاب والتوظيف بما يتناغم مع بنيتها مثل: منصب كاتب عمود صحفي, أو مشرف صفحة الرأي, أو مقدم تلفزيوني, أو معد برامج, أو ضيفاً دائماً يوضع تحت اسمه خبير في الجماعات الإسلامية, ونحوها من المناصب الإعلامية التي تخطف لب الشاب في عصر الشاشة.

ويمكن إجمال بعض الغايات والنتائج التي سعت إليها هذه الورقة في الخطوط التالية:
-أن العبودية هي الغاية الكبرى, أما العلوم المدنية فهي وسيلة تابعة لها.
-أن التنوير الحقيقي هو الاستنارة بالعلوم الإلهية التي تضمنها الوحي, وأن الظلامية والانحطاط الرئيسي هو الحرمان من أنوار الوحي مهما بلغت درجة العلوم المدنية.
-أن أشرف مراتب العمارة هي العمارة الإيمانية, وأن جوهر وظيفة الاستخلاف هو تمكين الدين.
-أن الغلو المدني هو ينبوع الانحراف الثقافي وجذر التخبطات الفكرية المعاصرة.
-أن الإسلاميين ليسوا ضد المثاقفة, ولكن لديهم موقف تفصيلي يفرق بين الانتفاع والانبهار, ويفرق بين مستويات الإنتاج في الحضارات الأخرى.
-أن خطاب أنسنة التراث آل إلى تغييب دور النص في تشكيل التراث, ورد العلوم الإسلامية إلى عنصرين: الثقافات السابقة وصراعات المصالح, بما ترتب عليه انفصال الشاب المسلم عن نماذجه الملهمة.
-أن المغالاة في مفهوم الإنسان آلت إلى طمس المعايير القرآنية في التمييز على أساس الهوية الدينية.
- أن التبرم بمرجعية الوحي, والإزراء بالقرون المفضلة, واللهج بتعظيم الكفار, من أكثر شعب النفاق المعاصرة التي تستدعي التحصين الإيماني.
-أن المغالاة في النسبية يقود إلى العدمية, بما يترتب عليه خسارة فضيلة اليقين ومنزلة الإحسان, والإغراق في الارتياب والحيرة واللاحسم.
-أن الغضب لله ورسوله إذا انتهكت محارمهما قيمة محمودة وليس توتراً ولا نزقا ولا دوغمائية ولا وصاية ولا إقصاء .
-أن الاستغراق في ربط الشعائر بعلل سلوكية محضة, أو ربط التشريعات بحكم اجتماعية محضة, من أعظم أسباب توهين الانقياد وذبول الدافعية.
-أن تعظيم الكلي مع تجميد تطبيقاته يؤول إلى تعظيم شكلي نظري لا حقيقة له, لأن الجزئي معتبر في إقامة الكلي.
-أن الاستقامة الدينية ليست لمجرد السلامة من النار, بل لها آثار دنيوية كبرى في جلب الخيرات ودفع الكوارث.
-أن الضعف البشري في تأويل النص باتجاه رضا الناس حقيقة لا يستهان بسطوتها على العامل للإسلام الشغوف باستمالة المدعوين.
-أن استفراغ الوسع والاستطاعة في إعداد القوة واتخاذ الإمكانيات من الواجبات الشرعية المحكمة.


رابط Good Reads

Download - Archive

السبت، 17 يناير، 2015

أوراق في التأريخ العربي الإسلامي

أوراق في التاريخ والحضارة

 أوراق في التأريخ العربي الإسلامي

 



يتضمن هذا الكتاب عشرة بحوث، تضيء جوانب أساسية في التاريخ العربي-الإسلامي: اجتماعية، واقتصادية، وإدارية، وفكرية، إضافة إلى الإطار السياسي.

في البحوث الثلاثة عن التاريخ العباسي، يتناول المؤلِّف موضوع الدعوة العباسية، مستنداً، في ما قدّمه لهذا الموضوع، إلى مخطوط أخبار العباس وولده، فكشف عن نقاط غامضة في الدعوة. وأفرد بحثاً لموضوع الآراء في الدعوة، بما في ذلك فكرة المهدي آنئذٍ، معتمداً على معلومات خارج الرواية التاريخية، كالنقود والآثار. ويضاف إلى هذا بحث شامل عن بغداد، منذ نشأتها حتى القرن الثالث الهجري.

وفي بحثه "الجزيرة العربية في عصر الخلفاء الراشدين" حديث عن تاريخ الأمة، ولا سيما مصادر هذا التاريخ، وما تميزت به هذه المرحلة من إنجازات نوعية على صعد مؤسسة الخلافة ونجاح حروب الرِّدّة والفتوح، وترسيم أصول النُّظُم والضرائب.

ويقدم المؤلِّف صورة شاملة ومتصلة للأحداث التاريخية عبر بحثه "اليهود في المجتمع الإسلامي عبر التاريخ" كاشفاً ما لقي اليهود من حرية ورخاء في ظل عدالة المسلمين.

أما بحثاه عن القدس فجاءا من منطلق القول بتعدد جوانب اهتمامات الدكتور الدوري في إطار التاريخ الإسلامي. وكذلك الأمر في بحثيه: "مدخل إلى تاريخ الأمة العربية" و"التكوين التاريخي للأمة العربية" فهو إلى جانب ما قام به من تغطية لفترات التحولات الكبرى في تاريخ الأمة، يشدد على مفاهيم تراثية أساسية، ليجعلها منطلقاً في دراسة مفاهيم الأمة الواحدة، واللغة الواحدة، والفضائل الموروثة، إرادة تحديد هوية الأمة، ورصد بدايات الوعي لديها.

إن هذه البحوث العشرة، بما تضمنته، تشكّل إضافة نوعية، سواء في الفكر أو في المنهج، ولعل ذلك أساس في الكتابة التاريخية

الجمعة، 9 يناير، 2015

المدخل لدراسة الأقليات

المدخل لدراسة الأقليات


 



نبذة المؤلف:
إن دراسة موضوع الأقليات فى أى مجتمع دراسة منهاجية، تصطدم بعدة صعوبات. فهى غاليا ما تكون حساسة بالنسبة للكاتب، سواء أكان ينتمى إلى الأقلية فى مجتمعة أو إلى الأكثرية وبخاصة فى المجتماعات النامية وحديثة الاستقلال، حيث يعلو نداء الوحدة الوطنية على كل صوت آخر، بل يدفع حماسة القادة والجماهير مما إلى عدم تشجيع مثل هذه الدراسات. ولكن كلما.
ولعل فى هذه الحساسيات سببا فى قلة ما كتب عن الأقليات نسبيا فى مجتمعاتها ليس فى اللغة العربية وحسب، بل وفى اللغات الأوربية كذلك. كما يجب ملاحظة أن كثيرين ممن اولوا هذا الموضوع عنايتهم كانوا من الباحثين المنتمين إلى الأقلية اليهودية ولم يتورع بعضهم عن الإتيان بآراء مشبوهة، وبخاصة عند معالجة مشكلات الأقليات اليهودية فى بعثرتها وانتشارها فى أرجاء العالم المختلفة، او فى معالجة مشكلات الأقليات الزنجية فى الولايات المتحدة الأمريكية بطريقة سياسية غامضة تنزع إلى الكسب الدعائى لأصوات أقليات من الممكن أن تتعاطف معهم- ولو مظهريا- لكسب الراى العام العالمي والأمريكي لنصرة دعاوى الإستيطان الصهيونى فى الشرق الأوسط، أو الغزو لبلاد أفريقيا الجديدة وجنوب شرقة آسيا. ولقلة المعلومات الجادة والدراسات الأصلية فى هذا الميدان نجد أنه من الصعب استخدام هذا القدر من المعلومات المتاحة لتنظيم علاقات مترابطة فى تسلسل علمى منطقى، تكفى لإستنباط تعميمات قابلة للاختبار، فى سبيل الوصول إلى نظريات مقننة علميا، بحث يعتمد عليها فى النهاية للوصول إلى قدرة على التوقع المحسوب.
وكل ما يحدونا من أمل فى دراستنا هذه هو التوصل إلى منهج مدروس للبحث فى موضوع الأقليات عامة، وما يتخلل المجتمع العربي من أقليات بصفة خاصة. ويتطلب مثل هذا المنهج قدرة على التجربة والاختبار، تعين على تقييم ما يقدم من شروح وصفية وسببة لبعض ظواهر سلوك الأقليات فى مجتمعاتهم حيال الأكثرية من جانب، ومدى تمحلهم أو تفهمهم لتصرفات تلك الأكثرية وسلوكها من جانب آخر

 Download - Archive


الجمعة، 2 يناير، 2015

الاستراتيجية ومحترفوا الأمن القومي

الاستراتيجية ومحترفوا الأمن القومي

التفكير الاستراتيجي وصياغة الاستراتيجية 

في القرن الحادي والعشرين

 


 ربما لم يكتب في الاستراتيجية بعد مؤلفات تسن زو وكلاوز فيتز أشياء جوهرية  اللهم إلا إضافات وتحسينات وتعليقات على ما كتبه هذان 
نعم أضاف جو ميني أشياء قيمة ولكنها تبقى في الإطار العام للمؤلفات الأم  المذكورة 
وما يميز هذا الكتاب أنه حديث وبه تقنيات وامثلة
_____________
نبذة الناشر:
تنطوي البيئة الأمنية في القرن الحادي والعشرين على فرص واعدة وعوامل مهددة للمصالح الأمنية للدولة القومية في وقت واحد. ويواجه صانعو السياسة والمتخصصون المحترفون العاملون في الدوائر والمؤسسات الحكومية والمسؤولون عن حماية مصالح الدولة، بيئة استراتيجية شديدة الخطورة وأكثر غموضاً وتعقيداً من البيئة التي واجهها أسلافهم في القرن العشرين.
وهذا الكتاب الذي يتحدث عن النظرية الاستراتيجية والفكر الاستراتيجي وصياغة الاستراتيجية وحتى وضع السياسات موجه للمحترفين المتخصصين في شؤون الأمن القومي، والعاملين في الحقل الأمني لأغراض سياسية، والآخرين الذين يشاركون في صياغة الاستراتيجية وتنفيذها وتقويمها، إلى جانب الذين يدرسون ويتابعون نقاشات الأمن القومي.
لا يقترح هذا الكتاب استراتيجية جديدة؛ ولكن يقدم منظوراً ومساراً للفكر الاستراتيجي المنظم تجاه الاستراتيجية بعامة. والكتاب وافٍ في تفسيره لطبيعة البيئة الاستراتيجية، حيث يعرض نظرية واضحة وشاملة للاستراتيجية وإطاراً عملياً للتفكير حول هذه البيئة وكيفية صياغة استراتيجية فعّالة.
إن هذا الكتاب يساعد القارئ على فهم الجوانب الداخلية والخارجية للبيئة الأمنية التي تجعل صياغة الاستراتيجية وتنفيذها مهمة صعبة جداً على الدولة القومية، وبخاصة في الأنظمة الديمقراطية. ويرى أنه إذا اعتمدنا على تقويم وتخمين صحيحين فإننا نستطيع تحديد العوامل الاستراتيجية الرئيسة، وبالتالي صياغة الاستراتيجية المناسبة، بحيث تلبي الغايات وتتناسب مع الطرائق والوسائل. ويوضح الكتاب كيفية وضع أهداف الاستراتيجية، ومفاهيمها والموارد اللازمة، كما يوضح كيفية تجنّب الأخطاء الشائعة والمآزق في صياغة الاستراتيجية. وأخيراً، يقدم اختبارات عملية لتحديد مدى صلاحية استراتيجية معينة، والطرائق التي يجب أن تؤخذ في الحسبان وكيفية تجنب المخاطر

Download - Archive