السبت، 16 سبتمبر، 2017

الموازنات المالية والتشريعية لميراث الذكر والأنثى في الإسلام

الموازنات المالية والتشريعية لميراث الذكر والأنثى في الإسلام



وضع الإسلام ميزانا دقيقا للميراث وأدخله في موازنات مهمة جدا مع منظومة تكاليف مالية وتشريعية أخرى كالنفقة  والصداق وحياطة حق الضعيف الذي قد ينتزع لمجرد أنه لادور له في الحروب والمنازعات التي تنتهي بجلب الغنائم

جاء الإسلام وانتزع تنظيم الميراث من فكرة القوة والهيمنة التي فرضت نفسها كعلة مبررة لحرمان  الأنثى من إرث أقرب  أقربائها ممهدا بذلك بإرجاعه لكينونتها وشخصيتها التي فقدتها في دهاليز القوانين الجائرة
وموضوع ميراث المرأة في مقابل إرث الرجل كان ولازال يثير نقاشا واسعا بين الباحثين والمثقفين  وقد يتجاوزه البعض لاتهام الشرع بظلم المرأة والسبب في ذلك هو النظر المحدود لميراث المرأة في حدود الآيتين "يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين" 
وقوله تعالى "وإن كانوا إخوة رجالا ونساءا فللذكر مثل حظ الأنثيين ""
ولايتسع أفقه ليتأملهما داخل منظومة متكاملة من الموازنات المالية والتشريعية 
   


الجمعة، 15 سبتمبر، 2017

خمسون مفكرا في العلاقات الدولية

خمسون مفكرا في العلاقات الدولية



يقدم هذا الكتاب تعريفاً بأبرز خمسين مفكراً في العلاقات الدولية من مفكري القرن العشرين. وهو يوفر معلومات أساسية عن كل مفكر من هؤلاء المفكرين الخمسين فضلاً عن موجز لأحد أعمال كل منهم وقائمة بأبرز مؤلفاته، وبعض المراجع المفيدة حوله. يعرض الكتاب أفكار وأعمال هؤلاء المفكرين، كل على حدة، ويجري ترتيبهم تحت مجموعة عناوين غير تقليدية تتعلق بالمدارس الفكرية المعاصرة في دراسة العلاقات الدولية


الاثنين، 14 أغسطس، 2017

الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية

الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية

 


 منقول من موقع المكتبة الشاملة
قراءة في كتاب

الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية
المؤلف: الدكتور حامد عبد الماجد قويسي.
الناشر: دار التوزيع والنشر الإسلامية.
حجم الكتاب: 566 صفحة من الحجم الكبير.
عرض: وائل عبد الغني.

هذه الدراسة المنهجية المتخصصة في النظرية السياسية الإسلامية نال بها
الباحث درجة الماجستير من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة.
تنطلق الدراسة من افتراض مفاده: أن النجاح أو الإخفاق على المستوى الداخلي
والخارجي في ممارسة الوظيفة العقيدية للدول أو الأنظمة التي تعاقبت على حكم أمة
الإسلام ما هو إلا اختلاف في الدرجة لا في النوع؛ ومن ثم اتصفت الممارسة بقدر
كبير من الاستقرار والاستمرار.
هذه الوظيفة قد عرفتها الخبرة الإسلامية بدرجة مكثفة دون أن يكون لها
الوضوح الكافي على مستوى الدراسات من قبل، وقد رأى الباحث أن يتم التنظير
لها على ثلاثة مستويات:
1 - مستوى القيم التي تحكم الوظيفة (المبادئ) .
2 - مستوى البناء النظامي (الهياكل والمؤسسات) .
3 - مستوى قواعد الممارسة ونماذجها التطبيقية.
وتسعى الدراسة لبيان قيمة الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية في إطار نظرية
وظائف الدولة الإسلامية وتحديد موقعها منها في إطار من التجريد والعمومية.
ويتقدم المؤلف بين يدي بحثه بفصل تمهيدي يوضح فيه أهمية انطلاق
التنظير من (المنهج المعرفي المستمد من الوحي) بواقعيته المثالية؛ لتلافي آثار
أزمة الانطلاق من المنهج الغربي التي اتضحت معالمها هناك على مستوى: المنهج،
والنظرية، والتطبيق، بالإضافة إلى ما يمكن أن ينشأ من إشكاليات مضاعفة عند
تطبيقه على واقعنا الإسلامي؛ لقصوره عن تفسير كثير من الظواهر التي تنشأ
داخل مجتمعاتنا المسلمة نتيجة لقصور مسلَّماته وجمودها عند حدث معين ولحظة
تاريخية معينة، ولعل هذا يفسر جزءاً كبيراً من إخفاق الأنظمة العربية في تحقيق
أي من أهدافها التي رفعتها غداة استقلالها.
فطبيعة المنهج وضرورة التميز العقيدي تمليان علينا ضرورة البناء العلمي
والتطبيقي على هدي قواعده وأصوله المستمدة من الشرع.
ويحتوي الكتاب إلى جانب المقدمة القيمة التي تصلح لأن ينال على
موضوعها مع شيء من العمق والتوسع درجة علمية بجدارة خمسة فصول، يقطع
في كل منها شوطاً نحو بناء النظرية:
ففي الفصل الأول:
يضع إطاراً لوظائف الدولة الإسلامية، ويبين موضع الوظيفة العقيدية، وفيه
يتناول برؤية نقدية الكتابات التي عالجت وظائف الدولة الإسلامية، ويفرق فيها بين
اتجاهات تقليدية، وتجديدية.. والقديم منها والمعاصر، من أجل استخلاص بعض
النتائج التي تمهد لبناء مفهوم الوظيفة العقيدية لغوياً وأصولياً ليعتمده أساساً للتنظير.
ويرى المؤلف أن الاتجاه التقليدي قد ركز بوجه عام على الإمامة والخلافة
والإمارة باعتبارها تحقق أهدافاً منبثقة من التصور العقيدي العام، وقد ركز على
وظائف الدولة باعتبارها واجبات الإمام واختصاصاته دون اهتمام بواجبات الرعية
والعلماء وأهل الحل والعقد باعتبارهم جزءاً من الحقيقة البشرية للدولة.. وقد قدم
لنا هذا الاتجاه قوائم سردية بوظائف الإمام وواجباته مع خلط وقع بين الوظائف
وأدوات الممارسة.. ويُعَدُّ الماوردي والفراء أبرز من تكلم في هذا المجال، وكثيراً
ما تأثرت كتابات هذا الاتجاه في أسلوب عرضها بالواقع السياسي الموجود سواء في
المذكور أو المسكوت عنه.
أما كتب الفارابي وإخوان الصفا وأمثالهم فلا تنطلق من أنموذجنا المعرفي؛
إذ كتبت في ظروف تعرَّض فيها العالم الإسلامي لموجة تغريب من الحضارتين
الفارسية واليونانية ربما كانت أقسى مما هو مشاهد اليوم من أوْرَبَةٍ وأمْركة، وقد
كانت تلك الكتابات بمثابة نقطة البدء في الفصل بين ما يمكن أن يسمى «وظائف
دينية» و «وظائف دنيوية» .
ورغم الإسهامات الجادة لهذا الاتجاه فإنه لم يقدم لنا مفهوماً واضحاً لوظائف
الدولة، ولم تنضج منهجيته لتقدم لنا حواراً منهجياً فعالاً بين الأوامر المنزلة وبين
قضايا الواقع.
وفي المقابل نجد أن الاتجاه التجديدي قد ركز في كتاباته القديمة على الخطوط
العامة دون خوض في التفصيلات مع أهميتها في كثير من الأحيان، لكنها شكلت
تياراً مستمراً مرتبطاً بحركة الاجتهاد على امتداد الساحة الزمانية والمكانية للدولة
الإسلامية.
وقد قطعت هذه الكتابات شوطاً في التأصيل؛ إذ قدمت نظرة شاملة ومتكاملة
لمضمون وظائف الدولة، وأصَّلت له وربطت مفهومه بمفهمومَيْ: «الولاية»
و «الأمانة» كما جاء في كتابات ابن تيمية، وبـ «الخطط» كما هي في كتابات
ابن خلدون، وكما ربطته بالمقاصد والمصالح الشرعية التي محورها: «حراسة
الدين وسياسة الدنيا به» .
أما الكتابات المعاصرة في الاتجاه نفسه فقد ربطت هذه الوظائف بمفهومَيْ
«الحاكمية» و «الاستخلاف» وبين مفهوم الدولة ووظيفتها وفكرتها وعقيدتها في
نظرة شاملة ومتكاملة، دون أن ترقى لتشكل نظرية في هذا الجانب، كما أنها لم
تستخدم المداخل الاجتهادية (القياس، والاستصلاح، والاستصحاب) في ضبط
الممارسة.
ويرى المؤلف في نظرته التي تأتي امتداداً للاتجاه التجديدي أهمية وجود
تصور واضح عن مفهوم الدولة ونشأتها وتطورها - ووظائفها حتى يمكننا التعرف
على طبيعة الوظيفة العقيدية وبلورة مفهومها في شكل نظرية؛ فيرى أن مفهوم
الدولة: عبارة عن بلورة نهائية لترابط عضوي بين حقيقتين: معنوية (عقيدة
التوحيد) ، وبشرية (أمة إمام أهل الحل والعقد) .
ومن حيث نشأة الدولة وتطورها: يرى وجود رابط سببي وزمني بين نشوء
الدولة وبين مولد الرسالات السماوية، فنجد في القرآن تأصيلاً لهذه النشأة: [كَانَ
النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ
لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ
البَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ] (البقرة: 213) ، فهناك مرحلة الأمة الواحدة.. ثم مرحلة
الاختلاف.. ثم مرحلة إرسال الرسل ونشأة الدولة التي نشأت بجهد أتباع الرسل
المسدَّد باتِّباعهم لمنهج الرسل.
أما الوظائف: فيفرق بين مستويات ثلاثة:
- الوظيفة باعتبارها قيمة.
- الوظيفة باعتبارها بناءً مؤسسياً.
- الوظيفة باعتبارها ممارسة وسلوكاً.
ويرى المؤلف أن «الوظيفة العقيدية» و «الوظيفة الاستخلافية» هما
مضمون وظائف الدولة؛ حيث تتبلور كل وظيفة عن قيمة محددة.. ثم تتمحور
القيم لتعبر عن قيمة واحدة هي قيمة «التوحيد» ، وتسعى لإنجاز مقصد واحد هو
«حفظ الدين» ، والذي يرتبط هو الآخر بمفاهيم: العبادة.. والأمانة..
والاستخلاف.
أما الوظيفة الاستخلافية فهي في جوهرها تابعة ومساندة للوظيفة العقيدية،
وتشتمل على وظيفتين يندرج تحت كل منهما وظيفتان:
العمران: ويندرج تحتها الوظيفة الإنمائية والأمنية.
والعدل: ويتحقق ب: الوظيفة التوزيعية والجزائية.
هذه الوظائف تتساند لتشكل الوظيفة الاستخلافية التي تتبع وتساند الوظيفة العقيدية
التي جوهرها التوحيد وتتحدد في ثلاثة أبعاد:
1 - تحديد موقف واضح من العقيدة (إعلان الالتزام) .
2 - بناء وتأسيس الكيان العقيدي بما يحويه من نظم.
3 -القيام بواجب الدعوة من خلال الإقناع.
وهو ما ستوضحه الفصول القادمة.
الفصل الثاني: بناء مفهوم الوظيفة العقيدية:
بدءاً بالدلالة اللغوية للتركيب حيث يشير إلى: «مجموعة الأنشطة والعمليات
الملزمة التي تقوم بها الدولة لتحقيق المنهج الذي ينبثق من العقيدة التي يعتقدها
ويرتبط بها مجتمع من المجتمعات أو نظام من الأنظمة» .
ومروراً بالدلالة الأصولية التي تعني: الولاية الشرعية العامة للدولة
الإسلامية في تنفيذ وممارسة الفروض والواجبات الكفائية المتعلقة بحق الله تعالى
بوجه عام «والتي تخدم كثيراً في صياغة النظرية.
وعلى مستوى النظرية نجد أمامنا ثلاثة مقومات تتشكل منها معاً هذه الوظيفة:
- حقيقة معنوية جوهرها التوحيد.
- حقيقة بشرية تشكل الجسد السياسي للدولة (الخليفة العلماء أهل الحل
والعقد الرعية) .
- العلاقة بين الحقيقتين وهي علاقة إيمان واعتقاد من جانب، وتوظيف
وعمل من جانب آخر.
هذا المفهوم وفق هذه الرؤية يتفرد بسمات الشمول والحركية والواقعية وتعدد
المستويات والأبعاد والأطراف والعموم والتجريد الذي يؤهل لصلاحيته للإنسان في
أي زمان ومكان.
وسيتم تفصيل ذلك في الفصول القادمة.
الفصل الثالث: مضمون الوظيفة العقيدية وأبعادها:
أما من جهة المضمون: فإن وظائف الدولة تعبر في التحليل الأخير عن القيم
الأساسية في المجتمع التي جوهرها التوحيد باعتبارها القيمة المحورية العليا،
والتي تفرض تحديد مقصد الوظيفة التي تعبر عنها، كما تحدد نظام القيم الإسلامي
الذي يتميز بخصائص الشمول والمثالية والواقعية والحكمة في الممارسة والوحدة في
التعامل والطابع الإنساني العالمي، كما يتميز بالجمع بين الجماعية والفردية في آن
واحد.
وتسعى العقيدة من وراء ذلك إلى إحداث التغيير كمّاً وكيفاً من خلال الممارسة
وصولاً إلى المثالية العليا التي تتميز في نموذجنا الإسلامي برؤية واضحة وهدف
محدد هو الفوز الأخروي، وترتبط بوظيفة الاستخلاف على منهاج النبوة.
وبأسلوب أوضح تعد ممارسة الوظيفة العقيدية في الواقع العملي جوهر التطبيق
الواقعي لتوحيد الألوهية وتقترب كثيراً من الصياغة الحديثة لمفهوم الحاكمية، أو
بالتعبير الشهير مقصد (حفظ الدين) ليس بمفهوم الدولة الحارس الذي عرفته
الخبرة الأوروبية والذي يعني الحفاظ على العقيدة في أصولها وإنما بتطبيقها في
الواقع العملي الحيوي بجميع جوانبه وأبعاده والذي لا يتم إلا في إطار كيان سياسي؛
ذلك أنه لا يسع المسلمين أن يعبدوا الله بالمفهوم الشامل إلا حين يغدون رعايا
مخلصين لدولة إسلامية، ولن يتاح لهم أن يعيشوا بما يتفق مع أخلاقيات عقيدتهم
إلا من خلال الانتماء إلى أمة المؤمنين؛ ولهذا فمقصد» حفظ الدين «مقصد سابق
لوجود الدولة التي تفقد مسوِّغ وجودها إذا ما تخلت عنه أو تنكرت له.
وفي هذا الصدد يمكننا أن نتصور حدين في هذا المجال:
حداً أدنى: تغدو به الدولة مسلمة، ويتمثل في إعلانها الالتزام بالإسلام،
وعدم إخلالها بمنطقة المحكمات (المعلوم من الدين بالضرورة) .
وحداً أعلى: تكون به الدولة إسلامية، وهو نموذج أرقى تسعى فيه الدولة
لتحقيق مقاصد الشريعة كلها في إطار المحكم وفي إطار الظني بإعمال الاجتهاد في
مجاله.
وعندما تصل الدولة إلى تحقيق مقاصد الشريعة الخمسة على الأقل في درجة
الضروريات التي تتبلور في مقصد حفظ الدين، فإنها تصبح مسلمة.. وبينها وبين
أن تكون إسلامية مسافة أخرى تشمل الاجتهاد في مساحة الظنيات. والفارق كما
يبدو نوعي وكمي في آن واحد؛ فهي لا تصبح إسلامية دون أن تكون مسلمة؛ كما
يشك بدرجة كبيرة في أن تظل مسلمة دون أن تنجز المقاصد الشرعية من خلال
الانتقال من مجرد إعلان قبول الالتزام العقيدي وحمايته إلى محاولة تحقيقه وبناء
المجتمع العقيدي من خلاله، والتعامل الخارجي انطلاقاً من مبدأ الدعوة، وأن يكون
رجوعها إلى الشرع رجوع افتقار لا رجوع استظهار، ولا يقبل التعلل بالتدرج في
التطبيق؛ إذ الفرق جلي بينه وبين الانحراف؛ فالتدرج لا يمكن من خلاله الإخلال
بمبدأ الاحتكام إلى الله ورسوله من خلال التلاعب بالنصوص لتسويغ الانحراف في
عملية الممارسة.
ويلفت النظر إلى أن مقصد» حفظ الدين «لا يجوز أبداً قصره على المعاني
المباشرة للّفظ؛ بل يعني أيضاً الحفظ الحقيقي المنصرف إلى الكيان البشري الذي
يكوّن الجسد السياسي للدولة، أي حفظ العقيدة مطبقة في الأمة، ويرتبط بهذا مقصد
آخر هو الوحدة.. سواء على مستوى الكينونة الفردية، أو الكيان الاجتماعي على
مستوى الإدراك.. والولاء.. والنظام.
أما من حيث الأبعاد: فنجد أمامنا ثلاثة جوانب رئيسة كبيرة ومتكاملة يؤدي
بعضها إلى بعضها الآخر وهي:
1 - تحديد موقف من العقيدة وحمايتها.
2 - بناء الكيان العقيدي (المجتمع الملتزم بالعقيدة) .
3 - تحقيق غايات البناء من خلال الممارسة (أداء الوظائف) .
ومن الثابت أن الدولة في جميع نماذجها التاريخية كانت تسعى لممارسة عقيدة
معينة ارتبط وجودها المعنوي والحضاري بها؛ ولهذا فإن الموقف من العقيدة لا
يعدو القبول أو الرفض، أما فكرة الحياد التي تدعيها بعض النظم؛ فهي نوع من
القفز على الحقائق؛ إذ لا بد من استبطان عقيدة أو أيديولوجية تسعى لتحقيقها.
ولهذا فإن الموقف الإيجابي بإعلان الدولة التزامها العقيدي يعد أول مستويات
الممارسة.
أما عن الحد الفكري لإسلام الدولة قياساً على الشهادتين بالنسبة للفرد فيتمثل
في الإقرار بأمور هي:
1 - أن الحاكمية لله وحده، وأن الدولة أداة من أدوات الاستخلاف.
2 - أن القانون الأساسي للدولة الإسلامية هو الشريعة الإسلامية.
3- بطلان كل قانون مخالف للشريعة وإلغاؤه.
4 - على الحكومة ألا تتصرف في شؤون الدولة إلا ضمن الحدود المرسومة
في الشريعة لوظيفتها.
هذه الأمور تعد الخطوة الأولى التي لا يقبل دونها؛ لأن إعلان الالتزام
العقيدي يوضح» فكرة الدولة «الأساسية وغاية قيامها.. ويحدد مواطنيها وماهية
حقوقهم وواجباتهم، وعلى أي أساس تُكتسب أو تفقد، والمبادئ التي يسير عليها
جهاز حكومتها المتحكم في سلطاتها الإدارية وقواعد مسؤوليتها وحدود وظيفتها؛
ولهذا يرى البعض أهمية وضع دستور إسلامي يحدد النظام العام، وهو ما تحدده
المثالية الإلهية والعقيدة التوحيدية المنبثقة عنها، ولا يجوز مخالفته ويعاقب كل من
يخالفه أو يحاول الاعتداء عليه.
وأما حماية العقيدة فتكون من كل ما يشكل نقضاً (الردة) أو تحريفاً
(الابتداع) .
وفي مجال الدعوة يبرز المنطق الاتصالي ودوره في إزالة اللبس وسوء الفهم
الذي يمكن أن يحول بين الناس وبين اعتناقهم للإسلام دون إكراه.
أما المستوى الثاني: فهو بناء الكيان العقيدي (أو المجتمع الملتزم بالعقيدة)
والذي يعني بلورة العقيدة على المستوى العملي في كيان عضوي بشري يحقق
غايات المثالية العليا الإلهية والعقيدة الإسلامية، والذي يؤسس حركته على الإيمان
بالله واليوم الآخر، ويؤسس روابطه على عقيدة الولاء والبراء التي تعطي عقد
الولاء للمؤمنين، والذمة لأهل الكتاب، والبراء من الكافرين والمنافقين.
وتتم عملية البناء على مرحلتين: التكوين، ثم البناء والتأسيس.
ثم يأتي المستوى الثالث: تحقيق غايات البناء التي تتبلور حول تمكين الفرد
والمجتمع من تحقيق ذاتيتهما الإسلامية في الواقع التطبيقي والاجتماعي داخلياً.
وتمارس الدولة واجبين في إطار قيامها بوظيفتها العقيدية هما:
1 - الإشراف على إقامة فروض الكفايات وتنظيمها.
2 - مراقبة إقامة فروض الأعيان.
أما على مستوى التعامل الخارجي فنجد وظيفة الدعوة التي تنطلق من رؤية
توحيدية للعالم الذي يتمحور جغرافياً حول القبلة، وإنسانياً حول آدم» الناس بنو
آدم، وآدم من تراب « [1] ، ومن منطلق عالمية الحضارة الإسلامية صاحبة الدين
الخاتم المنفتح على الإنسانية كلها؛ ولهذا نجد التعامل الخارجي يخضع لمجموعة
من الأسس هي:
1 - الاتصال هو محور التعامل الخارجي.
2 - وحدة الانطلاق من القاعدة الثقافية والتعامل الفكري (الإقناع والاقتناع) .
3 - وحدة قيم التعامل حيث إن التعامل الخارجي هو امتداد للداخلي.
4 - الاتصال مع القيادات الحاكمة بصدد الإقناع بالدعوة وعرض الرسالة.
وإلى جانب مسلك الدعوة هناك مسلك مساند هو الجهاد الذي يراه المؤلف أداة
فكرية وحقيقة معنوية تضم مجموعة من المبادئ المعنوية والأخلاقية.
وتوضح لنا الخبرة التاريخية الأدوات التي تمت الدعوة من خلالها؛ كالرسائل
والسرايا والغزوات وعقود الصلح والموادعة والمعاهدات.
الفصل الرابع: الإطار النظامي والمؤسسي للوظيفة العقيدية:
ويعني بها المؤسسات التي تترجم مدارك الأمة ووعيها إلى واقع عملي، وتعد
صلة بين الوظيفة كقيم والوظيفة كممارسة؛ ومن هنا فإن التوحيد بوصفه قيمة
محورية يمكن تحقيقها من خلال قيمتين نظاميتين هما:» الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر «داخلياً، و» الدعوة «خارجياً.
وكلا المبدأين واضح الأبعاد والدرجات والمستويات وفق أسس واضحة محددة
المحتوى والمضمون، مقننة لأشكال نظامية تقوم على تطبيقه وتحويله إلى واقع
حيوي.
أولاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
وهو متردد بين الفرضية العينية والكفائية، ولا تسقط عهدته إلا بالأداء أو
العجز، وتتأكد فرضيته في مثل حال المحتسب وأهل الاختصاص في تخصصهم،
وهو من حيث القدرة متدرج يبدأ من التغيير بالقلب بالمفارقة والمفاصلة
الشعورية.. ثم باللسان الذي يمكن لنا أن نُدخِل في إطاره بعض الممارسات
المعاصرة في المجالات التربوية والتعليمية والثقافية والإعلامية.. ثم يأتي المستوى
الثالث: التغيير من خلال القوة التي توسَّع مفهومها اليوم فاستوعبت صوراً
معاصرة يمكن أن تستخدم في عملية التغيير، خاصة في وقت لم يعد المعروف
الأكبر هو التوحيد، كما لم يعد حد المنكر يقف عند المناكير والكبائر الجزئية
والمحلية، بل يتصاعد حتى يصل إلى مناكير السياسة العامة التي يتمثل أكبرها في
التبعية والإذعان لهيمنة القوى الاستعمارية.
ثانياً: الدعوة:
وهي وظيفة خارجية مكملة للوظيفة الداخلية وكلاهما مستمر في الأمة كما
عبَّرت عنه الآية بصيغة المضارعة: [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ
بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ] (آل عمران: 104) ، ولهذا فإن الدعوة تمثل
ممارسة واجبة الأداء على الكفاية لإدخال أمة الدعوة في أمة الإجابة، وهو مبدأ
توظف له الدولة إمكاناتها كافة لتحقيق الهدف الأسمى، وترسم خططها لتحقيق
متطلباته الآنية والمستقبلية وفق منطلقاته الثلاثية: الحكمة.. الموعظة الحسنة..
الجدال بالتي هي أحسن؛ وهي مبادئ تكفل حسن الأداء في ظل تغير الظروف
الدولية والداخلية.
وتفاعلاً مع هذه القضية يطرح المؤلف مدى قابلية النظام الدولي الجديد
لممارسة الدولة الإسلامية واجبَ الدعوة إلى الله.. ويحاول أن يتلمس الإجابة في
ظل وضع دولي محفوف بالمخاطر..! ويقدم ملامح عامة يمكن من خلالها بناء
تصور ما حول الرؤية الواقعية والمستقبلية لهذه الفريضة المهمة.
ويفرق المؤلف بين الدعوة بوصفها وظيفة اتصالية وبين المفاهيم السائدة في
هذا المجال على الساحة الدولية؛ كالدعاية، والحرب النفسية، والتسميم السياسي.
وبعد أن أوضح صورة الإطار النظامي للوظيفة العقيدية بدأ في الاقتراب أكثر
من طبيعة الأداء، فتحدث عن الأشكال النظامية معتمداً على الخبرة الإسلامية.
ويفرق في هذا الصدد بين نوعين من الأشكال النظامية:
أ - أشكال تأسيسية: (تقوم بإنشاء الأشكال المؤسسية) .
ب - أشكال مؤسسية: (أساسية مساندة) .
ويمكن فهم الأشكال التأسيسية في إطار مؤسسات المسجد باعتباره شكلاً نظامياً
تأسيسياً؛ إذ يحوي العناصر التي تقيم الأشكال المؤسسية؛ فيحوي مؤسسة أولي
الأمر وأهل الحل والعقد وهم أهل الاختيار الذين يختارون الحاكم، وأهل الشورى
من أهل العلم والدراية، وأهل الاجتهاد من العلماء الحائزين لشروط الاجتهاد.
أما الأشكال المؤسسية فمنها ما هو أساسي، ومنها ما هو مساند، وتحمل لنا
الخبرة الإسلامية صوراً للأساسي مثل مؤسسة الحسبة، ودور العلم، والمدارس
الإسلامية التي تعالج تطبيق مبدأ الأمر بالمعروف على مستوى الداخل، إلى جانب
ديوان الرسائل وديوان الجند اللذين يمارسان الدعوة على مستوى الخارج.
كما عرفت الخبرة عدداً من الأشكال المساندة كان أهمها مؤسستي: أهل
الفتوى، وأهل القضاء.
ولكل شكل من هذه الأشكال مبادئه وصوره وقوانينه وأدواته النظامية التي
تحكمه وتضبط عمله بما يحفظ لعملية ممارسة الوظيفة العقيدية الأداء.
وتكشف لنا الممارسة العصرية عن ثلاثة أنواع للأشكال النظامية يجب التمييز
بينها:
1- (أشكال أصلية) ناتجة عن حكم شرعي يوجبها لإنفاذ أحد فروض الكفاية،
ويأتي في حكمها الأشكال الطبيعية الناتجة عن وضع تكويني في مجتمعنا يقره
الإسلام.
2 - (أشكال طارئة) وجدت قبل الاستعمار لكنها مثلت انحرافاً عن الإسلام
3 - (أشكال وافدة) جاءت مع الاستعمار الأوروبي المعاصر.
وقد تم تحجيم النوع الأول، وضربت فعاليته لصالح النوعين الآخرين بما
يعني قطع أي إمكانية لتطوير الأشكال النظامية الأصيلة وتوليدها لأشكال تحقق
التواصل! وقد خلفت هذه المعضلة كثيراً من المشاكل والتعقيدات تحول دون
الاستقلال الحقيقي والتنمية في ظل اغتراب السلطة عن الجمهور وهامشية
المؤسسات الأصلية الموجودة وعدم فاعليتها.
ومن هنا كان لا بد من طرح تساؤلات جادة حول منهجية بناء الأشكال
المؤسسية في الواقع الحالي التي نجد في مدخل الذرائع حلولاً لإشكالاتها.
وينبه المؤلف إلى أن معالجة الوظيفة العقيدية على مستوى التنظير بوصفها
وظيفة لدولة إسلامية قائمة وموجودة بالفعل هو أمر غير واقع الآن، دون أن ينفي
ذلك وجود مستويات لممارسة الوظيفة يقوم بها المجتمع المسلم حتى في ظل غياب
الدولة تنبني على الاجتهاد المرحلي أو الانتقالي، كما ينبه إلى ضرورة الابتعاد عن
النمط الأوروبي المتَّسم بالضخامة والتعقيد والعودة إلى النماذج الصغيرة في
المجتمعات الاجتماعية والسياسية، في ضوء ما يسميه: (تفاعل المقاييس) الذي
يعتمد على الأبعاد المقدارية والوصفية والآماد والمعدلات، بجوار الجوانب
الموضوعية التي يعالجها مدخل الذرائع في فهم الواقع، وإيجاد ما يناسبه من حلول
لمعضلاته.
الفصل الخامس: فاعلية الوظيفة العقيدية في الممارسة:
وقبل أن يعرض المؤلف لنماذج تاريخية تعبر عن صدقية ما بناه في فصوله
السالفة يشير إلى مبدأ علمي مهم هو: عدم جواز الخلط بين الظاهرة باعتبارها
مبدأ، والخبرة باعتبارها معالجة.
يقدم لنا أربعة نماذج تطبيقية متقابلة: اثنين للنجاح.. واثنين للإخفاق..
تجمع الدلالات السلبية والإيجابية بوصفه أمراً علمياً مقصوداً في ممارسة الوظيفة
العقيدية بمستوياتها المختلفة.
النموذج الأول: نموذج الدولة النبوية: من حيث كونه نموذجاً قياسياً للنجاح
يمكن الاحتكام إليه في فهم دلالات أي ممارسة للوظيفة سواء في مرحلة التأسيس،
أو مرحلة الممارسة، بدءاً بإعلان الالتزام العقيدي وحمايته، ومروراً بمستوى بناء
الكيان العقيدي، ووصولاً إلى التعامل الخارجي من منطلق الدعوة؛ هذا النموذج
مع مثاليته المرهفة مثّل واقعاً يمكن القياس عليه والاستلهام منه.
وفي المقابل نجد النموذج الثاني: يتمثل في دولة بني إسرائيل في عهد نبي
الله موسى عليه السلام بدلالاتها الغنية ونتائجها، كنموذج قياسي للإخفاق في أداء
هذه الوظيفة، يمكن أن يمثل عنصر خبرة في فهم أسباب الإخفاق النفسية والإيمانية
والأخلاقية والاجتماعية للنموذج الذي يعد افتراقاً عن إطاره العقيدي في مستويات
الممارسة ويصلح في فهم أي مرحلة تاريخية أخرى.
النموذج الثالث: من النماذج التاريخية نموذج الدولة في عهد عمر بن
عبد العزيز: باعتبارها مؤشراً قوياً على إمكانية التطبيق، ومدى النجاح في
الاقتراب من النموذج القياسي؛ متى ما صحت المنطلقات وتبنت الدولة أداء هذه
الوظيفة، هذا ما تظهره التجربة وتؤكده الدلالات التي يمكن استخلاصها
هنا.
وفي المقابل يأتي النموذج الرابع: ليبرز تجربة دول (ملوك الطوائف)
باعتبارها نموذجاً تاريخياً للإخفاق؛ سواء في الميلاد أو التأسيس أو في الممارسة
التي افترقت كثيراً عن الإطار العقيدي الجامع.
وفي الخاتمة:
يعود المؤلف فيفصّل في قضية التميز المنهجي الذي افتتح بها دراسته القيمة.
- فيمايز بين الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية وبين الوظيفة الدينية للدولة
البابوية التي يقدس فيها الحاكم، وتطلق سلطاته كما هو معروف في الخبرة
الأوروبية وفي النموذج الفرعوني، أما النموذج الإسلامي فيجمع بين إلهية
المصدر، والطبيعة الاجتهادية المنضبطة بالأصول الشرعية - المحتملة للخطأ
والصواب.
- كما يمايز بينها وبين الدولة والحكومة الأيديولوجية التي تقوم على فكرة
إلغاء الدين باسم السياسة، والمجتمع الديني باسم سيادة المجتمع المدني، أما الدولة
الإسلامية فالسياسة في حركتها تصير ديناً، كما يعبر الدين عن الظاهرة السياسية.
- ويمايز كذلك بينها وبين الدولة والحكومة القيادية التي ظهرت في أعقاب
الحرب العالمية الثانية والتي يبرز فيها دور محوري للزعامة السياسية التي تجسد
عقيدة الأمة، وهو نموذج يمكن إدراجه تحت الفرعونية السياسية.
- وكذا الأمر مع الدولة العلمانية التي تزعم خدمة الصالح العام، وتقوم على
الفصل بين ممارسة السلطة والنواحي العقيدية، وبدلاً من المعتقد أو الدين فإنها
تقدس الدستور، ويأتي سن القوانين وفق التأسيس الوضعي للمصالح المشتركة
للمواطنين والتي تحكمها لغة القوة لا الحق.
ثم يُسدل الستار بمجموعة من الدلالات السياسية لممارسة الوظيفة العقيدية في
الواقع المعاصر:
فعلى المستوى النظري:
- يؤكد على أن الوظيفة العقيدية تقدم تنظيراً حقيقياً لمفهوم الدولة ونشأتها
وتطورها، وهو ما زال يشهد أزمة وتضارباً في الفكر الأوروبي.
- كما يؤكد على أهمية الانطلاق من النموذج المعرفي المستمد من الوحي في
التفاعل الموضوعي مع الواقع، وفي تقديم رؤية على درجة عالية من الوضوح
والضبط والتكامل لبناء نظرية الدولة ووظائفها في إطار التنظير السياسي الإسلامي
وعلى المستوى العملي والحركي:
- يؤكد على حقيقة أن وجود عقيدة أو فلسفة سياسية واضحة وحقيقة بشرية
مؤمنة وملتحمة بها، ووجود سياسة عامة نابعة منها هو الذي يحدد للدولة خطوات
ممارستها الحركية، وماذا تريد على وجه التحديد.
- كما أن الوظيفة العقيدية تطرح إجابات معاصرة لقضايا الواقع على مستوى
الأنظمة والمجتمعات العربية والمسلمة، بالإضافة إلى الواقع العالمي.
- كما تقدم منهجاً للتعامل مع الأزمات التي يعاني منها الواقع (دلالات
الحاضر) ، إضافة إلى غناها بالحلول للخروج منها (دلالات المستقبل) .
- وهي تقدم منهجاً لمعالجة الأزمات الثلاث الأساسية التي تواجه الدول
العربية والمسلمة: أزمة التأسيس.. أزمة الهوية.. أزمة الشرعية.
- إلى جانب ما تقدمه من تفسير لظهور حركات التجديد والإحياء الإسلامية
ونموها من جهة، وفهم حركات التبديد من جهة أخرى.
وعلى المستوى الدولي تمنحنا الدلالات الآتية:
- فهم جوانب الاستقرار في الدول المتقدمة.
- تراجع مفهوم العلمانية أو اللادينية في الواقع العالمي المعاصر.
- تقدم تفسيراً لما نشهده من سقوط الأيديولوجية؛ إذ تمثل دراسة الوظيفة
العقيدية مدخلاً مقارناً لتحليل السلوك الداخلي في الأنظمة القائمة في تعاملها مع
شعوبها ومجتمعاتها؛ من حيث علاقة التربية السياسية، والتلقين الأيديولوجي،
والتعبئة السياسية.
- عودة الدين ليمارس دوراً مهماً على الساحة الدولية.

الجمعة، 11 أغسطس، 2017

عولمة السياسة العالمية

عولمة السياسة العالمية
 
 



قام جدال واسع في أوساط علماء السياسة الدولية خلال تسعينيات القرن العشرين حول أهمية التغيرات التي يشهدها العالم. وتركّز قسم كبير من هذا الجدال على مفهوم العولمة التي تشكّل موضوع هذا الكتاب، إذ يستحضر الكتاب مجموعة كبيرة من الخبراء الذين تتباين آراؤهم في العولمة.
ذلك أن العولمة بالنسبة لبعضهم هي تحويل للشكل التقليدي الناظم الدولة، في حين يرى آخرون أن السياسة الدوليّة تبقى من دون تغيير إلى حد بعيد. ويهدف الكتاب إلى تقديم منظور شامل للسياسة الدولية المعاصرة من خلال دراسة المقاربات المختلفة للموضوع في سياق محاور رئيسية إجمالية موحدة.
يتألف الكتاب من خمسة وعشرين فصلاً كتب كلّ واحد منها أحد الاختصاصيين في ميدان العولمة والسياسة العالمية.
ويتضمن كلّ فصل مناقشة للنقاط الأساسية في عولمة السياسة العالمية، ويركّز اهتمامه على تقديم عرض لكيفية عمل السياسة العالمية المعاصرة. وتبحث المقدمة مفهوم العولمة وتلخّص الحجج الرئيسية المؤيدة والمعارضة.
ويليها أربعة أقسام تشمل ما يلي:
- الخلفية التاريخية للسياسة العالمية المعاصرة.
- النظريات الرئيسية التي تطرح تفسيرات للسياسة العالمية.
- تركيبات السياسة العالمية المعاصرة.
- القضايا الرئيسية للسياسة العالمية المعاصرة.
وينتقل هذا الكتاب من استعراض السياسات الدوليّة بعد انتهاء الحرب الباردة إلى تناول المجريات العالمية وأثرها على أكثر القضايا إلحاحاً في القرن الحادي والعشرين.
يقع الكتاب في (1083) صفحة من القطع الكبير.
Download - MeidaFire

الأربعاء، 7 يونيو، 2017

المأزق العالمي للديمقراطية

المأزق العالمي للديمقراطية

بلوغ نقطة التحول

 



في كتاب المأزق العالمي للديمقراطية: بلوغ نقطة التحول الصادر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات (255 صفحة بالقطع الوسط)، لا يدّعي مؤلفه عصام فاهم العامري أنه يقدم فيه مخططًا جاهزًا لتجديد الديمقراطية، فمن الممكن بحسبه أن يتخذ تجديدها مسارات متعددة، وأن يستفيد من التجارب الناجحة ويطورها أو يضيف إليها، مستدركًا ضرورة إقناع الناخبين والحكومات على حد سواء بالأسس الموضوعية لقبول القيود المفروضة على ميل الحكومات الطبيعي إلى تجاوز حدود صلاحياتها. فالاتجاهات الكبرى التي تحكم مجمل التحولات في العالم خلال العقدين المقبلين على الأقل شاهدة على توسّع الاتجاه العالمي للديمقراطية، ومن شأن هذه الاتجاهات أن ترسم ملامح المستقبل للعالم في باقي عقود القرن الحادي والعشرين.

يرى العامري في كتابه هذا أن بروز عصر الغضب والأساليب التي يمكن أن تلجأ إليها الحكومات الديمقراطية لقمع المتظاهرين الغاضبين بقوة، يلقي الضوء على عنصر آخر لمأزق الديمقراطية على المستوى العالمي، مشيرًا إلى أن الغضب الشعبي الذي اجتاح المجتمعات الغربية ليس مرهونًا بالأزمة الاقتصادية العالمية التي لا يزال العالم يعاني تداعياتها منذ أواخر عام 2007، وإن كانت هذه الأزمة قد فاقمت حالة السخط بسبب ما أحدثته من بطالة وتراجع في مستوى الحياة ونقص الدخل الفردي، وتراكم الديون الشخصية، وإنما مصدر ذلك كله هو "توعك" الديمقراطية.

يهدف العامري من هذا الكتاب إلى المساهمة في الحوار الدائر في عدد من البلدان في شأن مستقبل السياسات الديمقراطية، ويفترض فيه أن الديمقراطية تواجه مأزقًا عالميًا بسبب تحولات عالمية كبرى وفواعل كثيرة تدفع باتجاه توسع الديمقراطية، وتعظم نداء الشعوب نحوها، "ولا سيما أن هناك نماذج حكومات تسعى إلى الارتقاء بمثُلها وقيمها، إضافة إلى تراجع الديمقراطية وفق مؤشرات القياس المعتمدة لها، وانتكاساتها وبروز تحديات متعاظمة تنحدر بها إلى نوع من الدكتاتورية والقيصرية، وتحوّل ربيعها إلى شتاء جاف، الأمر الذي أوصلها إلى نقطة تحوّل حادة تنفتح على احتمالين: الأول، ارتدادها وانحسارها، كما حدث في عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته؛ والثاني، السير بها إلى آفاق رحبة تنهض بمؤسساتها وقيمها وجوهرها على نحو يستجيب لعصر ما بعد الصناعة، بشكل يحيي روح المبادئ الديمقراطية التي خبت، ويعيد إلى المواطَنة مفهومها المفقود، وإلى المجتمع السياسي تفاعله الخلاق من أجل أن تصون الديمقراطية للإنسان كرامته".

في الفصل الأول ما الديمقراطية، يبحث العامري في ماهية الديمقراطية، وغموض المفهوم وسيولته، وأبعاد الديمقراطية وعناصرها، ومعايير الديمقراطية ومقاييسها. وبحسبه، ربما يستحيل في العصر الحديث إزالة الغموض والتناقض في الاستعمالات المتعددة للديمقراطية، لأنها تكون راسخة في المفهوم نفسه. وفي اللحظة التي نتفوه فيها بالديمقراطية ونعتقد أنها حميدة، كقولنا "إن الديمقراطية تعني حكم الشعب"، نكون قد أنشأنا تناقضًا. وعلى الرغم من أن الحرية والديمقراطية لا تترادفان، فإنهما غالبًا ما تُستخدمان بالتبادل. فمن المفترض أن تتأسس الديمقراطية لحماية الحرية، إلا أن غموض المفاهيم غالبًا ما يجعل الديمقراطية والحرية مترادفتين.

يناقش العامري في الفصل الثاني التوسع الديمقراطي العالمي الحجج التي تؤيد فرضية التوسع العالمي للديمقراطية، متطرقًا إلى التفضيل الشعبي للديمقراطية، وإلى دور الإنترنت في انتشار الديمقراطية. وهو يرى أن توسع الديمقراطية العالمي بحاجة إلى اقتناع الشعوب في الدول غير الديمقراطية بضرورة تحوّل دولها إلى الديمقراطية، واستعدادها وقدرتها على العمل من أجل تغيير نظم الحكم إلى الديمقراطية، وتوافر ديناميات تخضع الأنظمة غير الديمقراطية من خلالها للقوى الناشطة من أجل التحول نحو الديمقراطية. وتفضل الشعوب الديمقراطية لأنها تروّج فكرة الحرية وتطوير الإنسان وتمثل الوسيلة الأمثل لحماية المصالح الإنسانية المشتركة. كما يبحث المؤلف في هذا الفصل مسألة تمكين الأفراد وفيضان الطبقة الوسطى في مدن مزدحمة، وأدوار الجيوش في التحول الديمقراطي، ويقدم الصين مثالًا على آفاق التوجه المستقبلي نحو الديمقراطية.

يحلل العامري، في الفصل الثالث تحولات الديمقراطية وموجاتها، والتي شهدتها عبر التاريخ، مركزًا على حوادث الربيع العربي ومآلاته، ومتطرقًا إلى الديمقراطية بين نهاية التاريخ ومستقبله، باحثًا في التحولات والموجات المتعددة، وتجارب التحول الديمقراطي في الموجة الثالثة، متسائلًا إن كان الارتداد العكسي موجة ثالثة أم رابعة، وأين مؤدى الربيع العربي، وما العواقب غير المقصودة؟ يكتب: "ربما يقول ملايين من العرب أنه كان من الأفضل ألا تنفجر حوادث الربيع العربي، رغبة في الحفاظ على الأمن الذاتي، وإن كان هذا الأمن ينتقص الكرامة في ظل الاستبداد، بل إن بعض المواطنين العرب - وهذا الكلام كثيرًا ما سمعناه أكثر من عشرة أعوام من سقوط نظام صدام حسين - يؤكد أن شعوب المنطقة بحاجة دومًا إلى دكتاتوريات تحكمها، وأن فشل الربيع العربي جلي، وأن صناديق الانتخاب التي هي من نتائج ثورات الربيع العربي، ستفرز دكتاتوريات، في أفضل الأحوال"، ليستدرك مذكرًا بأن أنظمة الاستبداد لم تكتف بزرع الأفكار التي تروّج لاستمرارها وتكريسها، بل أوجدت عوامل معوقة لعمليات التغيير، ونمّت التخلف على مدى عقود طويلة، ويكفي هذا الربيع أنه أضاف إلى عناصر القوة الموجودة في الجسد العربي قوة جديدة، هي قوة الشارع.

يتطرق المؤلف في الفصل الرابع انتكاسات الديمقراطية في العالم إلى واقع الديمقراطية في مناطق العالم المختلفة وانتكاساتها والتحديات التي تتعرض لها، متناولًا الدكتاتورية العالمية والقيصرية والشعبوية. وهو وجد دلائل موثّقة على دور بارز للمعتقدات الثقافية في إخفاق كثير من الديمقراطيات؛ ففي أفريقيا، تراجع بسهولة ما كان عند النخبة الناشئة من التزامات سطحية بالديمقراطية وحلّت محله نزعات دكتاتورية مع ضغط هائل واجهتها الأنظمة الجديدة. فالسحر ومزاولوه عوّقوا قيام الديمقراطية في جنوب أفريقيا بسبب إيمان عدد كبير من سكان البلاد أن في استطاعة الأشرار أن يستحضروا عن طريق السحر قوى خفية في من يحسدونهم أو يكرهونهم. وسبق السحر ومزاولوه إقامةَ الديمقراطية في جنوب أفريقيا، وفي أثناء التحرك ضد الحكم العنصري في ثمانينيات القرن الماضي، كانت تهمة مزاولة السحر ترافق في الأغلب تهمة العمالة المأجورة للحكم.

يستكشف العامري في الفصل الخامس، شروط ازدهار الديمقراطية، من ناحية عملية، من خلال نماذج حكومات ديمقراطية اجتهدت من أجل الارتقاء بأدائها كي تسعد شعوبها. فيبحث في التمايزات الديمقراطية، دارسًا تجربتي جمهورية التشيك التي رأى فيها ديمقراطية استثنائية تواجه تحدي المخاوف الشعبية، والأوروغواي التي ترسخ التواضع في الديمقراطية، مبينًا الاختلاف بين الديمقراطية الإسكندنافية والديمقراطية الأميركية. فهذا الاختلاف، بحسب الكتاب، يكمن في طبيعة الديمقراطية في كلّ منها، وفي قيمها وحصيلتها؛ فالولايات المتحدة أمة مقسمة طبقيًا على نحو عميق، وهذا التقسيم ليس تقسيمًا اجتماعيًا فحسب، بل تقسيم سياسي أيضًا، فالطبقة الثرية هي نفسها الطبقة الحاكمة، والنظام السياسي الأميركي كرس قواعد اللعبة السياسية بشدة ضد أولئك الذين يملكون ثروة صغيرة، بينما تعتمد عناصر الديمقراطية الإسكندنافية على ممارسات وقيم كثيرة أهمها الشفافية، وتقديم المواطن على المسؤول.

في خاتمة الكتاب، بلوغ نقطة التحوّل، يقول الكاتب إن الديمقراطية وضِعت في مأزق متواصل بسبب التراجع المستمر في نوعيتها. ولهذا التراجع مظاهر وأشكال منوعة، ربما أهمها الشعور بالبون الشاسع الذي يفصل بين ما يجري في البرلمانات وآراء الناس والحياة اليومية. ويتجلى هذا المأزق في تدنّي الثقة بالمؤسسات الديمقراطية، واشتعال الإيمان بالديمقراطية في لحظات الانتصار، "لكن سرعان ما تنطفئ هذه الشعلة؛ فكثيرًا ما بدا في خارج الغرب أن الديمقراطية تتداعى وتنهار، وأن كثيرًا من الدول التي تخلصت من عتاة دكتاتورياتها تعاني الآن الاضطراب والفوضى وانعدام الأمن وتردّي الأوضاع الاقتصادية، كما يحدث في العراق وليبيا ودول عربية أخرى". وبحسب المؤلف في هذه الخاتمة، الفوضى والحرب الأهلية أسوأ من الدكتاتورية والقمع وغياب الحريات، وهذا ما أظهرته الحوادث في العقد المنصرم. ومع تحرر دول من نظم حكمها الاستبدادية، "ارتفع عدد الدول الفاشلة، الأمر الذي يبيّن أن البديل من الدكتاتورية ليس الديمقراطية بالضرورة، وإنما الفوضى في كثير من الأحيان"، كما يقول. وأثبتت تجارب عدة أن إسقاط الطغاة أسهل كثيرًا من إقامة الديمقراطية، بعدما سادت الخشية من أن تنتج هذه الديمقراطية أنظمة مارقة أو تقوي شوكة الجهاديين والإرهابيين.

العثمنة الجديدة

العثمنة الجديدة 

القطيعة في التاريخ الموازي بين العرب والأتراك


جاء الكتاب في مقدمة وثمانية فصول وخاتمة، وقد احتوت المقدمة مجموعةً من التعريفات، إضافةً إلى توضيح إشكالية البحث وأهميته، في حين ضمّ الفصل الأول تحليلًا نقديًا لنظرية العمق الإستراتيجي والجيوستراتيجي بعيدًا من الجانب الجيوتاريخي، ومن ضمن ذلك نقد ظاهرة العثمانيين الجُدد خصوصًا؛ كما جسّدها وزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو في نظريته "العمق الإستراتيجي" ، وانصب الاهتمام في الفصل الثاني على مشروع إحياء "باكس أوثمانيكا".
عالج الفصل الثالث الأطوار الانتقالية للإصلاحات العثمانية، ومفاهيم التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر من جهة ما يتعلق بكيفية تحوُّل الأطوار الانتقالية من العثمنة التاريخية إلى العثمنة الجديدة. أمّا الفصل الرابع، فهو يشمل تحليلًا تاريخيًا لمسألة انبثاق المشروطية العثمانية وتداعياتها على العرب والأتراك الذين بحثوا على نحوٍ مشتركٍ عن حياة دستورية وفق ما كان يجري في أوروبا. 
انتقل الكتاب في الفصل الخامس إلى معالجة ظاهرة الكمالية التركية، بدءًا بالاحتواءات الفكرية والتداعيات التاريخية وما أحدثته في العالم الإسلامي من انقسام فكري وأيديولوجي، مع انحراف الذاكرة الجمعية وحدوث الانقسام العربي إزاء الكمالية بين مؤيِّد ومعارض، في ظلّ غياب أيّ زعامة عربية يُجمع عليها العرب كلُّهم في مقابل أتاتورك الذي وُصف بـ "الذئب الأغبر". 
وفي الفصل السادس درس المؤلف طبيعة الإسلام السياسي التركي الحديث من خلال عدد من أكبر رموز الدعاة والمفكرين الأتراك، بدءًا بالشيخ سعيد النورسي، متحدثًا عن حياته ودوره في عهد أتاتورك، وكذلك محمد عاكف آرصوي، صاحب النشيد الوطني التركي المنبثق من فكره الإسلامي، وصولًا إلى أحمد نجيب فاضل صاحب نظرية الشرق الأعظم، ثمّ إلى اختتام الفصل بالحديث عن محمد فتح الله غولن. 
وفي الفصل السابع جرى درسٌ للمفاهيم والتطبيقات واعتناءٌ بالعثمنة الجديدة؛ من خلال التساؤل عن مفهومها المعاصر وطبيعة التحول الإستراتيجي في تركيا المعاصرة، وكيفية توظيف الإسلام السياسي التركي للعثمنة الجديدة، في حين عالج الفصل الثامن تركيا في ظل الإسلاميين (من الرفاه إلى الفضيلة، فالعدالة والتنمية والمشكلة الكردية)، ونقرأ فيه تحليلًا لتفكير أربكان إزاء تركيا والمستقبل، ومقارنةً بين الرفاهيين والإسلاميين والعلمانيين. ويتوقف الفصل عند تركيا في ما يخص متغيراتها بعد أربكان مع بروز ثلاثة زعماء جُدد كان اللامع بينهم أردوغان الذي عُدَّ رجل تركيا الجديد. أمّا الخاتمة، فقد ضمت جملةً من نتائج البحث، ودروسًا مستخلصةً من ثنايا مدخلات الكتاب وفصوله. 
- See more at: https://bookstore.dohainstitute.org/p-710.aspx#sthash.hx7mUFXE.dpuf


من موقع المركز العربي للأبحاث

جاء الكتاب في مقدمة وثمانية فصول وخاتمة، وقد احتوت المقدمة مجموعةً من التعريفات، إضافةً إلى توضيح إشكالية البحث وأهميته، في حين ضمّ الفصل الأول تحليلًا نقديًا لنظرية العمق الإستراتيجي والجيوستراتيجي بعيدًا من الجانب الجيوتاريخي، ومن ضمن ذلك نقد ظاهرة العثمانيين الجُدد خصوصًا؛ كما جسّدها وزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو في نظريته "العمق الإستراتيجي" ، وانصب الاهتمام في الفصل الثاني على مشروع إحياء "باكس أوثمانيكا".
عالج الفصل الثالث الأطوار الانتقالية للإصلاحات العثمانية، ومفاهيم التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر من جهة ما يتعلق بكيفية تحوُّل الأطوار الانتقالية من العثمنة التاريخية إلى العثمنة الجديدة. أمّا الفصل الرابع، فهو يشمل تحليلًا تاريخيًا لمسألة انبثاق المشروطية العثمانية وتداعياتها على العرب والأتراك الذين بحثوا على نحوٍ مشتركٍ عن حياة دستورية وفق ما كان يجري في أوروبا.
انتقل الكتاب في الفصل الخامس إلى معالجة ظاهرة الكمالية التركية، بدءًا بالاحتواءات الفكرية والتداعيات التاريخية وما أحدثته في العالم الإسلامي من انقسام فكري وأيديولوجي، مع انحراف الذاكرة الجمعية وحدوث الانقسام العربي إزاء الكمالية بين مؤيِّد ومعارض، في ظلّ غياب أيّ زعامة عربية يُجمع عليها العرب كلُّهم في مقابل أتاتورك الذي وُصف بـ "الذئب الأغبر".
وفي الفصل السادس درس المؤلف طبيعة الإسلام السياسي التركي الحديث من خلال عدد من أكبر رموز الدعاة والمفكرين الأتراك، بدءًا بالشيخ سعيد النورسي، متحدثًا عن حياته ودوره في عهد أتاتورك، وكذلك محمد عاكف آرصوي، صاحب النشيد الوطني التركي المنبثق من فكره الإسلامي، وصولًا إلى أحمد نجيب فاضل صاحب نظرية الشرق الأعظم، ثمّ إلى اختتام الفصل بالحديث عن محمد فتح الله غولن.
وفي الفصل السابع جرى درسٌ للمفاهيم والتطبيقات واعتناءٌ بالعثمنة الجديدة؛ من خلال التساؤل عن مفهومها المعاصر وطبيعة التحول الإستراتيجي في تركيا المعاصرة، وكيفية توظيف الإسلام السياسي التركي للعثمنة الجديدة، في حين عالج الفصل الثامن تركيا في ظل الإسلاميين (من الرفاه إلى الفضيلة، فالعدالة والتنمية والمشكلة الكردية)، ونقرأ فيه تحليلًا لتفكير أربكان إزاء تركيا والمستقبل، ومقارنةً بين الرفاهيين والإسلاميين والعلمانيين. ويتوقف الفصل عند تركيا في ما يخص متغيراتها بعد أربكان مع بروز ثلاثة زعماء جُدد كان اللامع بينهم أردوغان الذي عُدَّ رجل تركيا الجديد. أمّا الخاتمة، فقد ضمت جملةً من نتائج البحث، ودروسًا مستخلصةً من ثنايا مدخلات الكتاب وفصوله.
 

 

Download - MediaFire 

جاء الكتاب في مقدمة وثمانية فصول وخاتمة، وقد احتوت المقدمة مجموعةً من التعريفات، إضافةً إلى توضيح إشكالية البحث وأهميته، في حين ضمّ الفصل الأول تحليلًا نقديًا لنظرية العمق الإستراتيجي والجيوستراتيجي بعيدًا من الجانب الجيوتاريخي، ومن ضمن ذلك نقد ظاهرة العثمانيين الجُدد خصوصًا؛ كما جسّدها وزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو في نظريته "العمق الإستراتيجي" ، وانصب الاهتمام في الفصل الثاني على مشروع إحياء "باكس أوثمانيكا".
عالج الفصل الثالث الأطوار الانتقالية للإصلاحات العثمانية، ومفاهيم التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر من جهة ما يتعلق بكيفية تحوُّل الأطوار الانتقالية من العثمنة التاريخية إلى العثمنة الجديدة. أمّا الفصل الرابع، فهو يشمل تحليلًا تاريخيًا لمسألة انبثاق المشروطية العثمانية وتداعياتها على العرب والأتراك الذين بحثوا على نحوٍ مشتركٍ عن حياة دستورية وفق ما كان يجري في أوروبا. 
انتقل الكتاب في الفصل الخامس إلى معالجة ظاهرة الكمالية التركية، بدءًا بالاحتواءات الفكرية والتداعيات التاريخية وما أحدثته في العالم الإسلامي من انقسام فكري وأيديولوجي، مع انحراف الذاكرة الجمعية وحدوث الانقسام العربي إزاء الكمالية بين مؤيِّد ومعارض، في ظلّ غياب أيّ زعامة عربية يُجمع عليها العرب كلُّهم في مقابل أتاتورك الذي وُصف بـ "الذئب الأغبر". 
وفي الفصل السادس درس المؤلف طبيعة الإسلام السياسي التركي الحديث من خلال عدد من أكبر رموز الدعاة والمفكرين الأتراك، بدءًا بالشيخ سعيد النورسي، متحدثًا عن حياته ودوره في عهد أتاتورك، وكذلك محمد عاكف آرصوي، صاحب النشيد الوطني التركي المنبثق من فكره الإسلامي، وصولًا إلى أحمد نجيب فاضل صاحب نظرية الشرق الأعظم، ثمّ إلى اختتام الفصل بالحديث عن محمد فتح الله غولن. 
وفي الفصل السابع جرى درسٌ للمفاهيم والتطبيقات واعتناءٌ بالعثمنة الجديدة؛ من خلال التساؤل عن مفهومها المعاصر وطبيعة التحول الإستراتيجي في تركيا المعاصرة، وكيفية توظيف الإسلام السياسي التركي للعثمنة الجديدة، في حين عالج الفصل الثامن تركيا في ظل الإسلاميين (من الرفاه إلى الفضيلة، فالعدالة والتنمية والمشكلة الكردية)، ونقرأ فيه تحليلًا لتفكير أربكان إزاء تركيا والمستقبل، ومقارنةً بين الرفاهيين والإسلاميين والعلمانيين. ويتوقف الفصل عند تركيا في ما يخص متغيراتها بعد أربكان مع بروز ثلاثة زعماء جُدد كان اللامع بينهم أردوغان الذي عُدَّ رجل تركيا الجديد. أمّا الخاتمة، فقد ضمت جملةً من نتائج البحث، ودروسًا مستخلصةً من ثنايا مدخلات الكتاب وفصوله. 
- See more at: https://bookstore.dohainstitute.org/p-710.aspx#sthash.hx7mUFXE.dpuf
جاء الكتاب في مقدمة وثمانية فصول وخاتمة، وقد احتوت المقدمة مجموعةً من التعريفات، إضافةً إلى توضيح إشكالية البحث وأهميته، في حين ضمّ الفصل الأول تحليلًا نقديًا لنظرية العمق الإستراتيجي والجيوستراتيجي بعيدًا من الجانب الجيوتاريخي، ومن ضمن ذلك نقد ظاهرة العثمانيين الجُدد خصوصًا؛ كما جسّدها وزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو في نظريته "العمق الإستراتيجي" ، وانصب الاهتمام في الفصل الثاني على مشروع إحياء "باكس أوثمانيكا".
عالج الفصل الثالث الأطوار الانتقالية للإصلاحات العثمانية، ومفاهيم التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر من جهة ما يتعلق بكيفية تحوُّل الأطوار الانتقالية من العثمنة التاريخية إلى العثمنة الجديدة. أمّا الفصل الرابع، فهو يشمل تحليلًا تاريخيًا لمسألة انبثاق المشروطية العثمانية وتداعياتها على العرب والأتراك الذين بحثوا على نحوٍ مشتركٍ عن حياة دستورية وفق ما كان يجري في أوروبا. 
انتقل الكتاب في الفصل الخامس إلى معالجة ظاهرة الكمالية التركية، بدءًا بالاحتواءات الفكرية والتداعيات التاريخية وما أحدثته في العالم الإسلامي من انقسام فكري وأيديولوجي، مع انحراف الذاكرة الجمعية وحدوث الانقسام العربي إزاء الكمالية بين مؤيِّد ومعارض، في ظلّ غياب أيّ زعامة عربية يُجمع عليها العرب كلُّهم في مقابل أتاتورك الذي وُصف بـ "الذئب الأغبر". 
وفي الفصل السادس درس المؤلف طبيعة الإسلام السياسي التركي الحديث من خلال عدد من أكبر رموز الدعاة والمفكرين الأتراك، بدءًا بالشيخ سعيد النورسي، متحدثًا عن حياته ودوره في عهد أتاتورك، وكذلك محمد عاكف آرصوي، صاحب النشيد الوطني التركي المنبثق من فكره الإسلامي، وصولًا إلى أحمد نجيب فاضل صاحب نظرية الشرق الأعظم، ثمّ إلى اختتام الفصل بالحديث عن محمد فتح الله غولن. 
وفي الفصل السابع جرى درسٌ للمفاهيم والتطبيقات واعتناءٌ بالعثمنة الجديدة؛ من خلال التساؤل عن مفهومها المعاصر وطبيعة التحول الإستراتيجي في تركيا المعاصرة، وكيفية توظيف الإسلام السياسي التركي للعثمنة الجديدة، في حين عالج الفصل الثامن تركيا في ظل الإسلاميين (من الرفاه إلى الفضيلة، فالعدالة والتنمية والمشكلة الكردية)، ونقرأ فيه تحليلًا لتفكير أربكان إزاء تركيا والمستقبل، ومقارنةً بين الرفاهيين والإسلاميين والعلمانيين. ويتوقف الفصل عند تركيا في ما يخص متغيراتها بعد أربكان مع بروز ثلاثة زعماء جُدد كان اللامع بينهم أردوغان الذي عُدَّ رجل تركيا الجديد. أمّا الخاتمة، فقد ضمت جملةً من نتائج البحث، ودروسًا مستخلصةً من ثنايا مدخلات الكتاب وفصوله. 
- See more at: https://bookstore.dohainstitute.org/p-710.aspx#sthash.hx7mUFXE.dpuf
جاء الكتاب في مقدمة وثمانية فصول وخاتمة، وقد احتوت المقدمة مجموعةً من التعريفات، إضافةً إلى توضيح إشكالية البحث وأهميته، في حين ضمّ الفصل الأول تحليلًا نقديًا لنظرية العمق الإستراتيجي والجيوستراتيجي بعيدًا من الجانب الجيوتاريخي، ومن ضمن ذلك نقد ظاهرة العثمانيين الجُدد خصوصًا؛ كما جسّدها وزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو في نظريته "العمق الإستراتيجي" ، وانصب الاهتمام في الفصل الثاني على مشروع إحياء "باكس أوثمانيكا".
عالج الفصل الثالث الأطوار الانتقالية للإصلاحات العثمانية، ومفاهيم التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر من جهة ما يتعلق بكيفية تحوُّل الأطوار الانتقالية من العثمنة التاريخية إلى العثمنة الجديدة. أمّا الفصل الرابع، فهو يشمل تحليلًا تاريخيًا لمسألة انبثاق المشروطية العثمانية وتداعياتها على العرب والأتراك الذين بحثوا على نحوٍ مشتركٍ عن حياة دستورية وفق ما كان يجري في أوروبا. 
انتقل الكتاب في الفصل الخامس إلى معالجة ظاهرة الكمالية التركية، بدءًا بالاحتواءات الفكرية والتداعيات التاريخية وما أحدثته في العالم الإسلامي من انقسام فكري وأيديولوجي، مع انحراف الذاكرة الجمعية وحدوث الانقسام العربي إزاء الكمالية بين مؤيِّد ومعارض، في ظلّ غياب أيّ زعامة عربية يُجمع عليها العرب كلُّهم في مقابل أتاتورك الذي وُصف بـ "الذئب الأغبر". 
وفي الفصل السادس درس المؤلف طبيعة الإسلام السياسي التركي الحديث من خلال عدد من أكبر رموز الدعاة والمفكرين الأتراك، بدءًا بالشيخ سعيد النورسي، متحدثًا عن حياته ودوره في عهد أتاتورك، وكذلك محمد عاكف آرصوي، صاحب النشيد الوطني التركي المنبثق من فكره الإسلامي، وصولًا إلى أحمد نجيب فاضل صاحب نظرية الشرق الأعظم، ثمّ إلى اختتام الفصل بالحديث عن محمد فتح الله غولن. 
وفي الفصل السابع جرى درسٌ للمفاهيم والتطبيقات واعتناءٌ بالعثمنة الجديدة؛ من خلال التساؤل عن مفهومها المعاصر وطبيعة التحول الإستراتيجي في تركيا المعاصرة، وكيفية توظيف الإسلام السياسي التركي للعثمنة الجديدة، في حين عالج الفصل الثامن تركيا في ظل الإسلاميين (من الرفاه إلى الفضيلة، فالعدالة والتنمية والمشكلة الكردية)، ونقرأ فيه تحليلًا لتفكير أربكان إزاء تركيا والمستقبل، ومقارنةً بين الرفاهيين والإسلاميين والعلمانيين. ويتوقف الفصل عند تركيا في ما يخص متغيراتها بعد أربكان مع بروز ثلاثة زعماء جُدد كان اللامع بينهم أردوغان الذي عُدَّ رجل تركيا الجديد. أمّا الخاتمة، فقد ضمت جملةً من نتائج البحث، ودروسًا مستخلصةً من ثنايا مدخلات الكتاب وفصوله. 
- See more at: https://bookstore.dohainstitute.org/p-710.aspx#sthash.hx7mUFXE.dpuf

الأحد، 4 يونيو، 2017

أصول النظام السياسي

أصول النظام السياسي

من عصور ما قبل الإنسان إلى الثورة الفرنسية



نقلا عن موقع منتدى العلاقات العربية والدولية
مراجعة محمد عبد العزيز

أصدر منتدى العلاقات العربية والدولية ترجمة الكتاب الموسوعي لفوكوياما بجزأيه-أصول النظام السياسي: من عصور ما قبل الإنسان إلى الثورة الفرنسية، والنظام السياسي والانحطاط السياسي: من الثورة الصناعية إلى عولمة الديمقراطية- قبل صدور ترجمته إلى الفرنسية أو الألمانية أو الإسبانية أو أية لغة حية أخرى.
ينظر الكتاب بجزأيه إلى الأصول التاريخية للمؤسسات السياسية وعملية الانحطاط السياسي، فيتناول المجلد الأول، الذي نقوم بعرضه في هذا المقال، التطور السياسي من عصور ما قبل الإنسان حتى قيام الثورتين الفرنسية والأميركية تقريباً، ويدور بالضرورة حول الماضي- بل لا يبدأ حقيقةً بالتاريخ الإنساني المسجل وإنما بأسلاف الجنس البشري من الثدييات الرئيسة. وتتناول الأجزاء الأربعة الأولى منه مرحلة ما قبل التاريخ الإنساني، وأصول الدولة، وحكم القانون، وأخيراً الحكومة الخاضعة للمحاسبة.
الفكرة الأساسية التي يجادل عنها فوكوياما في بداية الكتاب أن المؤسسات مهمة، وأن الدول الفقيرة ليست فقيرة في الموارد، بل فقيرة لأنها تفتقد المؤسسات السياسية الفعالة، لذلك نحتاج إلى فهم كيفية ظهور تلك المؤسسات وتطورها، وكيف بلغت الدانمرك شكلها السياسي الحالي وظلت الصومال بشكلها الحالي أيضاً. لا تشرح الأسباب الأحادية هذه الظاهرة، الإجابة التي يقدمها فوكوياما هي المؤسسات وتطورها. ونظراً لأن المؤسسات السياسية تأخذ وقتاً طويلاً لتتطور وترتقي، في هذا الوقت الذي تبلورت فيه الأشكال السياسية الحديثة كان أحد أعراضه الجانبية فقدان للذاكرة التاريخية فيما يتعلق بكيفية وصول تلك المجتمعات إلى تلك النقطة أصلاً. يهدف الكتاب إلى ملء بعض الفجوات في هذا الفقدان التاريخي للذاكرة عبر تبيان مصادر المؤسسات السياسية الأساس في مجتمعات تسلم اليوم بداهةً بوجودها. وتقع المؤسسات المعنية في ثلاث فئات: الدولة، وحكم القانون، والحكومة الخاضعة للمحاسبة/ المساءلة.
وبهذا يتضح التساؤل الأساسي للكتاب، وهو كيف استطاع أي مجتمع تحقيق هذا التحول من المجتمع القبلي إلى المجتمع على مستوى الدولة؟ وكيف ارتقت حقوق الملكية الحديثة، وكيف ظهرت أصلا الأنظمة القضائية/القانونية الرسمية؟ مع رغبة فوكوياما في دراسة مرحلة ما قبل التاريخ تحديداً بقدر معتبر من التوضيح.
لذلك يقسم الكتاب إلى خمسة أجزاء: الجزء الأول يهتم فيه بما قبل الدولة، والجزء الثاني يفصل مسألة بناء الدولة، وفي الجزء الثالث يتحدث عن حكم القانون، وفي الجزء الرابع يتحدث عن الحكومة الخاضعة للمحاسبة، ثم ينهي الكتاب في الجزء الخامس بطرح نظرية في التطور السياسي والانحطاط السياسي. في كثير من الكتابات التاريخية حول الموضوع اتسمت بما يسمى “تعاقب حادث لعين إثر آخر”، دون محاولة استخلاص قواعد عامة، مع الابتعاد المتعمد عن التعميم أو استخلاص نظريات سببية يمكن تطبيقها في شروط وأحوال أخرى. تلك بالتأكيد أبعد ما تكون عن مقاربة فوكوياما التي تقارن وتعمم عبر مختلف الحضارات والحقب الزمنية.
يغطي الكتاب عدداً كبيراً من المجتمعات والحقب التاريخية، ويستخدم مواد من فروع معرفية تقع خارج تخصص المؤلف، بما في ذلك علوم الأناسة والاقتصاد والأحياء. في عمل بحثي واسع النطاق كهذا سيدرك القارئ أن كتابة هذا الكتاب تمت بحرفية شديدة، تم فيها تضفير أدبيات علم الاجتماع والتاريخ والاقتصاد، ليخرج هذا الكتاب بهذا الشكل. ويتضح أيضاً صعوبة كتابة عرض واف لهذا الكتاب الدسم بسبب الأفكار المتشابكة على طول خط الكتاب، والتي تحتاج إلى القراءة المفصلة في الكتاب مدعومة بالأرقام والأحداث التاريخية، تجريد الكتاب من حججه خلال عملية العرض يفقده أحد أسباب أهميته.
من بواعث تفكير فوكوياما في كتابة مثل هذا العمل في مجلدين يبحث فيهم أصول النظام السياسي، هو تطوير كتاب أستاذه صمويل هنتنغتون النظام السياسي لمجتمعات متغيرة[1]، الصادر عام 1968، حيث استجدت الكثير من الأحداث منذ 1968 مثل بروز دول شرق آسيا كقوة اقتصادية، وانهيار الشيوعية العالمية، وتسارع وتيرة العولمة، وبداية “الموجة الثالثة” من الدمقرطة في السبعينيات، مثل هذه الأفكار جعلت من تطوير عمل هنتنغتون ضرورة معرفية.
ما قبل الدولة
في الجزء الأول من الكتاب يحاول فوكوياما القيام بنقاش نظري حول حالة الفطرة أو ما قبل نشأة المجتمعات، ووضع الإنسان قبل وجود مظلة الدولة أو القبيلة. وفي هذه الفصول نجد مراجعة لأدبيات التراث السياسي الغربي في نصوص هوبز ولوك وروسو. والذي يميل إليه فوكوياما هو فكرة أرسطو عن كون الإنسان كائناً سياسياً بطبعه، اللافت في النظر في النقاش النظري في هذا الفصل هو مقارنة آراء هوبز ولوك وروسو بآراء علم الثدييات الرئيسية وعلم وراثيات السكان المعاصرة، بحيث يتم عرض تلك الآراء مقارنة بينها وبين الأبحاث العلمية. ومن أمثلة ردود النظريات العلمية الحديثة حول  ما يسمى “مغالطة هوبز” هو عدم وجود ما يسمى بحالة الفطرة، كان الجنس البشري فيها أفراداً معزولين، يعتبرون المجتمع حالة غير طبيعية. في هذا الفصل عودة لعلم الأحياء ومحاولة لدراسة سياسات الشمبانزي وصلتها بالتطور السياسي البشري. وهناك نقد لأطروحة أن الدين هو أساس العنف والشقاق الاجتماعي، بل على العكس اعتبره أحد مصادر التماسك الاجتماعي الذي يتيح تعاون البشر على نطاق أوسع. يتتبع فوكوياما أيضاً قضية الهجرة إلى قارات العالم التي بدأها الإنسان الأول من أفريقيا، ثم الجدالات في علم الإناسة في أصل المجتمعات، والتحول من الأسرة أو العصبة إلى القبيلة، كوحدة سياسية قبل الدولة، وهذا التنظير في علم الإناسة سبقه نقاشات نظرية حول أصول المؤسسات الإنسانية المبكرة، منذ كتاب روسو خطاب حول أصل التفاوت وأساسه بين البشر، ثم كتاب مورغان المجتمع القديم والذي استخدمه إنجلز معاون ماركس في ابتكار أشهر نظرية تطور في الأزمنة الحديثة في الشيوعية، الدافع الثاني المهم حول التنظير حول التطور السياسي المبكر كان كتاب تشارلز داروين حول أصل الأنواع، الذي تلقفه بعض العلماء نظرية التطور ليجعلوها أساساً لنظرية التطور الاجتماعية والتي بدأت مع هربرت سبنسر، مع ما أنتجته هذه النظريات الارتقائية من تبرير للعنصرية والاستعمار في القرن الماضي.
في هذا الجزء يعود فوكوياما لكتابات علم الإناسة والأحياء وبعض نظريات علم الاجتماع في تفسير نشأة الاجتماع الإنساني الأول، محاولاً الوصول إلى مفاهيم أكثر تفسيرية من المعتاد عليها. هناك شرح لبنية القبيلة وطبيعة العدالة في تلك المجتمعات، ونقاط قوة تلك المجتمعات القبلية وضعفها، لكنه يوظف مفهوم القبيلة في عالم السياسة المعاصرة عبر إعطائها معنى واسعاً. وأعطى مثالاً على ذلك بالهند، فهي تتمتع بديمقراطية ناجحة منذ قيام دولتها عام 1947، لكن السياسيين الهنود ما زالوا يعتمدون إلى أبعد الحدود على روابط الراعي- الزبون الشخصانية للوصول إلى البرلمان. في بعض الأحيان تكون هذه الروابط قبلية بالمعنى الدقيق للكلمة؛ لأن القبلية لا تزال موجودة في بعض المناطق الفقيرة والأقل تطوراً في الدولة. في أحيان أخرى يتأسس الدعم على أرضية النظام الطبقي أو الطائفي.
بناء الدولة أو قصة الصين
في الجزء الثاني من الكتاب يركز المؤلف على البعد السياسي لتطور مؤسسات الحكم وارتقائها، مؤكداً أن المؤسسات السياسية الحديثة ظهرت قبل قيام الثورة الصناعية والاقتصاد الرأسمالي الحديث بعهود طويلة في التاريخ الإنساني. فكثير من العناصر التي نعتبرها اليوم جزءاً من الدولة الحديثة كان في الواقع قائماً للتو في الصين في القرن الثالث قبل الميلاد، أي قبل حوالي ألف وثمانمئة عام من ظهور الدولة الحديثة في أوربا. لهذا السبب يبدأ فوكوياما روايته عن ظهور الدولة في الجزء الثاني من الكتاب الحالي بالصين. وكما تنزع نظريات التحديث الكلاسيكية إلى اعتبار التطور الأوربي معياراً قياسياً، وتسأل لِمَ انحرفت باقي المجتمعات عنه، يأخذ الصين أنموذجاً عن تشكل الدولة ويسأل لِمَ لم تستنسخ الحضارات الأخرى المسار الذي اختطته الصين لنفسها؟
حاول فوكوياما أن يقص قصة الدولة في الصين، من القبيلة الصينية إلى الدولة الموحدة، وتحدث عن انتشار النظام الإقطاعي وطبيعة السلطة السياسية. أثناء التتبع التاريخي لتاريخ سلالات الأسر والإمبراطوريات، عقد مقارنات بين نشأة الأنظمة المختلفة في الصين ونظيراتها في أماكن مختلفة حول العالم، فالإقطاع في الصين اختلف عن إقطاع أوربا العصور الوسطى، وما أنتجه النظام العسكري والجنرالات في الجيش الصيني لم يكن يماثل النظام الروماني، والنخب الصينية وطبيعة الارستقراطية كانت مختلفة عن تطور العديد من الارستقراطيات والنخب في أماكن أخرى في العالم. هناك تماثل في بعض المراحل التاريخية مثل غزو قبائل “جو” إمبراطورية مستقرة، وهو ما يذكرنا بغزو القبائل الجرمانية الإمبراطورية الرومانية، لكن التنافس العسكري داخل الصين سرع من وتيرة اتخاذها شكل دولة لها مؤسسة بيروقراطية عريقة. أما على مستوى الأفكار فقد كان الصراع بين المدرسة القانونية والكنفوشيوسية سمة أساسية في التاريخ الفكري للصين، هناك تفسير لتطور الطاوية ديانة الشعب، وأن الابتكارات المؤسسية كانت أحد نتائج الحروب المستمرة.
 أحد الأسئلة التاريخية التي طرحها أيضاً هو لماذا تعزز نظام الدولة متعدد الأقطاب في صين القرن الثالث قبل الميلاد ضمن امبراطورية كبرى واحدة في نهاية المطاف، بينما لم يتوحد نظام الدولة الأوربية على نفس الشاكلة. فلم تظهر أبداً دولة أوربية واحدة مهيمنة مثل الصين؟ هناك عدة تفسيرات ممكنة لذلك، قد تكون الجغرافيا من أهم الأسباب، والعامل الثاني هو التجانس الثقافي الذي لم يحدث في أوربا وحدث في الصين، فضلاً عن المسارات السياسية المختلفة التى اختطها التطور السياسي في تاريخ أوربا والصين، مثل قيام حكومات مستبدة في الصين استطاعت توحيد تلك الرقعة الضخمة، بينما لم توجد مثيلتها في أوربا.
يستمر فوكوياما في استعراض تطور الصين السياسي، فالصين أول حضارة في العالم تخلق دولة حديثة. لكنها خلقت دولة حديثة لا يقيدها حكم قانون، ولا تحد مؤسسات المساءلة والمحاسبة فيها من سلطة الحاكم. المسؤولية الوحيدة في النظام الصيني كانت أخلاقية.
المنعطف الهندي
اختط التطور السياسي في الصين مساراً مختلفاً جذرياً عن نظيره الهندي. في أحيان كثيرة، يجري الجمع بين هذين المجتمعين على اعتبار أنهما حضارتان “آسيويتان” أو “شرقيتان”. لكن في حين أظهرت الحضارتان بعض التشابهات الأولية، كان مسار التطور اللاحق لكل منهما شديد الاختلاف. فالوضع السياسي الصيني الصحيح على امتداد الألفيتين الماضيتين كان وجود دولة بيروقراطية مركزية تتخللها فترات تفكك وانحطاط؛ بينما اتسم الوضع السياسي الهندي بوجود سلسلة ممالك وإمارات مفككة ومتناحرة، تتخللها فترات قصيرة من الوحدة السياسية. إقامة نظام حكم استبدادي كانت على الدوام أمراً بالغ الصعوبة في السياسة الهندية. السبب في ذلك يكمن في عالم الدين والأفكار، كما يوضح الكتاب.
في دراسته لتطور الأنظمة السياسية يتتبع فوكوياما تطور المؤسسات في الصين ثم يتتبع النظام الهندي، وينتقل بعدها لدراسة النظام السياسي في التاريخ الإسلامي، ابتداء من خروج المسلمين من القبيلة والمماليك، إلى حسن أداء الدولة العثمانية وأسباب انحطاطها.
الدولة الإسلامية من النهوض إلى السقوط
يستكمل فوكوياما في الجزء الثاني من الكتاب ما بدأه بدراسة تطور مؤسسات الدولة، وفي دراسته للتاريخ الإسلامي يبدأ من تطور نظام الانكشارية في الدولة العثمانية، والذي يبحث له عن جذور في تاريخ الدولة العباسية، بإدخال العناصر غير العربية مثل الشعوب التركية وغيرها إلى مؤسسة الإدارة الإسلامية.
حاولت الدولة الإسلامية التي نشأت في الجزيرة العربية أن تتحرر من سلطة القبيلة إلى مفهوم أعم وأشمل. هذا التطور الأيديولوجي كان حيوياً في وضع أسس دولة مختلفة عن مجتمع مقسم ومتنازع داخلياً. لكنه يقرأ تاريخ العباسيين والمماليك والعثمانيين باعتبارها دولاً اعتمدت على نظام الرق العسكري. قد يختلف القارئ مع فوكوياما في قراءته لمسار التاريخ الإسلامي، خصوصاً رؤيته السياسية لتطور الأحداث التاريخية التي شكلت الدولة الإسلامية الأولى، واعتماده كثيراً على فكرة القبيلة والنسب، هذه الرؤية التي جعلته يرى أبا بكر مؤهلاً للخلافة لأنه على علم بالأنساب، وكذلك رؤيته للخوارج أنهم المجموعة الإسلامية التي استخلصت أكثر النتائج منطقية من تعاليم النبي، ويستدل بعد ذلك برؤية الخوارج السياسية للحكم.
يحاول فوكوياما اعتماد تفسير وجود مؤسسة الرق العسكري كأساس قامت عليه ثلاث إمبراطوريات إسلامية: أولها الإمبراطورية الغزنوية، ثم المماليك، ثم العثمانيون، لكن في الحالتين الغزنوية والمملوكية المصرية، انحدرت مؤسسة الرق العسكري لأن القرابة لعبت دوراً في إفشالها، مع فشل المماليك في البقاء تحت الحكم المدني، بالإضافة إلى عدم وجود آلية حكم ممأسسة على نحو جيد داخل الأخوية المملوكية نفسها، لكن تجربة العثمانيين نجحت بسبب إبقائهم القوات العسكرية تحت سيطرة إدارة مدنية حازمة، لكنهم انحدروا أيضاً مع ظهور مبدأ الوراثة في أواخر القرن السابع عشر.
يكمل فوكوياما القراءة الفاحصة لبناء النظام السياسي في الدولة المملوكية ثم انهياره بشرح يوضح فيه بذور القوة في النظام المملوكي وعوامل ضعفه. هناك تتبع بعد ذلك لتركيز الدولة العثمانية السلطة في يدها بطريقة استعصت على الملوك الأوربيين، مع تطوير نظام الرق العسكري على نحو أفضل من المماليك، ثم يقدم قراءته لأسباب انحطاط النظام العثماني وكيف أصبح الرق العسكري طريقاً تطورياً مسدوداً.
ثمة ملاحظة منهجية نبه إليها المترجم وهي مثال على تأثر الترجمة بأيديولوجية المترجم، ففصول فوكوياما الثلاثة الباحثة في التراث المؤسسي الإسلامي تتكئ بقوة على أعمال ترجمها ديفيد عيالون وبرنارد لويس، وهما مستعربان صهيونيان.
بعد دراسته تشكل مؤسسات الدولة من المجتمعات القبلية في ثلاث مناطق (الصين-الهند-الشرق الأوسط)، وقبل أن يبدأ في دراسة تطور حكم القانون، يعود إلى السبب في الخروج الأوربي من إطار القرابة ونهوض الاقطاع بديلاً لمفهوم القرابة، وكيف دمرت الكنيسة الكاثوليكية جماعات القرابة الموسعة، مع ملاحظة اختلاف تاريخ تطور العائلة في الغرب عنه في بعض المناطق في العالم ويشرح خطأ تصور ماركس لهذه المسألة كما عبر عنه في البيان الشيوعي.
حكم القانون
بعد أن تحدث الكاتب عن ما قبل الدولة والتطور السياسي المتعلق ببناء الدولة، وقدرة الدولة على تركيز السلطة واستخدامها، ينتقل بعدها إلى الحديث عن انبثاق ما يسمى “حكم القانون”، فهو مكون منفصل عن النظام السياسي يضع حدوداً مقيدة لسلطة الدولة. لذلك يتعايش بناء الدولة وقضية حكم القانون في حالة من التوتر المتبادل. لعل هذا الداء في بناء الدولة يمثل أخطر العيوب السياسية في البلدان النامية، فالسلطة العسكرية والسلطة الضريبية تبثق بشكل طبيعي من غرائز الطمع الأساسية لدى البشر، وتثبيت مفهوم حكم القانون لدى كل النخب في الدول هو ما يجعل من ديمقراطية ما ديمقراطية أقرب إلى العدالة عن أماكن يمارس فيها النظام الديمقراطي بشكله الانتخابي، لكن مع وجود عوار كبير في تطبيق القانون مثل ديمقراطية أميركا اللاتينية، وديمقراطية روسيا الاتحادية مع تمتع بعض النخب بحصانة ضد القانون.
في استعراضه لحكم القانون، يدرس حالة الهند والعالم الإسلامي وأوربا في العصور الوسطى مع إلقاء نظرة على التجربة الصينية، ينتقل فوكوياما في كل فصل إلى عمليات مقارنة مستمرة ليستخلص ما يمكن أن يكون نظرية متوسطة المدى، تتجنب مزالق التجريد المفرط (وهو عيب الاقتصاديين)، والتخصيص المفطرط (وهو مشكلة العديد من المؤرخين وعلماء الإناسة).
المحاسبة السياسية
تعني الحكومة الخاضعة للمحاسبة اعتقاد الحكام بأنهم مسؤولون أمام الشعب الذي يحكمونه، ويضعون مصالحه فوق مصلحتهم. مؤسسات المحاسبة السياسية هي الركن الثالث في النظام السياسي كما يتخيله فوكوياما، لا ريب في أن المحاسبة الرسمية عملية إجرائية: توافق الحكومة على إخضاع نفسها لآليات معينة تحد من سلطتها وقدرتها على فعل ما تشاء. في نهاية المطاف، تتيح هذه الإجراءات (التي تنص عليها الدساتير عادة) للمواطنين في المجتمع استبدال الحكومة برمتها بسبب التجاوزات، أو عدم الكفاءة، أو سوء استخدام السلطة. ويتمثل اليوم الشكل المهيمن للمحاسبة الإجرائية في الانتخابات، ويفضل أن تكون متعددة الأحزاب مع حق شامل في الاقتراع للبالغين. لكن المحاسبة الإجرائية لا تقتصر على الانتخابات. في إنكلترا، قدمت المطالب المبكرة بحكومة تخضع للمحاسبة والمساءلة باسم القانون، الذي اعتقد المواطنون أن على الملك طاعته. وكان أهم قانون هو القانون العام، الذي صاغ معظمه في تلك المرحلة قضاة غير منتخبين، إضافة إلى قوانين تشريعية أجازها برلمان منتخب على أساس حق الاقتراع المقيد. وهكذا، لم تكن الأشكال المبكرة من المحاسبة السياسية مسؤولة أمام الشعب ككل، بل أمام جملة تقليدية من القوانين التي عدت ممثلة لإجماع المجتمع، لهذا السبب أستعمل تعبير “المحاسبة” بدلاً من “الديمقراطية” في هذا القسم من الكتاب.
يقول فوكوياما: “من لا يعرف سوى بلد واحد يجهل البلدان كلها”، لذلك يقدم تجارب أربع نتائج لبناء الدولة الأوربية وبعض الأسباب التي جعلت هذه النتائج تتشعب وتفترق، ابتداء بنموذج الدولة المستبدة الضعيفة والمستبدة الناجحة، والدولة الأوليجاركية الفاشلة، والحكومة الخاضعة للمحاسبة، مقدماً مثالاً لكل نموذج بدول أوربية وتجربتها مع المحاسبة، مع إضافة النماذج غير الغربية التي ناقشها في صفحات الكتاب. والكتاب يهتم بنقد الرؤية المركزية الأوربية في روايتها للتحديث.
نظرية في التطور السياسي والانحطاط السياسي
تتطور المؤسسات السياسية، ببطء وبطرائق مؤلمة عادة، مع مرور الزمن وسعي المجتمعات الإنسانية إلى تنظيم نفسها للسيطرة على بيئاتها المحيطة. يطرأ الانحطاط السياسي حين تفشل الأنظمة السياسية في التكيف مع الظروف المتغيرة. ثمة ما يشبه قانون الحفاظ على المؤسسات في هذه السيرورة. ليست هناك آلية أوتوماتيكية تكيّف بواسطتها الأنظمة السياسية نفسها مع الظروف المتغيرة، يحدث الفشل في التكيف وبالتالي تنشأ ظاهرة الانحطاط السياسي. تاريخياً، على سبيل المثال، لم يكن ثمة سبب منطقي يمنع السلطان المملوكي في مصر من اعتماد الأسلحة النارية في فترة أبكر لمواجهة التهديدات الخارجية المتصاعدة، كما فعل العثمانيون الذين هزموه في نهاية المطاف؛ ولم يكن من المحتم أن يفشل أباطرة الصين أواخر حكم سلالة مينغ في فرض ضرائب مناسبة على مواطنيهم لبناء جيش قوي وتدعيمه، بحيث يستطيع حماية البلد وإنقاذها من المانشويين. المشكلة في الحالتين كلتيهما كانت جموداً مؤسسياً هائلاً يقبع خلف الوضع القائم.
ضرورة المؤسسات
هناك قلق على الديمقراطية في الاستيطان في كثير من البلدان، مرجع هذا القلق هو صعوبة إقامة مؤسسات سياسية فاعلة وإدامتها، مع حكومات قوية ومسؤولة وملتزمة بحكم القانون في آن، وهكذا تنشأ مشكلة في التطبيق والتنفيذ أكثر منه في المفهوم والفكرة. قد يكون شغف المتظاهرين والمدافعين عن الديمقراطية في أرجاء العالم كافة كافياً لـ”تغيير النظام” والانتقال من حكومات استبدادية إلى حكومات ديمقراطية. لكن الأخيرة لن تنجح بدون عملية بناء المؤسسات، وهي عملية طويلة ومكلفة ومعقدة ومضنية. ثمة تغافل كبير لأهمية المؤسسات السياسية أصاب على مر السنين أناساً كثراً يحلمون بعالم يتجاوز السياسة بطريقة ما مستقبلاً.
الكتاب في أحد توجهاته وهو بحث في تاريخ التطور السياسي، لكنه لا يقدم قراءة تاريخية تتابعية بقدر ما هو تحليل بعض العوامل التي أدت إلى ظهور بعض المؤسسات السياسية، كذلك يؤكد الكتاب على عدم اعتبار المكونات المختلفة للتحديث جزءاً من مضمومة وصلت مع الإصلاح، والتنوير، والثورة الصناعية، بل بينهم اختلاف في التوقيت تجمعت لتشكل العصر الحديث بشكله الحالي، وسبقها أشكال بدائية من المؤسسات تطورت كل في سياقه، لتجتمع وتشكل العصر الحديث بكل مؤسساته من بناء الدولة إلى حكم القانون ووجود جهات للمحاسبة.
يختتم فوكوياما سردية التطور السياسي في هذا المجلد مع الثورتين الأميركية والفرنسية عند نهاية القرن الثامن عشر. منطق التوقف عند هذه النقطة يقتبسه من شارح هيغل، المفكر الروسي-الفرنسي ألكسندر كوجييف بقوله إن التاريخ بحد ذاته انتهى عام 1806 مع معركة يينا-اورشتدت، حين هزم نابليون الملكية البروسية وجلب مبادئ الحرية والمساواة إلى منطقة هيغل من أوربا. أشار كوجييف إلى أن كل شيء حدث منذ عام 1806، بما في ذلك “العاصفة والاندفاع” في القرن العشرين بحروبه الكبرى وثوراته العظمى، هو مجرد “إعادة تعبئة”. أي إن المبادئ الأساسية للحكومة الحديثة وضعت منذ موقعة يينا؛ والمهمة منذئذ ليست العثور على مبادئ جديدة ونظام سياسي أسمى، بل تطبيقها في أجزاء أكبر وأكبر من العالم


العلاقات الدولية في عالم متغير

العلاقات الدولية في عالم متغير

 



صدرعن مركز الحضارة للدراسات السياسية كتاب العلاقات الدولية في عالم متغير: منظورات ومداخل مقارنة (في ثلاثة مجلدات)
إن المحتوى العلمي لهذا الكتاب هو الأول من نوعه بوصفه مرجعًا باللغة العربية جامعًا لاتجاهات ورؤى "غربية وغير غربية" في نظريات العلاقات الدولية على نحو نقدي وبنائي مقارن، وعلى نحو ينشغل أيضًا بالأبعاد التطبيقية للنظريات من ناحية أخرى، وتبحث بعض دراساته – من ناحية ثالثة- عن الجديد في العلم من منظور حضاري إسلامي مقارن.
أهمية هذا الكتاب، تنبع من حقيقة أن الإنتاج "النظري" في دوائرنا الأكاديمية الحضارية –غير الغربية- لابد أن يختلف عن نظيره في دوائر إنتاج العلم الغربية. دون أن يتجاوز بالطبع هذا الإنتاج الأخير المتميز؛ حيث يجب أن يقدم متابعةً لـ "دوائر العلم الغربية" وخبرة التفاعل معها، مع نقد منتجها والمراكمة المقارنة معه، وصولًا إلى منتجات ومخرجات جديدة. كما أن خبرة إنتاج العلم –وخاصة الجماعية- أكثر أهمية من تقديم منتج فردي جاهز الصنع... من أجل إنتاج "علم نافع"، وعلى نحو تتبلور معه مدارس وجماعات علمية ذات إنتاج يميز بعضها عن بعض، ويكون ساحة لحوار معرفي ونظري ناضج.
وعليه، يضم هذا الكتاب ستة محاور تشمل أبعاد دراسة العلاقات الدولية: بدءًا من مستوياتها الكلية والتأسيسية من نماذج معرفية ومنظورات مقارنة، وبعض المداخل البينية والاتجاهات النظرية الجديدة، إلى المفاهيم، والفواعل، والعمليات، وقضايا نظرية وتطبيقية، في إطار نقدي مقارن.




الأحد، 9 أبريل، 2017

فهم العلاقات الدولية

فهم العلاقات الدولية



كتاب (فهم العلاقات الدولية) ترجمه إلى اللغة العربية وأصدره مركز الخليج للأبحاث عام 2004م، للمؤلف كريس براون، وهو أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للعلوم الاقتصادية، ورئيس رابطة الدراسات الدولية البريطانية، ويركز الكتاب على العلاقة بين تطور نظريات العلاقات الدولية وأحداث القرن العشرين من الحربين العالميتين والكساد الكبير، إلى حروب الخليج، والصراع في البوسنة والهرسك، والثورة في تكنولوجيا المعلومات، وانطلق من الجدل  بين أنصار المدرسة الواقعية والطوباويين الذي كان يدور في ثلاثينيات القرن العشرين، وقد تناول بشيء من العمق قضايا مثل المصلحة القومية وميزان القوى والحرب، إضافة إلى الاقتصاد السياسي الدولي وقضايا الحكم العالمي، وقضايا البيئة واللاجئين والمهاجرين.


وجاء الكتاب في 4 أقسام تضمنت 12 فصلاً، قدم لها كريس براون بقوله: هذه الفصول تناولت طبيعة نظرية العلاقات الدولية ونشوء وتطور هذه العلاقات، ثم ظهور النزعة الدولية الليبرالية بعد عام 1914م، والصراع بين الليبرالية والواقعية في ثلاثينيات القرن العشرين، والتركيب الواقعي بعد عام 1945م، والجدل في الستينيات من القرن العشرين حول التعددية والبنوية، وارثوذوكسيات الواقعية الجديدة والليبرالية الجديدة. ثم تناول الكتاب قضايا العلاقات الدولية الواقعية المتمحورة حول الدولة: نظريات الدولة، صنع القرار، مشاكل بنية الوكالة، السلطة، الأمن، الحرب، وتوازن القوى. وفي القسم الثالث يتناول الكتاب أوصاف العالم الأقل تمحورًا حول الدولة: فكرة الحكم العالمي، الاقتصاد العالمي ومؤسساته، والعلاقة بين الشمال والجنوب.

 ويختتم الكتاب بفصلين عن تأثير انتهاء الحرب الباردة على نظرية العلاقات الدولية، ويقول إن ما أرمي إليه هو إعطاء وصف نقدي لأحدث ما تم التوصل إليه عن الموضوع وليس توقع شكله المستقبلي في الألفية الثالثة مع وضع بعض العلامات التي تشير إلى المستقبل.

 وتحمل فصول الكتاب العناوين التالية:

ــ تعريفات ووجهات نظر ـ النظرية والعلاقات الدولية ـ 1( الواقعيون والطوباويون ـ التركيبة الواقعية لما بعد الحرب ) ـ النظرية والعلاقات الدولية ( تحديات التوليفة الواقعية ـ التعددية والترابط المعقد ـ المجتمع الدولي والمدرسة الإنجليزية ـ ما بعد الوضعية : فكر ما بعد الحداثة )ـ توليفة الواقعيين ( الدولة والسياسة الخارجية ـ السياسة الخارجية والداخلية: القرار بوصفه نقطة تركيز ـ البنية والسياسة الخارجية ) ـ القوة والأمن ( أبعاد القوة ـ القوة والخوف ـ إدارة حالة انعدام الأمن ) ـ ميزان القوى والحرب ( ميزان القوى ـ التصور السياسي للحرب ـ الحرب في القرن العشرين ـ نهاية العلاقات الدولية المتمحورة حول الدولة) ـ الحكم العالمي ( المذهب الوظيفي ـ نظرية الدمج : الفيدرالية والمذهب الوظيفي الجديد ـ الحكم العالمي والأمن الجماعي) ـ الاقتصاد السياسي الدولي ( نشوء الاقتصاد العالمي ـ المشاكل والمنطلقات ـ الاقتصاد العالمي ونشوء نظام بريتون وودز وسقوطه) ـ وجهة نظر الجنوب ( البنيوية ـ الجنوب والنظام الاقتصادي الدولي الجديد ـ نهاية العالم الثالث ـ الحكم الجيد: مستويات الحضارة وأشباه الدول ) ـ أجندات جديدة ( ما بعد الحرب الباردة ـ نهاية الحرب الباردة ـ العودة إلى المستقبل ـ النظام العالمي الجديد ـ نهاية التاريخ ـ السلام الديمقراطي ـ السياسة الجديدة للبيئة العالمية ـ المهاجرون واللاجئون : سياسة مراقبة الحدود ـ التمييز بين الجنسين والهوية والعلاقات الدولية).

Download - MediaFire

السبت، 1 أبريل، 2017

قوة الدين في المجال العام

قوة الدين في المجال العام


نقلا عن موقع مؤمنون بلا حدود 
قراءة : مصطفى عبد الظاهر
الدين ظاهرة مدهشة تلعب في حياة الناس أدوارا متناقضة، يمكن له أن يدمر، أو أن يبعث الحيوية، يستجلب النوم أو يدعو إلى الصحو، يستعبد أو يحرر، يعلم الخنوع أو يعلم الثورة".

بهذا الاقتباس للمصلح الإسلامي وعالم الاجتماع الإيراني الكبير د.علي شريعتي، يبدأ "كريج كالهون"كلمته في ختام المؤتمر الكبير الذي عقد في نيويورك عام 2009 في القاعة التاريخية باتحاد كوبر تحت عنوان: "قوة الدين في المجال العام "، حيث قدمت المداخلات الأربع ليورجين هابرماس وجوديث بتلر وتشارلز تايلور وكورنيل ويست، ثم أصدرت المشاركات الأربع في كتاب تحت نفس العنوان؛ منقحة ومحررة عن طريق إدوارد منديتا وجوناثان فانانتوبرين، ثم أصدرت الطبعة العربية بترجمة المترجم العراقي فلاح رحيم عن دار التنوير اللبنانية بالاشتراك مع مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد بإشراف الدكتور عبد الجبار الرفاعي.
هذا الاقتباس السابق ذكره لعلي شريعتي، يصلح كحجر أساس لفهم الأطروحة الرئيسة لهذا الكتاب القيم، فلقد عكفت الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة، طوال عقود على فهم الدين وعلاقته بالفضاء الاجتماعي، وكيفية نشوء مساحاته وآلياته وكيفية شغلها،وتفسير "الاحتياج" الموضوعي أو الذاتي الذي يؤدي لخوض تجربة دينية سواء "بإنشائه" أو بخوض تجربة ممارسته واللجوء إليه؛ فمن ماكس مولر (1823- 1900) الذي استخدم نظرية داروين في النشوء والارتقاء لفهم تكون الدين أصلاً في المجتمعات، وقاده ذلك إلى نظرية قائمة على أن تطور اللغه هو الأصل في ظهور الأديان والسحر
من مولر إلى ماركس في نظريته عن الدين الذي يراه مظهراً من مظاهر الهرب من مواجهة الاستغلال الاقتصادي وفرويد الذي يرى أن الدين هو اختراع ذاتي ناتج عن اصطدام اللاوعي بضغوط المجتمعات، فهو تجربة تدور رحاها بين الوعي واللا وعي وبين الأنا والأنا الأعلى.
وغير ذلك الكثير من النظريات الغربية في تفسير نشوء الدين والحاجه إليه، والتي هي على تنوعها تتفق على نتيجة واحدة، هي أن الدين لابد وأنه بمرور الوقت يزدادا ضموراً وهامشية لصالح المساحات التي يحتلها عقل "الأنوار" بانتظام في الفضاء الاجتماعي الحديث.
إلا أن هذه النتيجة أو الفرضية بالأحرى، تصطدم بالواقع عودة "الديني" وتزايد قدرته على اجتذاب أعداد أكثر من الناس وخاصة في الغرب، بل وحتى نزوع قطاعات كبيرة من المثقفين إلى مصدر لإنتاج "المعنى"، الأمر الذي يحاول فلاسفتنا الأربعة في هذا الكتاب نقاشه، فالمجال العام ليس فضاء للنقاش العقلاني البحت أو التوافق الطوعي الخالص ولا الدين مجرد شأن خاص.
فحسب هابرماس، فإن المجال العام الذي بدأ بالظهور في القرن الثامن عشر تطور بوصفه فضاء اجتماعيا متميزاً عن الدولة والاقتصاد والعائلة فيه يمكن للأفراد أن يتواصلوا فيما بينهم كمواطنين مستقلين من أجل التداول في الصالح العام  فهو بحسب تعبيره "القوة غير المفروضة بالقوة" التي يحوزها الجدال الأفضل.
فهابرماس في مداخلته قد قدم موقفاً أكثر اعتناء بمكانة الدين في المجال العام من رأيه الأول في كتابه "التحول البنيوي للمجال العام" حسب النقاد، فيرى أنه يجب أن يتم تطوير موقف "مابعد علماني" يأخذ في الحسبان الحيوية العالمية المتواصلة للدين ويستفيد من الاستبصارات الأخلاقية التي يحملها الدين بشرط أن تترجم إلى لغة عقلانية "اتفاقية" كي تبث عبر المجال العام.
يصل هابرماس إلى ذلك عبر أطروحة نقدية مكثفة لفكرة الفيلسوف الألماني "كارلب شميت"عن"اللاهوت السياسي" فيرى هابرماس أن كل الذي خشي منه شمت قد حدث بالفعل، ولم تعد الدولة الحديثة تستمد سلطتها من هذا الأصل الوجودي، ولا يمكن أن تتم محاولة إعادة الدين إلى المجال العام عن طريق رد أساس سلطة الدولة إلى أساس لا يحتكم إلا للكتب المقدسة.
ويقدم الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور صاحب الكتاب الشهير"عصر العلمانية"،وهي بعنوان "لماذا نحتاج إلى تعريف جذري للعلمانية " يقدم فيها قراءة فينومينولوجية للعلمانية، فيقول بأن الدولة التي يمكن أن توصف بالعلمانية ليست التي تنصب علمانيتها كمتاريس بينها وبين كل ماهو ديني وتفترض فيه كل خطأ بشكل قبلي بناء على ما سماه "أسطورة التنوير"، بل هي الدولة التي تضع بينها وبين الأفكار المتنوعة داخلها مسافة أولية تسمح لها أن تتعامل بحيادية مع كافة الأفكار، معرجاً على حالات منع ارتداء الحجاب في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والمشكلات من هذا القبيل في المجال العام الأوروبي.
وتقدم الفيلسوفة النسوية المعروفة جوديث بتلر مشاركتها بعد نقاش سريع بين هابرماس وتايلور، في فصل ثالث من الكتاب، قائمة على محاولة "نحوية" في تفسير المجال العام، تجادل فيها عن أهمية اللغة في إخراجنا للوجود، كفاعلين اجتماعيين، لا يمكن أن نخرج إلى الوجود الاجتماعي إلا عن طريق الحصول على أسماء، وهو ما يعني أنه لا سبيل إلى منع إمكانية أن نستدعى بطرق مؤذية مقلقة، ولا سبيل إلى تلافي هذا الوهن الأولي الناتج عن لغة لم نشارك أبداً في وضعها، هي التي تمنحنا المكانة الأنطولوجية المؤقتة اللازمة، الأمر الذي يقوض حدود الفاعلية ويغلق بضربة واحدة إمكان الفاعلية الجذرية، مثل ممارسة الترهيب عبر إطلاق تهمة معاداة السامية على كل منتقد لإسرائيل حتى وإن كان يهوديا\!
تقدم بتلر أطروحتها السابقة عبرمجموعة من الملاحظات عن الأساس الديني للمجال العام، والذي كان محدداً رئيساً للفصل بين ما هو عام وما هو خاص، وتضرب مثلاً مفصلاً عن الفرق بين الأخلاق التي تحويها اليهودية كدين، والتي تدعو للتعايش، وما هو متجذر في الثقافة اليهودية التقليدية بسبب تقاليد الشتات، فيكون التعايش بذلك شرط حتمي سابق على تكون أية أمة من الأمم،وبين ما تكرسه الصهيونية كسردية علمانية تكرس للعنف ومصادرة حقوق الفلسطينين وتدمر كل فرصة للعيش السلمي المشترك.
أما المداخلة الأخيرة، فهي لناقد ومثقف وناشط أمريكي أسود،هو كورنيل ويست الذي يقدم نفسه على أنه مسيحي اشتراكي ومتفلسف، وموسيقي أيضاً، تغطي كلمته لهجة كوميدية لطيفة ملؤها الدعوة للتعايش، ولتفهم الخطابات المتنافرة في المجال العام عن طريق نقد التجربة البراجماتيه الأمريكية، من خلال قيم المسيحية النبوية التي شكلتها التجربة الأفرو أمريكية. من خلالها ينتقد ويست صوتين أمريكيين آخرين؛هما ريتشارد رورتي وجون رولز، وهما من حماة الليبرالية الأمريكية التي يعتبرها ويست "علمانية دوغمائية " تمارس دور الشرطي على المجال العام وتحرمه من أفكار متنوعة بتنوعه الداخلي، والتي ربما تكون افكاراً تنويرية أيضاً!
يمكننا أن نستفيد كثيراً كعرب، أياً كانت انتماءاتنا الفكرية، من هذا النوع من السجالات العلمية في مجتمعات تحاول ألا تكون أحادية تحت أي مسمى،حتى وإن كان "التنوير،ومن خلال مثقفين تعلموا أن يثروا المجال العام في مجتمعاتهم بآرائهم لا بما حفظوه من آراء غيرهم أو أنساقهم الفكرية.





السبت، 18 مارس، 2017

العدالة والعقاب في المتخيل الإسلامي خلال العصر الوسيط

العدالة والعقاب في المتخيل الإسلامي خلال العصر الوسيط

 


نقلا عن  موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود:

صدر عن دار المدار الإسلامي ببيروت، كتاب "العدالة والعقاب؛ في المتخيل الإسلامي خلال العصر الوسيط"، للمفكر الألماني المتميز (كريستيان لانغ Christian Lange)، وقد حصل لانغ على شهادة الدّكتوراه، من جامعة هارفارد عام 2006م، وهو باحث متخصص في علم الأديان المقارن، والدّراسات الإسلاميّة.
والكتاب، في الأصل، رسالة دكتوراه أنجزها لانغ بجامعة هارفارد الأمريكية، والعنوان الأصلي لها، هو: Justice, Punishment and the Medieval Muslim Imagination ويمثل الكتاب؛ دراسة لنظرية العقاب وطرائق تطبيقه في العصر الإسلامي الوسيط، وتفسير استعمال العنف تجاه المسلمين، وبيان الدّور الذي اضطلع به عقاب الدولة في رسم الخط الفاصل بين المجالين (الخاص والعام)، والسؤال عن الاستراتيجيات المتّبعة للتصدي للمعاناة الناجمة عن العقاب.
وتندرج الدراسة في إطار المباحث التي تهتمّ بالحضارة الإسلامية، في فقهها وتاريخها، ويفتح الباحث زاوية نظر جديدة؛ تنظر في المتخيل الجمعي، وطريقة التمثل التي كان يقوم عليها تصوّر العلماء، والسلاطين، والعامّة، للعدل وللعقوبة في الحياة الدنيا، وفي الآخرة. ويهتم الباحث، فضلاً عن ذلك، بأثر الواقع السياسي والاجتماعي في أحكام القضاة والفقهاء، وفي طرائقهم في فهم النصوص التأسيسية وتأويلها.
وقد حدّد المؤلف توجّهات الكتاب، وقسّمها إلى مستويات ثلاثة: المستوى الأول: اهتم فيه بتحديد الفضاء الذي يجري فيه العنف العام في تاريخ المجتمعات الإسلامية؛ ذلك أنّ مسألة العنف شغلت المؤرّخين، وعلماء الاجتماع، وعلماء النفس، على امتداد عصور كثيرة، وكان الدارسون الغربيّون لقضيّة العنف في تاريخ المجتمعات الإسلامية، يوجّهون اهتمامهم، عادة، إلى دراسة أشكال العنف التي يمارسها المسلمون ضد غير المسلمين، ولا سيما، في ميدان العنف الديني المشروع؛ كما في نظرية الجهاد العسكري وممارسته، وفي الشروط الشرعية المتعلّقة بالذمّيين والمرتدّين، وقد قام المؤلّف بتصحيح تلك الرؤية.
أمّا المستوى الثاني؛ فقد لخّص فيه الكاتب صورة النار، التي كانت حاضرة في إسلام العصر الوسيط، كما سعى، أيضًا، إلى تحديد الوظائف النفسية، والاجتماعية، والسياسية، لمثل هذه الأدبيّات.
أمّا المستوى الثالث؛ فقد هدف إلى بلوغ فهم أفضل لدور الفقهاء في صياغة المواقف إزاء ظاهرة عنف الدولة، وكانت سلطة أحكام الخطاب الفقهي يُحسَب لها ألف حساب لدى الحكّام، سواء أكان الفقه، حينئذ، يغضّ النظر عن أفعال رجال السياسة، أم كان يعارضها معارضة تامّة.
وحاول لانغ في الكتاب، الربط بين الاهتمام بالمتخيّل الإسلامي، للجنّة والنار والعقاب، في ما يسمّى بالقرون الوسطى، وحاول الباحث ربط أحكام الفقه المتعلّقة بالجنايات؛ فدرس صدى الأحكام الأخروية في أقضية السلاطين، والقضاة، والمحتسبين، ومدى تأثيرها فيها.
وكان لانغ معنيًّا في بحثه بعدد من الإشكاليات المركزية، منها: كيف كان يُفسّر استعمال العنف تجاه المسلمين؟ وكيف كان يُسوَّغ في إسلام العصر الوسيط؟ وكيف كانت الدولة القائمة، ممثّلة في أجهزتها، تسعى إلى التمييز بين الفضاءين، العامّ والخاصّ، في إقامة العقوبات؟ وما الاستراتيجيات المتّبعة للتصدي للمعاناة الناجمة عن العقاب؟ أسئلةٌ نجد إجاباتها في دراسة كريستيان لانغ المعمّقة لظاهرة العقاب، الإلهي منه والبشري، في المجتمع الإسلامي، بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر، ويبحث الكتاب في العلاقة بين الدولة والمجتمع في إقامة العدالة، ومواقف المسلمين من جهنّم، والعقوبات المنتظرة في الحياة الأخرى، والأبعاد الشرعية للعقاب، وكيفية تسويغ الفقهاء المسلمين لمختلف أنماط الجزاء، أو تقييدهم لها، أو رفضهم لها رفضًا تامًّا.
إنّ المقاربة المتعدّدة المداخل والمعرفية المتبنّاة في هذه الدراسة، والتي تستند إلى تنوّع كبير في المصادر الفارسية والعربية، تسلّط الضوء على التفاعل بين النظرية والممارسة في الفقه الجنائي الإسلامي، وبين السلطة التنفيذية والمتخيل الديني للمجتمع الإسلامي في العصر الوسيط عمومًا.
ولا تهتم الدراسة بسِيَر الملوك والسلاطين؛ بل تتنزّل في إطار، ما يسمّى بالتاريخ الكلّي؛ إذ تقف، فضلًا عن التأريخ للطبقات العليا، على صورة المهمّشين، وكيف تفاعلوا مع، ما نسميه اليوم، بعنف الدولة المشروع المتمثّل في قوانينها وعقوباتها؛ فالكتاب يُعنى بالعدل من منظور السلطان وعالم الدين، ولكنه يُعنى، أيضًا، بصورة العدل من منظور العامّة الدهماء.
وقد توّصل الكاتب إلى أنّ العقاب في الواقع الإسلامي، لم يكن يكرّس أحكامًا فقهية نظرية فحسب؛ وإنما، وعلى وجه الدقة، هو: فِعْلٌ يؤثّر فيه الأشخاص الذين يقع عليهم فعل العقاب، ويؤثر فيه، أيضًا، الفضاء الذي يجري فيه العقاب؛ فللفضاء الخاص، وهو فضاء عِلْيَة القوم، نواميسُه. وللفضاءات العامة قوانينُ أخرى، تختلف عن الأولى اختلافًا جذريًّا في الكثير من الأحيان. ولذلك مثلًا؛ كان للعامة سجونهم، ولِعِلْيَة القوم سجونهم، وكان إخفاء ما يجري في القصور والبلاطات، جزءًا مهمًّا من هيبة الدولة.
وقد ناقش الكاتب قضية جوهرية أصبحت متفقًا عليها، مفادها: أنّ الفقه الإسلامي ليس منظومة نظرية جاهزة ومعزولة عن الواقع؛ بل إنّه فقه على صلة وثيقة بمعطيات الواقع الإسلامي المتغيّر أبدًا.
ويحاول الباحث أن يعقد الصلة بين العدل والعقاب في الدنيا والآخرة من جهة، والأحكام الفقهية التي حدّدها الأصوليّون والفقهاء والمفتون للمكلّفين من المسلمين من جهة أخرى.
وقد قامت الدراسة على منهج، تعدّدت مداخله ومشاربه، ولم يهتم بالثقافة الإسلامية العلمية فحسب؛ إنما اهتم، أيضًا، بكتب التاريخ التي أرّخت لليومي، ولما تعانيه الطبقات الاجتماعية المسحوقة من صنوف العقاب، ولِمَا كان يربطها من علاقة بالعالم والسلطان أو من يمثّله من أعوان، لتحقّق توازنها، ولتحدّد معنى وجودها في الحقبة التاريخيّة الوسيطة.
وقد هدفت الدراسةُ إلى توضيح كيفية تفكير طوائف من المجتمع في العقاب، بوصفه ظاهرة اجتماعية.
جاء هيكل الكتاب مقسّمًا؛ إلى مقدّمة، وستّة فصول: المقدّمة اشتملت على السياق التاريخي (The historical context)، الذي اختاره الباحث ليمثّل الدراسة؛ فكان اختياره لحقبة السلاجقة (Saljuqs) في العراق وفارس، خلال القرنين الخامس والسادس الهجريين/ الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، وقسّمها إلى ثلاثة أجزاء، للحصول على خلاصة تاريخية؛ أوّلها: حقبة الغزو (ما بين عامي 426هـ/ 1055م)، وثانيها: حقبة التماسك وقيام الحكم المركزي (447هـ/ 1055م - 511هـ/ 1118م)، وثالثها: حقبة التشتّت ومحلّية الحكم السياسي (511هـ/ 1118م - 590هـ/ 1194م).
وبرّر اختياره لفترة السلاجقة، باعتبارها حقبة تمثّل مرحلة تكوينيّة مهمّة في نموّ الحضارة الإسلامية، وتسبّب اعتلاؤهم سدّة الحكم في تغييرات أساسية؛ إذ حاول الحكّام السلاجقة الأوائل، إعادة تأسيس إدارة مركزية قويّة، تقوم على عدد من المفاهيم الأساسية: السلطة المؤقّتة للسلطان إزاء الخليفة، والسيطرة العسكرية عن طريق نظام إقطاعي مركزي التوزيع، والإشراف الدقيق على النظام التعليمي، ثم تأسيس بيروقراطية ذات أغلبية فارسية عالية التدريب، وقد تعرّض لانغ إلى الظروف العامّة للعقاب زمن السلاجقة، وكيف أثّرت التطوّرات السياسية في إدارة العدل والعقاب، خاصّة مع ضعف الخلافة العبّاسيّة.
وتناول الفصل الأول: "سياسات العقاب" (The politics of punishment )، وفيه تناول دوائر العقاب ومؤسّساته؛ فتعرّض الباحث للعقاب الخاصّ وحالاته، والذي تنوّع ما بين السجن في باطن قصر الخليفة حتى الموت، مثلما حدث لعميد الدولة (محمد بن جهير) وزير الخليفة المستظهر، كما كان هناك عقوبة الإعدام بالسيف؛ مثلما حدث للوزير شمس الدين بن نظام الملك، وإلى جانب القتل بالسيف، كان الخنق وسيلة أخرى خاصة لطبقة الخاصّة؛ مثلما حدث لقارود حاكم كرمان سنة 466هـ/ 1037م، أيّام السلطان ملك شاه، كما كانت عقوبة إتلاف البصر من العقوبات المحدّدة للخاصة، باعتبارها وسيلة إقصاء سريع عن اللعبة السياسيّة، وقد استعرض الكاتب العقوبات التي تصدر بحقّ القاضي المذنب، وكذلك العقوبات التي تطال رجال الشرطة، ورجال الحسبة (muhtasib) Inspectors.
ثمّ جاء الفصل الثاني للدراسة بعنوان: "أنواع العقاب"، والتي تنوّعت وتعدّدت، ومنها؛ الإعدام بحدّ السيف (Execution by the sword)، والصلب (salb) Gibbeting على جذع أو عمود من الخشب، كما كان الصّلب، أحيانًا، للجثّة بعد الإعدام الفعلي، وكانت عقوبة الصلب تتعرّض لها كلّ الطبقات الاجتماعية، خاصّة، المجرمون والأشخاص المتّهمون بانتسابهم إلى الباطنية، وكذلك، الصلب يكون لقاطع الطرق المقترن بالقتل، وكانت هناك عقوبات أخرى، مثل؛ الرمي بالحجارة، والإغراق، والإحراق، والإلقاء من أعلى شاهق، والإبعاد والنفي، كما كان بتر الأعضاء من العقوبات على السرقة، وقطع الطريق غير المقترن بالقتل، وكان بتر الأعضاء يتمّ على الملأ.
كما كانت هناك عقوبات أخرى، منها؛ التعذيب، والضرب، وسوء المعاملة، وكان أغلبها للحصول على الاعتراف بالجريمة، وكان التعذيب يتمّ باستخدام السوط وأداة خشبيّة تسمّى (العقابين): وتتكوّن من قطبيْن يعلّق بينهما المعذَّب، وهناك أيضًا؛ (الفَلْقة): وهي خشبة تفلق لأرجل اللصوص الدعار ويقطرون فيها. وكان الجلد (Flogging) من العقوبات الشائعة، ويتمّ بالسياط، والعصا، والمقاريع.
كما كانت عقوبة التشهير (tashhir) Shaming أو التجريس من العقوبات المعروفة، وهي: الطواف المذلّ بالمذنب في أرجاء المدينة، على ظهر حمار أو بقرة أو جمل، مع استخدام الأجراس أثناء الطواف، أو تُثبّت أجراس في رأسه، ويكون الطواف مرورًا بقصر السلطان، وداخل الأسواق والساحات العامة، ويكون رأس الجاني، إمّا عاريًا بطريقة مخزية، أو مغطّى بغطاء حقير، ووجهه ملطّخ بالفحم أو السخام.
أمّا الفصل الثالث؛ فقد خُصِّص لدراسة العقاب الأخروي (The eschatology of punishment)، وبنية الجحيم، وحدّد فيه قائمات بالكبائر من الذنوب وفق القرآن الكريم والأحاديث النبوية، ومن الكبائر التي تناولها؛ الشرك بالله، والقتل، والزنا، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، والربا، والسحر، والارتداد، والإلحاد، والهروب من الزحف، والقتال، وأكل مال اليتيم.
كما تناول تفسيرات الخوف من العقاب، ومن النار، وتصوّرات الجحيم عند المسلمين من وجهة نظر الدراسات الغربية، وشكل جهنّم وموقعها، وأسماء الجحيم وما يحدث داخلها، وتناول حجم جهنم، وروائحها، وألوانها، وخصائصها المناخية، وخصائصها الجغرافية أيضًا، وكذلك، نبات الجحيم وأشجاره.
وجاء الفصل الرابع تحت عنوان: "مخلوقات الجحيم وعذاباتها"؛ إذ تعرّض فيه لملائكة الجحيم، والحيوان في الجحيم، وأنواع العقاب فيه، كما تناول الوظائف البنيوية لمتخيّل الجحيم، والأبعاد الوعظية للجحيم في المتخيل الإسلامي، وتعرّض للعوامّ في الجحيم، ورجال الدين، والساسة ونوّابهم، ورجال الشرطة، والتشهير والمظاهر الطقوسية له، وكذلك؛ العار والتشويه في الجحيم، كما تناول الأبعاد الإجرائية لمتخيّل الجحيم عند المسلمين.
ثم جاء الفصل الخامس؛ فكان بعنوان "ضبط الحدّ في التشريع السُنّي"، متناولًا فيه القياس والحدود في التشريعيْن الغربي والإسلامي، وتناول رفض الحنفية للقياس في ما نصّت عليه الأوامر الإلهية، وتعرّض الكاتب للفروق الاصطلاحية في القياس بين الحنفية والشافعية، وتحدّث عن اللواط (liwat) Sodomy، والزنى (zina) fornication في فروع الفقه الحنفي، والحجج المسندة إلى الأحاديث النبوية، كما تحدث عن الخصوصية ومبادئ الأخلاق.
أما الفصل السادس والأخير؛ فتناول "التعزير والفضاء العام" Discretionary punishment (tazir)، والتعزير: هو العقوبة المشروعة بغرض التأديب على معصية أو جناية لا حدّ فيها ولا كفارة، أو فيها حدّ، ولكن لم تتوفّر شروط تنفيذه؛ كالقذف بغير الزنا، وكالمباشرة في غير الفرج، وغير ذلك؛ فلا يقوم بتعزير المذنب إلّا الحاكم، أو السيّد الذي يعزّر رقيقه، أو الزوج الذي يعزّر زوجته، والمعلّم في تأديب الصبيان، والأب في تأديب ولده الصغير. والتعزير حقّ لوليّ الأمر أو نائبه، ويقسّم التعزير إلى: تعزير بالقول، وتعزير بالفعل. والعقوبات التعزيرية ضربان؛ أحدهما: ما يتعلّق بالأبدان؛ كالقتل والجلد. وما يتعلّق بالأموال: كالإتلاف، والتغريم. وما هو مركّب منهما: كجَلْد السارق من غير حرز، مع إضعاف التغريم عليه. وما يتعلّق بتقييد الإرادة: كالحبس والنفي. أمّا الضرب الآخر من العقوبات التعزيريّة؛ فيتعلّق بالمعنويات: كالتوبيخ والزجر، وكذا، التعزير بالتشهير، أو العزل عن المنصب.
ومن أسباب التعزير لفعل محرّم: الاستمتاع بالأجنبية بما لا يوجد الحدّ، والسرقة التي لا قطْع فيها، وكذا الغصب، والانتهاب، والاختلاس، والقذف بغير الزنا، واللواط، وسبّ الصحابة أو أحد منهم، والـرشـوة: وهي ما يعطيه الشخص لحاكم أو نحوه لإبطال حق أو إحقاق باطل، وشهادة الزور False testimony (shahadat al-zur): وهي الشهادة التي تقوم على الكذب والتهمة للآخرين، والتزوير: وهو الميل بالشيء عن حقيقته بزيادة، أو نقص، أو تغيير، أو تقليد.
وتناول في الدراسة:
التعزير واللواط (tazir) (Discretionary punishment and sodomy)، والتعزير والمعاصي العمومية، وتحدّث في الفصل نفسه، عن شهادة الزور؛ بوصفها جناية على المجال الخاص، وكذبًا على الله، وتناول، كذلك، التشهير في الفقه الإسلامي، وتسويد الوجه (taswid al-wajh) (Blackening of the face)، وتجريد الثياب (tajrid al-thiyab)، والعلامات الخاصة Stripping of clothes and special signs، والضرب (darb) (Beating)، وإعلان الجرم (tarif/tasmi) Announcing the crime.
أمّا تقييمنا للكتاب: نرى أنّ الباحث عند محاولته عقد الصلة بين العدل والعقاب في الدنيا والآخرة، من جهة الأحكام الفقهية التي حدّدها الأصوليّون والفقهاء، قد اعتسف كثيرًا في حكمه على العديد من الأحداث في تلك الفترة، وعمل على ليِّ عنق بعض الأحداث، لتتناسب مع هدفه الذي حدّده لنفسه؛ وهو أنّه اهتم بتحديد الفضاء الذي يجري فيه العنف العام في تاريخ المجتمعات الإسلامية، وأكد على أن المسلمين ممارسين للعنف أكثر من كونهم ضحاياه، وكانت مشكلته، بطبيعة الحال، رؤيته الاستشراقية، ولم يضع طبيعة العصر في حسبانه، وتبنّى حكمًا عامًّا، يرى أنّ المجتمعات الإسلامية، مارست العنف على طول تاريخها، ونجد أن هذا النوع من الكتابات، وما يثير حفيظة عدد من رجال الدين من المسلمين، ويزعج بعض الباحثين، هو: أنّ البحوث الغربية المتعلّقة بالإسلام، بوصفه تاريخًا وفكرًا ودينًا، فيها ما يعكس كيدًا، ويحمل تحريفًا، ويعبّر عن رغبة في تشويه صورة الإسلام، في الماضي والحاضر، وهذا ما أكده مترجم الكتاب.
وضع لانغ هدفًا لبحثه، ركّز فيه على فتح ملف شائك في العصور الوسطى، بصفة عامة، ألا وهو: ملف العدالة والعقاب في المُتخيل الإسلامي خلال العصر الوسيط، بوصفه يمثل حلقة من حلقات تاريخ الأفكار السياسية في المجال الإسلامي الوسيط، ويبلور سياسة عمليّة امتزج فيها الديني بالسياسي؛ فكانت (العدالة) عنوانًا لمسعى حاول فيه كاتب السلطان التوفيق بين الديني والسياسي، أو تسخير الديني للسياسي، وأكّد أنّ الواقع التاريخي، في أغلب الأحوال، يؤكد وجود اختلاف بين أحكام السياسة وأحكام الشريعة.
كما ركّز لانغ على الدور البراغماتي النفعي للفقهاء، واعتبر أغلبهم فقهاء سلطان، ولم يشر إلى جهود فقهاء آخرين، كان لهم دورٌ بارزٌ في مقاومة السلطان، ولم يخشوا في الله لومة لائم؛ فأبرز لانغ دور الفقهاء في صياغة وتبرير المواقف إزاء ظاهرة عنف الدولة، وبيّن كيف كان يفسّر العنف القائم ضدّ المسلمين، وكيف كان يسوّغ في الإسلام القروسطي من جانب بعض الفقهاء.
ويُؤخذ على لانغ، أيضًا، أنه على رغم تمكّنه الواضح من العديد من مفاهيم النصّ الديني، ومقارباته الفقهية، إلّا أنه تسرّع كثيرًا في ما أجراه من مقارنات بين القانون الجنائي الغربي، وأحكام الجنايات في الإسلام.
ويُحمَد له؛ اهتمامُه بالدراسات التي اهتمت بالعنف أو الجنس في المجتمعات الغربية، ليستأنس بها، من أجل فهم مثل هذه الظواهر في المجتمع الإسلامي، باعتبارها علومًا تدرس النفس البشرية، بصرف النظر عن الدين، أو العرق، أو اللون.
كما تميزت الدراسة بإلقاء الضوء، أيضًا، على صورة المهمّشين، وكيف تفاعلوا مع ما نسميه اليوم: عنف الدولة المشروع؛ المتمثّل في قوانينها وعقوباتها؛ فالكتاب يُعنى، إذن، بالعدل من منظور السلطان وعالم الدين، ولكنّه يُعنى، أيضًا، بصورة العدل من منظور العامّة الدهماء. ومن مميّزات الدراسة؛ اهتمامها بأثر الواقع السياسي والاجتماعي في أحكام القضاة والفقهاء، وفي طرائقهم في فهم النصوص التأسيسيّة وتأويلها.
ومن الجوانب الإيجابية التي أشارت إليها الدراسة: اختلاف تطبيق العدالة حسب الطبقة، فمثلًا؛ كان للعامّة سجونهم وللأمراء سجونهم، وكان إخفاء ما يجري في القصور والبلاطات جزءًا مهمًّا من هيبة الدولة؛ فأبرز ما يمكن تسميته بالانتماء الطبقي للمذنبين من جهة، والفضاء الذي اقترفت فيه المعاصي من جهة أخرى، في مسائل تسليط العقوبة، وكأن ثمة وهمًا، هو: أن الأحكام الفقهية وصفة جاهزة، يكفي أن يحفظها القضاة، حتى يوقعوا العقوبات على العصاة، وهو ما يمكن توصيفه؛ بأنه شكل من أشكال فساد السلطة السياسية، وترسيخ ثقافة الرضوخ لأحكام السلطان، دون التقيّد بأحكام الشريعة، وهو ما يراه العديد من المفكرين، ويقرّون أنه لا علاقة بين الأخلاق والسّياسة، لذلك؛ يجب إبعاد الاعتبارات الأخلاقية تمامًا عن العمل السّياسي، وهو ما يذهب إليه صراحة المفكّر الإيطالي (نيقولا ميكيافيلي) (1469م - 1527م)، في كتابه "الأمير"؛ حيث يرى أنّ مبدأ العمل السّيَاسِي، هو: (الغاية تبرّر الوسيلة)؛ فنجاح العمل السّيَاسِي، يكون في ما يحقّقه من نتائج ناجحة، بغض النظر عن الوسائل المتبعة في ذلك، حتى وإن كانت لا أخلاقية.
جاءت خاتمة الكتاب هزيلة للغاية، لا تتناسب مع عمق الدراسة وأفكارها، وكنّا نتوقّع أن تكون خاتمة جامعة مانعة بلغة المنطق، يخرج فيها لانغ بأفكار ورؤى وتصوّرات حول العدالة، والعقاب، وأفكار واستنتاجات حولها، إلّا أنه اكتفى بمجرّد سرد تاريخي سريع لفترة الدراسة، وقدم رأيه في الدراسة، على استحياء؛ بأنّها بيّنت أن العقاب في ظلّ حكم السلاجقة، كان ممارسة اجتماعية أساسية، وأنهم جعلوا من العقوبات العامة (تكتيكًا سياسيًّا) للبرهنة على شرعية سلطتهم، ولتعزيز مركزهم في الحكم.
ونتفق، تمامًا، مع مترجم الكتاب (الدكتور رياض الميلادي)[1]، في أنّ أهمية الكتاب تكمن في أنّ كريستيان لانغ، قام على منهج تعددت مداخله ومشاربه، وفي أن صاحبه لم يهتم بالثقافة الإسلامية العلمية فحسب؛ وإنما نظر، أيضًا، في كتب التاريخ التي أرّخت لليوميّ، ولما تعانيه الطبقات الاجتماعية المسحوقة من صنوف العقاب، ولما كان يربطها من علاقة بالعالم والسلطان، أو من يمثله من أعوان، لتحقق توازنها، ولتحدد معنى وجودها، في حقبة تاريخية قلّما اهتمت بها الدراسات العربية والإسلاميّة