‏إظهار الرسائل ذات التسميات وائل حلاق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات وائل حلاق. إظهار كافة الرسائل

السبت، 1 أكتوبر 2016

دراسات في الفقه الإسلامي - وائل حلاق ومجادلوه

دراسات في الفقه الإسلامي 

  وائل حلاق ومجادلوه

 لأن سؤال الشريعة والمجتمع لم يبدو يومًا أكثر إلحاحًا منه اليوم، تلك حقيقة واقعة تشهد بها ساحات الجدل السياسي والمجتمعي قبل أروقة البحث العلمي.
يتألف هذا الكتاب من مقالات بحثية عدَّة تتناول جدلًا يدور في أروقة دراسات الحقل الاستشراقي والدراسات الإسلامية لباحثين وأستاذين في علوم الاستشراق وهما وائل حلَّاق وديفيد ستيفن باورز. وهذه المقالات بمثابة ردود وسجالات على الأطروحات التي يتبناها بعض المستشرقين حول نشأة الفقه الإسلامي منتهجين فيها النسق الاستشراقي السائد وموقفه الصارم من الشريعة والقانون الإسلامي باعتبارهما امتدادًا واقتباسًا، بحسب نظرتهم، من منظومات قانونية سابقة قديمة تتمثل في الحضارات الرومانية والإغريقية، وأن القانون الإسلامي لم يأت بشيء جديد. وتسلط المقالات الضوء على المنوال الاستشراقي في تعمده إخضاع المرحلة التأسيسية والمراحل المتأخرة للفقه الإسلامي للدراسة الدقيقة باستفاضة. كما تستعرض مقالات حلَّاق بالتحديد الآراء والمواقف و"الاجتهادات" التي كسبت بعض المصداقية والقبول بل ونوعٍ من القداسة والرسوخ في الأدبيات الاستشراقية بحيث إنها أصبحت فوق النقد، بل وحتى وقت قريب فوق المراجعة. ويحاول حلاق تقديم مراجعة نقدية لهذه الآراء، ليثير بهذا جدلًا غنيًا كان دافعنا الأكبر في مركز نماء، لنولي هذه المقالات عناية واهتمامًا.
 
 
 

Good Reads Link

الثلاثاء، 20 سبتمبر 2016

ما هي الشريعة

ما هي الشريعة ؟

يقف حلاق في هذه الدراسة ’ كدأبه , في مواجهة الإبستمولوجيا الاستشراقية المهيمنة على حقل الدراسات في الغرب (وفي الشرق)
محاولا إعادة التفكير في مفهوم الشريعة الذي حظى باهتمام أكاديمي غربي كبير تساوقا مع بزوغ حركات الإسلام السياسي في المشرق العربي
ما تجادل هذه الدراسة  في المقام الأول يتمثل في الآتي:
إن الاستخدامات الحديثة للشريعة كمقولة مفاهيمية هي استخدامات حديثة وبعيدة عن حقيقة الماضي الواقعية

أي النظر إليها كقانون وليس كنظام حياة  وتنظيم مجتمعي
إن كا ما ينطيق عليه وصف قانون حديث يفصل ما بين القانوني والأخلاق
ولكن الشريعة على العكس تماما من ذلك
إن ما كان دوما وفي كل مكان الهدف العام للشريعة هو إعادة الأفراد لأوضاعهم الاجتماعية سيظل واحدا من أصلح التعميمات عنها كنظام قانوني
وبعبارة أخرى , خلافا للطبيعة العقابية للدولة التي تنتج المواطن عبر إخضاعه هو والمجتمع ككل , تعمل الشريعة باستمرار على التوسط في الصراعات والتحكيم في النزاعات
سعيا لرتق أي فتق في النسيج المجتمعي


الأحد، 3 يوليو 2016

نقد نظرية المدار

نقد نظرية المدار

إعادة رسم خارطة النظريات الغربية

حول أصول الشريعة الإسلامية




ملخص من مراجعة الأستاذة سلمي على موقع
Good Reads

المدار في الإسناد هو مصطلح قديم لدى علماء الحديث، و يعني الراوي الذي تلتقي عنده الأسانيد في سلسلة السند، أي الراوي الذي روى لأكثر من شخص، بعد أن كان أخذه من راو واحد فقط، بمعنى أن السند وجد فيه تفرد في بعض طبقاته...
المستشرق الألماني جوزيف شاخت أخذ هذا المصطلح و وضع على وفقه نظرية لنقض السنة و سماها بنظرية المدار (Common-Link
Theory) حيث اعتبر الراوي مدار الإسناد هو من وضع الحديث في القرن الثاني الهجري، و اختلق السند و نسبه للرسول صلى الله عليه و سلم... النظرية في بدايتها لاقت رواجا لدى المستشرقين إذ أنها تشكك في مصادر التشريع الإسلامي، فتابعه عليها الكثيرون... و لكن بعد فترة بدأ يظهر ضعفها و يكثر نقدها، حتى أن مايكل كوك الذي كان متحمسا لها في البداية _و بقية الهاجريين المشككين بالمصادر الإسلامية_، نجده قد انخفض صوته كثيرا حولها في كتابه الأخير الذي تحدثت عنه مطولا (الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في الفكر الإسلامي) و لا يكاد يلمح إليها...
ثم و بعد سلسلة من البحوث الناقدة للنظرية أتى هذا البحث الشامل من فهد الحمودي و نقضها من أساسها نقدا محكما و علميا و بمعاييرها التي وضعتها و بلغة رصينة، و قد فعل هذا من دون خجل و مواربة كما حصل في نقد بعض المستشرقين لها، فرغم ضعفها في نظرهم إلا أنها كانت محببة لديهم لما تجره من نتائج في التشكيك بالمصادر الإسلامية...
يدور نقد الحمودي حول عدة نقاط، أهمها، أن شاخت لم يفهم مصطلحات علماء الأحاديث و الفروق بينها كما بين ذلك الحمودي بالأمثلة... كما أن لدى شاخت مشكلة في التفريق بين الحكم على المتن و على السند، و لم ينتبه لتفريق علماء الحديث للفرق بينهما، و أنه قد يكون السند صحيحا و لكن المتن معلول، و أن هناك مباحث طويلة حول هذه المواضيع، و مناهج للتفريق و الترجيح و التحليل... كما عمد الحمودي لنقد الأمثلة التي بنى عليها شاخت نظريته، و هي عدة أمثلة لا أكثر!! و الغريب أن مصادر شاخت التي اعتمد عليها قليلة، و معظمها في الفقه الشافعي، فهو لم يقم بعمل استقراء لكتب الحديث ليخرج بهذه النظرية كما قد يتوهم المرء، فجزء من خطأه اعتماده في بحثه على مراجع لا صلة لها بالموضوع ككتب الفقه!! و بالتالي لم يعلم أن الروايات التي ادعى تفردها المطلق لها شواهد من أحاديث و سلسة روايات أخرى في كتب أخرى لا وجود للمدار الذي ذكره و ادعى أنه الواضع... بالإضافة إلى ورود المعنى في أحاديث أخرى بمتن آخر، فضلا عن أنه اعتمد على أحاديث يصنفها علماء الحديث بكونها شاذة، مدعيا أنها نموذجية!!! و دعونا لا نتحدث عن الانتقادات التي وجهت له لأنه لم يضع حواش في بحثه للدلالة على ما يقول!!!
الأغرب منه يونبل الذي حاول أن يدعمها بأمثلة أكثر، فقام بأخذ أحاديث من كتب مصنفة للأحاديث غير الصحيحة ككتاب الموضوعات لابن الجوزي ليثبت فيها النظرية، و من دون أن يقول أنها تعتبر موضوعة عند علماء السنة، و من ثم أسقط النتيجة على كل السنة، الصحيح منها و السقيم!
باختصار فإن شاخت و من تابعه لم يقوما بدراسة الأحاديث التي يعتبرها علماء الحديث بأنها صحيحة لا علة فيها لتطبيق النظرية عليها، لأنهما لو فعلا فستكون النتيجة هي أن مدار الإسناد فيها هو رسول الله، أو الصحابي في الحديث الموقوف، و هذا يخالف النتيجة التي أرادوها ابتداء من جعل السنة اختراعا للفقهاء في القرن الثاني الهجري... و لذلك
فـ "عندما يرجع الشاختيون إلى مرجع في الحديث بغرض تأييد ظاهرة عامة، فإنهم في الأغلب يختارون نماذجهم من كتب السلف المخصصة لدراسة الأحاديث غير الصحيحة [...] لقد كان على الشاختيين، كي يجعلوا من استنتاجاتهم مقنعة، أن ينطلقوا لا من الموضوعات، كما فعلوا، و لكن من الأحاديث الصحيحة التي أجازها المحدثون." ص140

البحث ممتاز و متكامل، و اطلاع مؤلفه الباحث السعودي فهد الحمودي واسع على كتب المستشرقين و كتب علماء الحديث على حد سواء... و البحث نموذج لما كنت ذكرته في معرض حديثي عن كتاب يوهان فوك (الدراسات العربية في أوروبا) عن دور إسهامات الباحثين العرب و المسلمين في الدراسات الإسلامية الغربية المعاصرة و أثرها على تصحيح مسارها... فهي رسالته للدكتوراة في جامعة ماكجيل، أما الأستاذ المشرف عليه فهو وائل حلاق الأستاذ في جامعة كولومبيا و الذي بات اسمه مشتهرا في أوساط العرب المهتمين بالدراسات الإسلامية الغربية، لبحوثه المصححة لتحامل الاستشراق الكلاسيكي على الشريعة الإسلامية...

هذه الدراسة مهمة جدا سيما و أن موجة التشكيك الحالية بالسنة لدى الداعين لهدم التراث من العرب كثير من منشأها استشراقي بسبب شاخت و من قبله جولدزيهر... و أهمية الدراسة ليس مبالغا بها،
"ليس لأنها متعلقة بالأصول و القواعد المقررة للنظريات الغربية فحسب، و لكن لما تتضمنه من تأثير سيعيد قراءة الروايات المتعلقة بتأريخ التشريع، كما ستقود هذه الدراسة إلى دراسات واعية لمرحلة تأسيس الفقه الإسلامي" ص167
 
حقيقة علم الرجال و الإسناد من العلوم الدقيقة و العميقة و من أكثر العلوم التي اهتم بها علماء الإسلام و كتبوا فيها نقدا و تنقيحا و لا زالوا... و أيضا من أكثر ما يـُجهل فيها و عليها... فيأتي شخص بالشبهة فيما يتعلق بالحديث و كيفية تقييمه، موهما المتلقي بأنه أتى بما لم يأت به الأوائل، و مغفلا ما ذكره حولها علماء الحديث من كلام طويل تحليلا و نقدا... كما فعل شاخت... و ما أكثر الشاختيين!

الترجمة ممتازة أيضا، فقد راعت المترجمة هيفاء الجبري المصطلحات الحديثية باقتدار، مع أنها الترجمة الأولى لها كما ذُكر في مقدمة الكتاب...

أختم في النهاية بهذه المحاضرة الرائعة بأسلوبها السلس لـ مجير الخطيب، يتحدث فيها عن المدار في الإسناد عند علماء الحديث المسلمين، (و هو مؤلف كتاب من جزئين بعنوان: معرفة مدار الإسناد و بيان مكانته في علم علل الحديث) و افتراقها عن نظرية شاخت، و من ثم فهذه المحاضرة تعين على فهم الكتاب أكثر و على كيفية وصول الحديث إلينا بشكل عام...

الاثنين، 2 فبراير 2015

الدولة المستحيلة

الدولة المستحيلة


ملخص من موقع التقرير:
يقدم البروفيسور وائل حلاق طرحًا متميزًا وجرئيًا في كتابه “الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي“الذي ترجم للعربية وصدر مؤخرًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ضمن سلسلة “ترجمان”. أقول جريئًا لأنه يثير الذهن للتفكير في قضايا أو أفكار قد تتردد على أنها بدهيات أو مسلمات أو محرمات مما يلقي حجرًا في المياه الآسنة ويحرك الروح النقدية ويشجع البحث فيما يتعلق بالدولة الحديثة وما يسمى الإسلام السياسي وكذلك التعاطي مع الحداثة والحضارة المعاصرة.
يقدم هذا الكتاب الذي قام بترجمته الدكتور عمرو عثمان، طرحًا متميزًا  لمواجهة بعض الآفات التي ابتلي بها الفكر العربي في تعامله مع التراث والحداثة على حد سواء، إذ لا يمكن لدولة ما أن تكون إسلامية بحق في ظل هيمنة الدولة القومية الحديثة والعولمة التي أنتجتها تلك الدولة.
وإذا اُفترض جدلًا إمكانية قيام تلك الدولة، فلن تكون قابلة للبقاء في ظل الظروف السائدة في عالم اليوم. فالتناقض الذاتي الأصيل في مفهوم الدولة الإسلامية الحديثة يقوم في الأساس، من وجهة نظر المؤلف، على المأزق الأخلاقي للحداثة، تلك الحداثة التي أفرغت العالم من قيمه الروحية، وتعاملت مع الكون باستعلائية مدمرة، وسعت إلى تدجين الفرد وتشكيل ذاتيته، بحيث يستسلم تمامًا لمنطق القوة والثراء. يحدث كل ذلك من خلال رفع شعارات العقلانية والتنوير والتضحية في سبيل الدولة، وغيرها من الأساطير التي قامت عليها الدولة الحديثة.
في المقابل، يقوم الإسلام كله، وشريعته التي شكلت لحمته وسداه على مدار اثني عشر قرنًا، على نظام قيمي مختلف بالكلية، نظام أخلاقي بالدرجة الأولى، استطاع أن يمنع استغلال الفرد والتحكم فيه، بالطريقة التي تقوم بها الدولة الحديثة. كما أنه قدم نظامًا مغايرًا لما يطلق عليه الآن “فصل السلطات”، وحقق نموذجًا كان، بعبارة المؤلف، “أكثر دقةً في تجسيد معنى هذا الفصل وهدفه، وأكثر تفوقًا قياسًا بما نجده في الدولة الحديثة النموذجية”.
وردَ الكتاب الذي يقع في 352 صفحة من القطع الكبير في سبعة فصول؛ يتناول الفصل الأوّل “مقدمات“ وصف “الحكم الإسلامي النموذجي”، ويرسم حدود مفهوم “النموذج” كما سيجري استخدامه بوصفه مفهومًا مركزيًّا في أطروحة الكتاب الكلية. ويصف الفصل الثاني الدولة الحديثة، “الدولة الحديثة النموذجية”، ويحدّد “خصائص الشكل” الذي يمثّل الصفات الجوهرية للدولة الحديثة. ويقوم بتفكيك تلك الخصائص، معترفًا في الوقت عينه بالتغيرات المتزامنة والتنوعات المتلاحقة في تكوين تلك الدولة.
أمّا الفصل الثالث “الفصل بين السلطات: حكم القانون أم حكم الدولة“، فيناقش مفاهيم الإرادة السيادية وحكم القانون فيما يخصّ مبدأ الفصل بين السلطات؛ هادفًا من وراء هذه المناقشة إلى استعراض الأطر والبنى الدستورية لكلٍّ من الدولة الحديثة والحكم الإسلامي، وتسليط الضوء على الاختلافات الدستورية بين نظامَي الحكم هذين. واعتمادًا على هذه الاختلافات، يستكشف الفصل الرابع “القانوني والسياسي والأخلاقي“، معنى القانون وعلاقته بالأخلاق. ويؤكّد هذا العرض الفلسفي أساسًا الاختلافات النوعية بين المفهوم الأخلاقي للدولة الحديثة والحكم الإسلامي. وسيتحوّل هذا العرض في الجزء الثاني من الفصل الرابع إلى عرضٍ ذي طابع سياسي. وستتعزّز هذه التباينات القانونية-الأخلاقية بفعل  التباينات السياسية كاشفةً عن مجالٍ آخر من عدم التوافق بين الدولة الحديثة والشريعة.
ويرى الفصل الخامس “الذات السياسية والتقنيات الأخلاقية لدى الذات” أنّ الدولة القومية الحديثة والحكم الإسلامي يميلان إلى إنتاج مجالين مختلفين من تكوين الذاتية، وأنّ الذوات التي ينتجها هذان المجالان النموذجيان تتباين تباينًا كبيرًا، الأمر الذي يولّد نوعين مختلفين من التصورات الأخلاقية والسياسية والمعرفية والنفسية والاجتماعية للعالم. وتلك الاختلافات العميقة بين أفراد الدولة القومية الحديثة ونظرائهم في الحكم الإسلامي إنّما تمثّل التجليات المجهرية المصغّرة للاختلافات الكونية المادية والبنيوية والدستورية، وكذلك الفلسفية والفكرية.
ويحاجج الفصل السادس “عولمة تضرب حصارها واقتصاد أخلاقي” في أنّ الأشكال الحديثة للعولمة ووضع الدولة في هذه الأشكال المتعاظمة القوّة، يكفيان لجعل أيّ صورة من الحكم الإسلامي إمّا أمرًا مستحيل التحقّق، وإمّا غير قابل للاستمرار على المدى البعيد هذا إذا أمكن قيامه أصلًا. وبعبارة أخرى، يصل المؤلف إلى نتيجة مفادها: إذا جرى أخذ كلّ العوامل في الحسبان، فإنّ الحكم الإسلامي لا يستطيع الاستمرار نظرًا للظروف السائدة في العالم الحديث.
ويختم الكاتب بالفصل السابع “النطاق المركزي للأخلاقي”، متفحّصًا مآزق أخلاقية حديثة مع الإشارة إلى أسسها المعرفية والبنيوية بصفتها تؤسّس لأصل الأزمات الأخلاقية التي واجهتها الحداثة في كلّ صورها الشرقية والغربية. ويرى المؤلف أنّ استحالة فكرة الحكم الإسلامي ناتجة بصورة مباشرة من غياب بيئة أخلاقية مواتية تستطيع أن تلبّي أدنى معايير ذلك الحكم وتوقعاته، ويرى أنّ هذه الاستحالة هي تجلٍّ آخر لعدة مشاكل أخرى ليس أقلّها شأنًا الانهيار المطّرد للوحدات الاجتماعية العضوية ونشأة أنماط اقتصادية استبدادية، إضافةً إلى ما هو أكثر أهمية من ذلك، وهو الدمار الشامل للموائل الطبيعية والبيئة.
تزداد أهمية هذا الكتاب من وجهة نظر المترجم لصدوره في وقت تبدو فيه بعض الشعوب العربية والإسلامية ساعية لتحديد أسس مرجعيتها وملامح هويتها، تحسبًا لاغتنام الفرصة التاريخية السانحة. وربما تكون التيارات الإسلامية مهما كانت درجة إخلاصها بصفة عامة أحق من غيرها باللوم في هذا السياق.
الكتاب كما يصرح المؤلف لا يهدف في أحد هوامشه إلى إصابة القارئ المسلم والعربي بالإحباط واليأس من عدمه، قدرته على الفكاك من ورطة الحداثة التي وجد نفسه فيها بلا اختيار منه، ومن استحالة قيام دولة إسلامية تحافظ على خصوصيته الأخلاقية والتاريخية في ظل مناخ دولي لن يسمح لتلك الدولة أن تزدهر. فهو يعرض المشكلة بأبعادها التاريخية المعقدة ويطرح سريعًا مسارات للحل.
يختتم الكتاب بالقول إن العيش معًا في سلام على الأرض هو عمل شاق، وقد يكون يوتوبيا حديثة أخرى. بيد أن إخضاع الحداثة لنقد اخلاقي يعيد هيكلتها ويبقي الحاجة الأساس لا لقيام حكم إسلامي فحسب؛ بل لبقائنا المادي والروحي.


الجمعة، 2 مايو 2014

مقالات في الفقه - دراسات حول الشريعة للدكتور وائل حلاق

مقالات في الفقه - دراسات حول الشريعة للدكتور وائل حلاق


مقدمة المؤلف
هذه مجموعة مقالات في الفقه الإسلامي مهدت للأستاذ الدكتور وائل حلاق مهدت لها بمقالة بعنوان : "دراسة كتب وائل حلاق المترجمة إلى اللغة العربية" التي كنت قد قدمتها ضمن بحوث الندوة الدولية حول الترجمة العربية للمؤلفات الاستشراقية : التراث الإسلامي  المنعقدة في كلية الآداب بجامعة القاضي عياض بمراكش المغرب
 نوفمبر 2011
وسبق أن قمت بمراجعة ترجمة ثلاثة كتل للأستاذ الدكتور وائل حلاق صادرة عن دار الكتاب الجديد بيروت لبنان
ثم استشرت الأستاذ الدكتور في ترجمة بعض المقالات التي نشرها وبعد مناقشات معه تم اختيار أهم تلك المقالات التي لم يسبق أن نشرت أو أدرجت ضمن كتبه الأخرى فترجمت تلك المقالات وهي مرتبة بحسب تاريخ نشر أصولها باللغة الإنجليزية ، وذلك على النحو التالي :
الأدلة واساءة استخدامها : مسألة التأثير الروماني والإقليمي في الفقه الإسلامي في العصور المبكرة
أصول الفقه التقليد والتجديد
ثبوت الأحاديث والإشكالية المتوهمة
مخاطبات القضاة : التغير الفقهي وفقه الأدلة الموثقة
التمهيد للإصلاح الفقهي في عهد الدولة العثمانية : نظرية ابن عابدين حول العرف وتغير الأحكام الفقهية
السلطة القضائية والدولة : الأزمة الفقهية للإسلام في العصر الحديث




الجمعة، 21 مارس 2014

نشأة الفقه الإسلامي وتطوره


3- نشأة الفقه الإسلامي وتطوره







نبذة النيل والفرات:
لقد حاول وائل حلاق في كتابه "نشأة الفقه الإسلامي وتطوره" أن يجذر الثقافة العربية الإسلامية في سياقها الحضاري العام، سياق ثقافة الشرق الأدنى بصورة عامة، تلك الثقافة التي كانت رافداً من روافد شرائع بلاد ما بين النهرين وفارس وغيرهما. فكان على الكاتب إذن أن يتجاوز ما سعى الفكر الغربي إلى ترسيخه منذ عقود عديدة حيث روح أطروحة مفادها أن الفكر الإسلامي وخاصة الفقه ليس سوى امتداد للفكر والمنطق اليونانيين، وقد نجح حلاق إلى حد بعيد في تأكيد استفادة الفقه الإسلامي من شرائع ما بين النهرين وأعراف عرب الجاهلية وعاداتهم فضلاً عما جاءت به الأديان الكتابية الكبرى، إلى جانب قيامه على الهدي القرآني والسنة النبوية طبعاً.

وما من شك في أ ن الكاتب استثمر ما كشفت عنه الدراسات الأثرية والحفريات المعاصرة في الجزيرة العربية من قيام حضارة مدنية مكينة في عدد من نواحيها، عرفت حياتها استقراراً أفاد من نشاط حركة التجارة بالمنطقة وهو ما سهل تأثر القبائل العربية بغيرها مت لشعوب في الممالك المتاخمة بل حتى في الإمبراطوريات البعيدة. وعلى هذا النحو ساغ له التشكيك في الصورة المتداولة عن الأعراب الرحل الذين يضربون في الصحراء بحثاً عن الكلأ والمرعى.

ثم وقف وائل حلاق عند مؤسسة القضاء في الفقه الإسلامي وكيفية تطورها منذ مرحلة البدايات حيث كان عمل القاضي امتداداً لما كان يعرف في العصور الجاهلية بدور التحكيم الذي ينهض به حكماء القبيلة وعقلاؤها، وصولاً إلى المرحلة التي بلغ فيها القضاء مرحلة النضج والاكتمال حيث صار القاضي يعين في هذا المنصب ويلتزم به دون غيره من المهام فتحول موظفاً من موظفي الدولة يجري عليه مرتب شهري ويرتبط بجهاز منظم يرأسه قاضي القضاة الذي تعينه السلطة المركزية، فبدأ الحديث حينئذ عن ضرب من التراتبية الإدارية شبيهاً بما تعرفه كل المؤسسات عندما تبلغ أشواطاً من النضج متقدمة. ويمثل هذا القسم من الكتاب في تقديرنا وجهاً من وجوه الطرافة إذ قلما وجدنا دراسة اعتنت بمجلس القضاء ومهام كل عضو من أعضائه ويبدو أن كتب تراجم القضاة وأخبارهم قد أسعفت الكاتب ببعض الإجابات التي أرقته بسبب ضياع محاضر القضاء وسجلات المجالس.

إن الفكرة المركزية لدى حلاق في جميع ما كتب من كتب ومقالات كما في كتابه هذا إنما مدارها على أن الفقه الإسلامي، في مستوى نشأة المذاهب وفي مستوى قيام مؤسسة القضاء جهازاً منظماً ومستقلاً وفي مستوى إرساء أصول الفقه علماً مكتملاً واضح المعالم، لم يتأسس إلا بعد مرور قرون من الزمان على مرحلة البداية الطبيعية الأولى، ولعل المثال الأوضح الذي كثيراً ما يعتمد عليه الكاتب هو تأسيس علم أصول الفقه حيث يلقي ظلالاً من الشك حول ريادة الشافعي في هذا المجال أو حول اعتباره الأب الروحي المؤسس له بل إنه يؤكد أن هذا العلم لن يعرض نضجه واكتماله إلا مع القرنين الرابع والخامس للهجرة/العاشر والحادي عشر للميلاد. وكذا الأمر بالنسبة إلى المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة فإنها لم تتشكل بالمعنى الدقيق للكلمة حيث تحولت إلى أنساق في الفقه متمايزة إلا بعد عقود من موت مؤسسيها الافتراضيين الذين تنسب إليهم وهم في الحقيقة لم يرسوا سوى مذاهب شخصية تعبر عن آرائهم الفردية الخاصة دون أن تمثل نسقاً في البارزين تأليفاً وجمعاً حيث أسسوا فعلاً هذه المذاهب الفقهية ولكنهم لما كانوا في المذاهب ونسبوها إليهم فنجحوا حينئذ في كسب الأنصار خاصة إذا كان المذهب منسجماً مع الإرادة السياسية للسلطة المركزية.

لقد كشف الكتاب أيضاً عن علاقة الفقه بالسياسة في الحضارة الإسلامية ووقف عند تلك المعادلة العسيرة التي تجمع بين نزوات رجال السياسة ورغبتهم في توظيف الدين لصالحهم من ناحية ورغبة الفقهاء والعلماء في ترويض الساسة وكبح جماح تسلطهم خدمة للشرع من ناحية ثانية وقد أبان الباحث عن خيوط هذه المعادلة العسيرة وأدرك أنها ضرورية بالنسبة إلى الطرفين فإذا كانت السلطة تجد في الفقه الرسمي سنداً لها ودعماً لمشروعيتها، فإن فقهاء الدولة وجدوا في السلطة اليد الطولى لتطبيق حدود الله وأحكامه بعد استنباطها من أصول الشريعة ولكن هذه المعادلة لم تخل في التاريخ الإسلامي من تصادم بدا في خضوع هذا الطرف إلى ذاك حيناً أو احتواء أحدهما لآخر حيناً آخر، فهل يمكن بعد هذا الحديث عن استقلالية الفقه في الإسلام عن الدولة استقلالية تامة؟

وهكذا لا يقدم كتاب حلاق تاريخاً للفقه الإسلامي وإضافة نوعية في مستوى الجدل السياسي/الديني في الثقافة والتاريخ الإسلاميين فحسب، وإنما هو بالإضافة إلى كل هذا تقييم دقيق للدراسات الغربية الحديثة والمعاصرة التي اهتمت بالفقه الإسلامي وتاريخه وتطوره، بل إن المؤلف يسائل الكثير من الأفكار التي صارت من قبيل المسلمات الرائجة في الدراسات العربية والغربية كلتيهما، ثم إن الكتاب، فضلاً عن تعدد وجوه طرافته بالنسبة إلى القارئ العربي، يمثل نافذة على آخر ما كتب من بحوث حول التشريع الإسلامي في الجامعات الغربية وحلاق لا يكتفي بالعرض وإنما يصوب ويضيف وينقد ما جاء فيها من أحكام حول تاريخ المذاهب الفقهية وما شهدته من تطور عبر العصور وما عرفته نظرية أصول الفقه من نضج واكتمال بفضل تراكم المعرفة عبر أجيال متلاحقة من الفقهاء والعلماء.


نبذة الناشر:
هذا الكتاب هو الجزء الثاني من ثلاثية يمكن قراءة كل منها بشكل مستقل صدرت باللغة الإنكليزية عن منشورات جامعة كمبردج البريطانية وهي على الشكل التالي:
1-تاريخ النظريات الفقهية في الإسلام.
2-السلطة المذهبية التقليدية والتجديد في الفقه الإسلامي.
3-نشأة الفقه الإسلامي وتطوره.

وتقدم هذه الثلاثية مشروعاً أكاديمياً تحقيقياً لمناهضة الخطاب الاستشراقي الغربي المعاصر في الدراسة الشمولية والتأصيلية لتاريخ الفقه الإسلامي. بحيث تحرص هذه الدراسة على محاكمة الفكر الاستشراقي من خلال منهجيته ونظام خطابه، موجهة للجمهور الأكاديمي الغربي في طبعتها الأصلية.

يبحث الجزء الأول النظرية العامة للشريعة الإسلامية كما تبلورت بتطور علم أصول الفقه، بينما يبحث الجزء الثاني ما قبل فترة التكوين للفقه الإسلامي حتى فترة النمو في القرون الهجرية الثلاثة الأول، في حين يبحث الجزء الثالث تطور الفقه في القرون الهجرية الخمسة التالية. ومن المؤكد أن المثقف العربي والباحث العلمي في شؤون الفقه والحضارة الإسلامية عموماً سيجدان في هذه الثلاثية ما لا يجدانه لا في البحوث التراثية ولا حتى الغربية، ذلك لأن المؤلف الأستاذ الدكتور وائل خلاق حقق في ثلاثيته التاريخية هذه أصالة الانتماء للتراث العربي الإسلامي ودقة البحث العلمي على الطريقة التي يشترطها أهل العلم التأريخي الحديث، هذا ويؤمل أن تفجر هذه الثلاثية مسارات جديدة للنظر في تراثنا الحي وتقدم للباحثين أرضية جديدة لبحوثهم


رابط Good Reads 

Download - Archive 

Download - 4shared 

Download - 4shared Direct

الخميس، 20 مارس 2014

السلطة المذهبية

2- السلطة المذهبية

التقليد والتجديد في الفقه الإسلامي

 


نبذة النيل والفرات:
إذا كان البحث في أحد وجوه الشريعة يشكل في حد ذاته مغامرة من نمط ما، فإن الغوص في بناها الفقهية، بما يفترضه من تأويل ونقد وتفكيك وإعادة قراءة وما إلى ذلك، يعد مغامرة ذاتية أكبر، من حيث تناولها للموروث والمرجعيات، مروراً بالمذاهب الأربعة وما رافقها من تعددية رؤيوية، وصولاً إلى الطيف الواسع من المقاربات التي حاولت مواكبة التغيرات الزمانية والمكانية على مدى قرون عديدة تلت نشوء تلك المذاهب. إن عديد الأسئلة التي طرحها الدكتور وائل حلاق في سياق مؤلفه هذا تعكس منطقياً، إن لم نقل وجوباً، القراءة الموضوعية المتأنية، والعرض الحيادي المؤيد بالشواهد والحجج، الذي رافق جميع الآراء، سواء أكانت في نطاق التقليد أم التجديد في الشريعة الإسلامية، وعلاقة كل منهما بالسلطة المذهبية. وفي هذا الصدد يقول الكاتب في مقدمة كتابه: "إن الاستمرارية والتغيير في الشريعة هما وجهان لعملة واحدة، ولذلك فهما يستلزمان الدفاع المتعمد عن عقيدة ما مع فارق وحيد هو أن الاستمرارية تقتضي الدفاع عن عقيدة قائمة، في حين يتطلب التغيير الدفاع عن عقيدة جديدة أو عقيدة أقل موثوقية في الغالب".

يقع هذا الكتاب في ستة فصول رئيسية تعالج عدداً من الإشكالات والالتباسات التي طرحت داخل البيت الفقهي نفسه أو كانت استجابة للتطورات الدنيوية الموضوعية ومقتضياتها، التي أفرزت، وما زالت تفرز، أسئلتها وتحدياتها أمام الفقهاء من مفتين ومشرعين ومجتهدين، وتضطرهم، بالتالية، إلى ولوج ميادين اجتهادية تجاه قضايا مستجدة لم يختبروها من قبل، كما وإعادة النظر في قضايا أخرى كفت عن أن تكون من المسلمات. وهنا بالذات تكمن أهمية هذه الدراسة –المؤلف- مع ما تثيره من موضوعات خلافية قد تشكل حافزاً، لدى المهتمين، للسجال معها.

من جهة أخرى، وعلى الرغم من اللغة شبه الموحدة لـ"الثقافة الشرعية" التي يستخدمها الفقهاء، إلا أن الفترة الزمنية الطويلة التي يغطيها الكتاب، وهي خمسة قرون، شهدت بعض التغير على صعيد اللغة والمصطلح والخطاب والمساجلات، الأمر الذي استوجب لحظ هذا التغير لدى ترجمة الكتاب، والحرص ما أمكن على مواكبة المعنى السياقي الذي تقع فيه المفردة.


نبذة الناشر:
هذا الكتاب هو الجزء الثاني من ثلاثية يمكن قراءة كل منها بشكل مستقل صدرت باللغة الإنكليزية عن منشورات جامعة كمبردج البريطانية وهي على الشكل التالي:
1-تاريخ النظريات الفقهية في الإسلام.
2-السلطة المذهبية التقليدية والتجديد في الفقه الإسلامي.
3-نشأة الفقه الإسلامي وتطوره.

وتقدم هذه الثلاثية مشروعاً أكاديمياً تحقيقياً لمناهضة الخطاب الاستشراقي الغربي المعاصر في الدراسة الشمولية والتأصيلية لتاريخ الفقه الإسلامي. بحيث تحرص هذه الدراسة على محاكمة الفكر الاستشراقي من خلال منهجيته ونظام خطابه، موجهة للجمهور الأكاديمي الغربي في طبعتها الأصلية.

يبحث الجزء الأول النظرية العامة للشريعة الإسلامية كما تبلورت بتطور علم أصول الفقه، بينما يبحث الجزء الثاني ما قبل فترة التكوين للفقه الإسلامي حتى فترة النمو في القرون الهجرية الثلاثة الأول، في حين يبحث الجزء الثالث تطور الفقه في القرون الهجرية الخمسة التالية. ومن المؤكد أن المثقف العربي والباحث العلمي في شؤون الفقه والحضارة الإسلامية عموماً سيجدان في هذه الثلاثية ما لا يجدانه لا في البحوث التراثية ولا حتى الغربية، ذلك لأن المؤلف الأستاذ الدكتور وائل خلاق حقق في ثلاثيته التاريخية هذه أصالة الانتماء للتراث العربي الإسلامي ودقة البحث العلمي على الطريقة التي يشترطها أهل العلم التأريخي الحديث، هذا ويؤمل أن تفجر هذه الثلاثية مسارات جديدة للنظر في تراثنا الحي وتقدم للباحثين أرضية جديدة لبحوثهم


الأربعاء، 19 مارس 2014

تاريخ النظريات الفقهية في الإسلام

1- تاريخ النظريات الفقهية في الإسلام

مقدمة في أصول الفقه السني




منذ ثمانينيات القرن العشرين والدكتور وائل حلاق [1] ينهض بمشروع أكاديمي يهدف إلى إعادة كتابة تاريخ الفقه الإسلامي أصولا وفروعا. وقد سطَّر في هذا المجال دراسات كثيرة توَّجها بثلاثة كتبٍ [2] هي خلاصة ما انتهى إليه مشروعه الفكري الذي يهدف أساسا ـ وكما يحدد المؤلف نفسه ـ “إلى زعزعة الخطاب الاستشراقي وتقويضه ومناهضته بمشروع أكاديمي منفصل بنيويا عن خطاب الهيمنة الغربي”[3]، ولكن هذا الهدف كما يؤكد المؤلف لا يمكن تحقيقه من خارج نطاق هذا الفكر الاستشراقي. إذ إنه قد نجح في تهميش جميع الانتقادات التي قدمها الكتَّاب العرب والمسلمون من خارج معاقل هذا الفكر تهميشا كاملا [4].

المقولات الاستشراقية
يبحث هذا الكتاب في العلاقة بين الكتابات في أصول الفقه والواقع الفقهي، ويثبت بينها نقاط تماس وتشابكات بنيوية قد تجاهلها الخطاب الاستشراقي، وهو تجاهل يهدف إلى عزل الشريعة بأجمعها عن الواقع الاجتماعي، حاكماً عليها بالتهميش التاريخي. فقد ركز الخطاب الاستشراقي، على نحو أساسي، على علاقة أصول الفقه بعلم الكلام كأساسٍ لفهم منطلق أصول الفقه ووظائفه الدينية النظرية. مهمِّشاً بذلك علاقة أخرى لها بالغ الأهمية، ألا وهي العلاقة بين أصول الفقه والفقه من جهة، وبين الشريعة كمنهجية فكرية، والممارسات الشرعية في المجتمعات الإسلامية المختلفة عبر العصور من جهة أخرى.

يضاف إلى ذلك الأسطورة الاستشراقية القائلة بأن الشريعة قد توقفت عن النمو والعمل بعد القرن الثاني أو الثالث بعد الهجرة، وعُبِّر عن ذلك بمقولة أخرى تنص على أن باب الاجتهاد قد أغلق إلى أبد الآبدين. ومن ثمَّ فإن العالم الإسلامي لم يخرج من حال الانحدار والجمود إلا مع قدوم الحضارة الغربية بقوانينها ونظمها التشريعية التي فُرضت عليه.

أصول الفقه: مرحلة التكوين
يذهب د. حلاق، خلافا لكثير من العلماء المعاصرين، إلى أن الفقه الإسلامي لم يبدأ مع مطلع القرن الثاني للهجرة، بل تعود بداياته إلى ما بعد منتصف القرن الأول عندما نُقلت عاصمة الإمبراطورية الإسلامية إلى دمشق، وخضعت أراض شاسعة للحكم الإسلامي.. فقد شهدت هذه الفترة ثورة في النشاط الفقهي الذي ساهم فيه العرب المسلمون ومعتنقو الإسلام من غير العرب، ولم يعد الاهتمام بالمسائل الفقهية محدودا بنخبة تمتعت بالحظوة لارتباطها بالنبي (صلى الله عليه وسلم) أو بصحابته.

وقد لاحظ المؤلف في سياق تحليله لتطور المصادر التشريعية والمفاهيم الفقهية في هذه الفترة، التغيرات التدريجية التي طرأت على هذه المصادر والمفاهيم، بداية من الأعراف والممارسات الإدارية التي كانت سائدة في الولايات المختلفة وتأثّر بها الفقهاء، ثم حاولوا، مع تزايد الاعتماد على الأحاديث والمرويات، تثبيتها من خلال الأحاديث النبوية.

ومع ظهور حركة قوية هدفت إلى ترسيخ الفقه كاملا في النصوص الدينية الموثوق بها، تغيرت طبيعة التفكير الفقهي؛ وخضع مفهوما الرأي والاجتهاد، وأنواع الاجتهاد إلى تغير في البنية والمعنى؛ فمع حلول منتصف القرن الثاني أشار مصطلح الرأي إلى نوعين من التفكير: أولهما: الاجتهاد الإنساني الحر المستند إلى اعتبارات عملية وغير الملزم بنصٍ موثوق به، أما الثاني: فهو الاجتهاد الحر المستند إلى نص موثوق والمحفَّز من اعتبارات عملية. ومع تنامي الحركة الدينية في القرن الثاني تم التخلي تدريجيا عن النوع الأول لمصلحة الثاني الذي خضع بدوره لتغييرين مهمين: فمن جهة تمَّ ترقية إسناد النصوص الموثوق بها، التي تشكل قاعدة مثل هذا النوع من الاجتهاد والتي نسبت إلى مرتبة أدنى من مرتبة النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى مرتبة السنة النبوية. ويمثل مذهب الشافعي ذروة هذه العملية، ومن جهة أخرى تغيرت نوعية الاجتهاد لمصلحة طرائق أكثر صرامة ومنهجية، فقد جرى التخلي عن مصطلح الرأي واستبدلت به مصطلحات أخرى مثل الاجتهاد والقياس. وعلى هذا النحو تابع المؤلف حديثه عن نشأة مفهوم الإجماع والاستحسان وتطورهما.

الشافعي وبداية تأصيل الفقه
منح العلم المعاصر الشافعيَّ امتياز مؤسس أصول الفقه. وأدى اعتبار الشافعي مؤسساً لأصول الفقه إلى الاعتقاد بأنه ما إن وضع نظريته حتى أبصرت أصول الفقه النورَ، وأن المؤلفين اللاحقين ساروا ببساطة على دربه. وبعبارة أخرى، ساد اعتقاد بوجود استمرارية غير منقطعة في تاريخ أصول الفقه بين رسالة الشافعي والكتابات اللاحقة حول الموضوع.

وقد أظهرت بحوث المؤلف أن هذه الاستمرارية لم توجد قط، وأن صورة الشافعي كمؤسس لأصول الفقه هي ابتكار متأخر. وأن أصول الفقه كما نعرفها الآن لم تبصر النور حتى أواخر القرن الثالث، الذي لم ينتج بحثا كاملا عن أصول الفقه، كما أن رسالة الشافعي نفسها لم تولد أي تعليق أو دحض لدى مؤلفي هذه الحقبة. ولكن رسالة الشافعي تمثل المحاولة الأولى لتجميع الجهد المنتظم للاجتهاد البشري، والاستيعاب الكامل للوحي كقاعدة الفقه الأساسية. ولكن التوفيقية التي روج لها الشافعي جاءت في وقت لم يرغب الكثيرون في اعتناقها، سواء من أهل الكلام الذين لم يقبلوا بفرضية أن الوحي هو الحكم الأول والأخير في الشؤون البشرية، ولا التقليديين الرافضين مبدأَ القياس الذي طرحه الشافعي.

تقعيد أصول الفقه ما بعد الشافعي
إن أقدم حقبة لدينا عنها سجل حافل في أصول الفقه هي القرن الخامس للهجرة، فقد تم فيه طرح المشاكل الرئيسية للنظرية الفقهية، وتم تعبيد الطريق لتحليلات أكثر دقة. كما شهد نشر عدد مذهل من الأعمال الأصولية، هذا فضلا عن بروز ألمع وأبرع منظري أصول الفقه.

وخلافا لبنية الشافعي الأولية وغير المخطط لها تُظهر نظريات القرن الخامس وعياً عميقاً بالبنية. فقد فرض واقع استنباط الفقه من نصوص الوحي بطريقة مباشرة وغير مباشرة بنظر الأصوليين بنيةً خاصة تتجلى فيها المواضيع وترتبط بعضها ببعض. وقد لخص المؤلف هذه البنية في العناصر الأساسية التالية:

أ ـ نظرية المعرفة: والتمييز بين الظن واليقين.

ب ـ أصول التشريع وحجية القرآن والسنة.

ج ـ البحوث المتعلقة بتحديد القيمة المعرفية للنصوص وفقا لضعف نقلها أو قوته، وبحسب الوضوح المعنوي لمضامينها اللغوية: الظاهر، والمجمل، والعام، والخاص وغيرها.

د ـ الإجماع.

هـ ـ القياس وما يتصل به من الاستحسان والمصالح المرسلة والاستصحاب.

و ـ قضايا الاجتهاد والإفتاء والتقليد.

الثابت والمتغير في أصول الفقه
يقوم الفصل الرابع على مناقشة العناصر الرئيسية أو الثوابت النظرية في عالم الممارسات الفقهية والاجتماعية، إضافة إلى الميول الثقافية التي أدت إلى ظهور التنوع والاختلاف أو المتغيرات النظرية ضمن إطار أصول الفقه.

يحدد المؤلف الثوابت النظرية لأصول الفقه السنِّي بأنها أربعة: القرآن والسنة والإجماع والقياس. والخط الذي يميز بين الثوابت والمتغيرات هو “خط يفصل بين المصدر كمسلمة مقبولة على نطاق واسع أو مجموعة من المسلمات من طرق فهم هذا المصدر وتفسيره وإعادة تفسيره. وهذا الخط هو المعيار الذي يميز، على سبيل المثال، بين القبول بمبدأ القياس كطريقة شرعية والرفض الكلي لقياس الشبه” ص 172. وكما تفترض المتغيرات وجود الثوابت فإن الثوابت لا تكفي بحد ذاتها لتدلل على أصول الفقه بشكل كامل من دون المتغيرات. إن المتغيرات أشبه باللحم الذي يعطي شكلاً وحياة للهيكل العظمي للثوابت.

وقد لاحظ المؤلف المتغيرات النظرية على عدة مستويات:

أ ـ الموضوعات الأصولية من حيث المحتوى والترتيب: حيث تنوعت المصنفات الأصولية واختلفت في المواضيع والقضايا التي ينبغي إدراجها في أصول الفقه، وتلك التي ينبغي إقصاؤها، فضلا عن اختلافها في هيكلية العلم وترتيب أبوابه، فقلما اتبع أصوليان النمط نفسه من التصنيف.

ب ـ التقعيد النظري [5]: تتبع المؤلف التطورات التنظيرية في أصول الفقه في مجالات المصلحة المرسلة والاستحسان الفقهي، والتطور الكبير الذي طرأ على مفهوم العلة [6]، كما لاحظ التأثير الذي تركته المؤلفات المنطقية على مصنفات المنظِّرين لأصول الفقه. وقد أشار إلى التقدم الذي أحرزه مفهوم الاستقراء في حقل الشريعة، بدءا من ظهور مبدأ التواتر المعنوي في الحديث النبوي في مطلع القرن الخامس، ثم تطوره دليلاً من أدلة الشريعة عند القرافي والشاطبي، وربطه بمفهوم المصالح المرسلة ودخوله عنصرا في التفكير والجدل الفقهي.

ج ـ تمازج المقدمات المنطقية والكلامية في أصول الفقه: بدأ التأثر المتبادل بين علم الكلام وأصول الفقه في مراحل مبكرة من تطور أصول الفقه، ثم ظهرت أبحاث عديدة تتعلق بالجدل الفقهي في منتصف القرن الرابع على يد القفال الشاشي، ثم كانت ذروة تطورها على يد الجويني في القرن الخامس في كتابه «الكافية في الجدل»، هذا الجدل الذي دخل كوسيلة إقناع في كتب الأصول، ثم ازدادت فقهيَّة تلك الممارسة في القرون اللاحقة. وتأخر دخول المنطق في أصول الفقه حتى القرن الخامس مع الغزالي (ومن قبله مع ابن حزم على استحياء) [7].

د ـ النمو التراكمي والتطورات اللاحقة: في هذا السياق يعرض المؤلف للمتغيرات الداخلية -خلافا للمتغيرات الخارجية القادمة من علم الكلام والمنطق- المنبثقة عن أصول الفقه نفسه. فمن أمثلة ذلك:

ـ الجدل حول وجود المجتهدين الذي ظهر في القرن السادس.

ـ التفريق بين المجتهد والمفتي: فحتى منتصف القرن الخامس كان المخوَّل بالإفتاء هو من وصل إلى رتبة الاجتهاد، ولكن بعد قرن من الزمن بدأت الآراء تظهر في جواز إفتاء من لم يبلغ درجة الاجتهاد. وابتداء من القرن السابع أصبح هذا الرأي مقبولا بصورة عامة. إن تغيُّر الخطاب المتعلق بمؤهلات المفتي يعكس التنازلات التي اضطرت النظريات الفقهية إليها من أجل التأقلم مع واقع الممارسة الشرعية القائمة، حيث أصبح المقلدون هم المتولون لأمر النظام الشرعي.

ـ نشأة الشروح والمختصرات وشروح الشروح: يؤكد د. حلاق على أهمية هذه النوع من التصانيف وأثرها البالغ في تطور النظرية الفقهية وأصول الفقه. هذه الشروح التي اعتبرها كثير من المسلمين المعاصرين والمستشرقين مبهمة وغير أصيلة ولا تستحق أن تُولى اهتماما. وقد درس المؤلف هذه الشروح وحصرها في خمسة أنواع، ولاحظ أن معظم هذه الشروح تعكس “درجة معينة من الإبداع والتجديد، تشبه تماما الإبداع والتجديد اللذين يظهرهما المؤلفون الذين تكتب الشروح حول أعمالهم. إذ تماما كهؤلاء المؤلفين، تعرَّض الشارحون في كتابة أعمالهم إلى تأثيرات أتت بها وقائع جديدة من الممارسة الشرعية فضلا عن البيئة الفكرية والتقاليد الثقافية التي نموا فيها. وباختصار، فإن ملخصاتهم ولاسيما شروحاتهم تشكل وسيطا لنمو الآراء والتغيير في أصول الفقه” ص 200

وفي سياق الحديث عن أنواع التصانيف المستحدَثة تناول المؤلف «كتب الفروع» و«كتب الفتاوى»، هذه التصانيف التي أصبحت فيما بعد جزءا من منظومة الاجتهاد والفتوى والقضاء، وتداخلت من وجوه عديدة مع الممارسة الأصولية.

ـ النظريات المتطورة المتأخرة: وهي نظريات أحدث تغييرات جوهرية في بنية النظرية الشرعية. وقد صاغ القرافي المالكي أولى تلك النظريات التي تدور بشكل أساسي على التفريق بين فتوى المفتي وحكم القاضي، وعليه فقد طالب بإعادة تفسير الأحاديث النبوية وتصنيفها وفق تحديد دقيق لوظائف النبي (صلى الله عليه وسلم) التي كانت يؤديها في كل نوع من الأحاديث. والقرافي بهذا يولي أهمية خاصة للطريقة السياقية غير النصية في تفسير السنة، وهي طريقة تناقض كليا الموقف التفسيري الذي يتخذه جمهور الأصوليين السابقين، إذ يرون أنه ينبغي أن تفسر الأحاديث النبوية كوحدات مستقلة يحدد معناها النصُّ بحد ذاته ولا تخترقه، أو لا يُسمح بأن تخترقه عوامل خارجة عن النص.

أما النظرية الثانية فهي نظرية المصلحة للطوفي الحنبلي، وتتلخص في أن الشريعة أعطيت للمسلمين بهدف حماية مصالحهم، فلا تناقض بين المصلحة والقرآن والسنة والإجماع، غير أنه في حال ظهر تناقض، فينبغي أن تحل مقتضيات المصلحة محل المصادر الأخرى عبر التخصيص، وليس عبر استبعادها كلها.

أصول الفقه والواقع الاجتماعي
يتناول المؤلف في الفصل الخامس من كتابه العلاقة بين أصول الفقه كخطاب نظري مجرد، والواقع الاجتماعي الديني الذي ساهم في إنتاج هذا الخطاب الفقهي النظري. في هذا السياق اقتصر المؤلف على دراسة الشاطبي كنموذج عن هذا التفاعل بين النظرية والواقع [8]، ومما دفعه إلى اختصاص الشاطبي بالدرس هو تصحيح سوء الفهم الذي تعرض له الشاطبي من قبل العلماء المعاصرين، ولاسيما الإصلاحيين، الذي أساؤوا فهم دوافع نظرية الشاطبي وبالتالي جوهرها. وكذلك رغبته في إظهار أن كلا ، هدف نظريته وطبيعتها خاطئان.

تكمن فرادة نظرية الشاطبي في أنه لاحظ عجز الفقه عن معالجة التغيير الاجتماعي الاقتصادي في القرن الثامن للهجرة في الأندلس؛ فحاول أن يستجيب للحاجات الخاصة بزمنه عبر إظهار كيف يمكن تكييف الشرع مع الظروف الاجتماعية الجديدة. ولكن الأسباب التي أدت إلى نظريته لم تنجم أبدا عن رغبة في إنشاء آلية نظرية تؤمِّن المرونة وإمكانية التكيف مع القانون الوضعي.

بل يشدد المؤلف على أنه نظرية الشاطبي هدفت إلى إعادة قانون الإسلام الحقيقي؛ القانون الذي زيفته ممارستان متطرفتان في زمانه: مواقف المُفتين المتهاونة، والطلبات الفقهية المفرطة من غالبية المتصوفة المعاصرين له. بعبارة أخرى، إن الجانب الجدلي مع هذين التيارين كان العامل الأساس والمفسر لكثير من آراء الشاطبي وأفكاره ، بل وحتى المواضيع التي تناولها داخل كتابه «الموافقات».

تحديات الحداثة: نحو أصول نظرية جديدة للفقه
يقدم المؤلف في الفصل السادس من كتابه نظرة عامة عن التفكير المعاصر حول الأسس والمنهجية النظرية للشريعة، ويوضح بشكل خاص الصعوبات المنهجية التي واجهها المصلحون المعاصرون، والحلول التي قدموها لإعادة صياغة أصول الفقه.

مع إعادة صياغة القوانين والتشريعات في الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، بدأ المصلحون باللجوء إلى آليَّة، لم تكن معتمدة ولا مقبولة من قبل، يمكن على ضوئها إعادة صياغة الشريعة عبر التخيُّر من مذاهب تقليدية مختلفة. وحتى الآراء المرجوحة في مذهب ما، قد تجددت واعتُمِدت بمشروعية توازي تلك التي تمتعت بها الآراء الراجحة.

ولكن آلية الاختيار والمزج هذه لم تكن تجد دعما في الآلية الشرعية المتناسقة، وكانت تعاني من خلل منهجي خطير يهدد تماسك الاجتهاد والنظام الشرعي برمته. لذلك انطلق منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر البحث عن منهجية شرعية ملائمة ومتسقة. وظهر في هذا السياق توجهان عرفا في العالم الإسلامي:

أ ـ المنفعيَّة الدينية: يصوغ أصحاب هذا التوجه نظريتهم الفقهية بناءً على المصلحة، وهي مبدأ قلَّ تطبيقه تقليديا، فوسَّعوه كثيرا كي يصبح المكون الرئيسي في النظرية الشرعية الجديدة. وقد اعتمد هؤلاء على مجموعة من المبادئ التي وضعها في الإسلام فقهاء متقدمون من القرون الوسطى، مثل القرافي والطوفي والشاطبي وغيرهم، ولكنهم ـ كما يوضح د. حلاق ـ يتشاطرون معهم هذه المبادئ أسميا فقط، لأنهم تلاعبوا بها وأعادوا صياغتها بحسب أغراضهم الخاصة.

وقد تعرض المؤلف لخطاب ثلة من أصحاب هذا الاتجاه بدءا من رشيد رضا، فعبد الوهاب خلاف، وعلال الفاسي، وحسن الترابي؛ كاشفا عن الخلل المنهجي الذي أحاط بتجارب هؤلاء المصلحين، وعن الضعف والتهافت الذي لازم الحلول التي قدموها لإعادة صياغة أصول الفقه؛ ومبرهنا على أنهم ـ فيما عدا الاعتراف الرمزي بمرجعية القرآن والسنة ـ قد تخلّوا عن معظم الخطوط العريضة لأصول الفقه التقليدية، مثل نظريات النسخ، والإجماع الذي أصبح يشير إلى الشورى التي تساعد الدولة في مسائل التشريع واعتماد السياسات. وكذلك مجموعة القواعد الأصولية التي تنظِّم القياس باعتباره قياس فرع على أصل، في حين تم التركيز عليه من جهة صلته بالاستصلاح. وهكذا أصبحت مفاهيم الحاجة والعوز المبررة بالمصلحة أهمَّ، وسُمح لها بأن تحلَّ محلَّ أوامر النصوص الدينية.

ب ـ التحرر الديني: يرفض أصحاب هذا الاتجاه المبادئ التي طورها الفقهاء التقليديون كلها، كما يرفضون نتائج الاستصلاح الذي مارسه المنفعيّون السابق ذكرهم، إذ إن مفهوم المصلحة مفهوم عشوائي لا يتسم بالصرامة المنهجية التي يجب أن تتوفر لقيام نظرية فقهية حديثة متماسكة. لذلك يسعون إلى تقديم نظرية فقهية جديدة تقوم على إعادة تفسير النصوص الشرعية وفق منهجية جديدة. ومن ممثلي هذا التيار محمد سعيد العشماوي وفضل الرحمن ومحمد شحرور.

وفي سياق المقارنة بين هاتين النزعتين يشير د. حلاق إلى ظاهرة غريبة، وهي أن المتحررين الذي تم رفضهم قد قدموا منهجية متماسكة ومحترمة، ونظامَ تفكير أكثر التزاما بالإسلام، في حين أن المنفعيين لم يبدوا سوى اهتمام ضعيف للقيم القانونية الإسلامية، واقتصر عملهم على مفاهيم الفائدة والحاجة والعوز، وأصبحت النصوص المنزَّلة في النهاية تابعة لهذه المفاهيم. أما منهجيات فضل الرحمن ومحمد شحرور فترفض أن تخضع لهذه المفاهيم وتستبدل بها أفكاراً منظَّمة لتحليل نصي/سياقي حيث يتم التركيز على القانون الإنساني، وهو موجَّه بشكل عام من قبل إرادة إلهية ولم يُملَ حرفيا ونصيا.

ولكن، إذا كانت ملاحظة المؤلف دقيقة ومهمة بخصوص فشل النزعة المنفعية أو المصلحية في إرساء نظرية فقهية متماسكة أو بناء أصول فقه جديد، فإنه ليس محقا بخصوص أصحاب النزعة الأخرى الذين وإن حاولوا تقديم منهجية لتحليل النص الديني وفقهه، إلا أننا لا يمكن أن نقرَّ بحال أنها منهجية متماسكة، أو متسقة، إن لجهة أسسها اللغوية والتأويلية، أو حتى لبنيتها الكلية وأسسها النظرية [9].

على أية حال، فلعل أهم ما يقدمه هذه الكتاب [10] هو الخروج على النزعة الأصالية في دراسة تاريخ المعارف الإسلامية، تلك النزعة التي تصب اهتمامها على القرون الأولى، أو ما يسمى عادة عصر التدوين، باعتبارها قمة ما وصلت إليه العلوم الإسلامية ومنتهاها، وتهمل القرون اللاحقة باعتبارها ليست أكثر من اجترار وتكرار لما سبق. فهو يقدم لنا رؤية مختلفة عما اعتدنا أن نسميه ـ بتأثير من المدارس الإصلاحية الحديثة ـ عصورَ التقليد والتخلف والركود؛ مبرزا دور النخبة العالمة فيها في تطوير كثير من المفاهيم الفقهية وتطويعها لتلائم المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي واجهتها. إن هذا الكتاب إسهام حقيقي في تصحيح كثير من التصورات الخاطئة عن تاريخ التأصيل النظري للفقه الإسلامي، أعني أصول الفقه، القديم منه والحديث.



الجمعة، 14 مارس 2014

مقالات في السياسة الشرعية

مقالات في السياسة الشرعية 

فهد الحمودي

 


هذه مجموعة مقالات كتب المؤلف اثنين منها 
الأولى بعنوان: مشورة النساء في السنة 
والثانية بعنوان الشريعة الإسلامية والدولة الحديثة تعارض أم توافق 
اما باقي المقالات  فقد ترجمها لمجموعة مؤلفين
فالمقال الثالث بعنوان الأسس التوراتية للسلطة الأموية للمستشرق أوري روبين
والرابع بعنوان  السلطة القضائية والدولة : الأزمة الفقهية للإسلام في العصر الحديث كتبه وائل حلاق
والخامس بعنوان : صراع المرجعية بين سنة محمد صلى الله  عليه وسلم وسنة الخليفة عمر كتبه ابراهام حاكم

والكتاب نشرته الشبكة العربية لللأبحاث و قد حظر توزيع هذا الكتاب وأمثاله في معرض الرياض الدولي  الأخير 2014