السبت، 30 أبريل، 2016

الإسلاميون في الدولة

الإسلاميون في الدولة 

تجربة حركة النهضة التونسية في سياق الدولة الحديثة

 


منقول عن موقع المركز المغاربي للبحوث والتنمية 

أصدر الكاتب والباحث التونسي في شؤون الحركات الإسلامية جلال الورغي كتابا  عن تجربة حركة النهضة التونسية بعنوان: “الإسلاميون في الدولة: قراءة في تجربة حركة النهضة التونسية في الحكم”، والصادر عن دار ضفاف للنشر والمركز المغاربي للبحوث والتنمية، في تموز (يوليو) الجاري، عالج عبر رؤية كلية أهم الإشكاليات والتحديات التي واجهتها تجربة إسلاميي تونس في الحكم.
ورأى الكاتب أنه ولئن خبر “الإسلام السياسي” في جل الدول العربية سبل معارضة أنظمة حكم عاتية وقمعية، بل وتمرّس في المواجهة الجماهيرية والشعبية، بل وأحيانا حتى المسلحة ضد الأنظمة في المشرق والمغرب، فإن هذا التيار يجد نفسه اليوم أمام تحديات من طبيعة مختلفة تماما، بعد أن دفعت به صناديق الاقتراع إلى سدة الحكم، حاكما أو مشاركا في الحكم، في البلدان التي شهدت تغيرات كبرى، دشنتها تونس يوم أعلن رسميا عن سقوط رأس النظام ونهاية عهد زين العابدين ابن علي في 14 كانون ثاني (يناير) 2011.
ويقول المؤرخ العربي بشير موسى نافع الذي قدم للكتاب: “في هذه المقالة الطويلة حول “تجربة الإسلاميين في الحكم في تونس”، يقدم جلال الورغي قراءة أولية لتجربة حركة النهضة التونسية خلال مرحلة ما بعد الثورة مباشرة، على خلفية من الانقسام السياسي الداخلي والاستقطاب الإقليمي. بخلاف مقالات وتعليقات صغيرة، نشرت في الصحف ووسائط الإعلام الأخرى، هذه ربما أول محاولة للنظر إلى تونس في مرحلة الانتقال المرهقة من الاستبداد، الذي مثله نظام بن علي، إلى الحرية والديمقراطية. والمدهش، بالرغم من الزلزال الذي أحدثته حركة الثورة العربية منذ اندلاعها في تونس (ديسمبر/ كانون أول 2010)، أن قلة من الباحثين العرب تصدوا لمهمة القراءة التحليلية والنقدية لما عاشته الدول والشعوب العربية في السنوات الأربع الماضية، سواء في المجال العربي ككل، أو في كل دولة على حدة. يفضل أغلب الباحثين عادة الابتعاد قليلاً عن الحدث، سيما الحدث الكبير، قبل أن يحاولوا مقاربته بالدراسة. ولكن ما لاشك فيه أن القراءات المبكرة لا تساعد على إضاءة الطريق أمام الأمم والشعوب وحسب، ولكنها توفر تمهيداً ضرورياً للقراءات اللاحقة، الأبعد عن الحدث، التي يتاح لها من المعلومات، والصورة الأوسع، والتجرد المضوعي، ما لا يتاح لشهود الحدث والمنخرطين في تطوراته. هذه هي الأهمية الأولى لهذه المقالة”.
ويضيف بشير نافع: “أما الأهمية الثانية فتنبع من كونها تأتي في لحظة تعثر حركة الثورة العربية، التي بدت في 2011 وكأنها تحمل الكثير من وعود التغيير على مستوى الدولة وعلاقة الدولة بالشعب في المجال العربي كله تقريباً. ولأن هذه الدراسة تولي عناية خاصة بقراءة التجربة التونسية، ومحاولة فهم القوى والدوافع التي أثرت على هذه التجربة في سنواتها الثلاث الأولى، وأن تونس تعتبر أولى وإحدى أبرز حلقات الثورة في المجال العربي، تكتسب هذه الدراسة أهمية مضاعفة”، على حد تعبيره.
وفي المحور الأول من الكتاب الذي جاء تحت عنوان: مسار تاريخي لم يكتمل في الجغرافيا، تحدث الورغي عن التحدي الأول الذي واجه التجربة التونسية، وهو أن عملية التغيير التي حصلت في تونس وبعض الأقطار العربية لم تمتد لتشمل المنطقة العربية بأسرها، لا سيما بعض الدول العربية المحورية على غرار الجزائر والسعودية وسورية التي ارتبكت فيها الثورة بسبب تدخل قوى أجنبية متناقضة المصالح. واعتبر الكاتب أنه لم يكن ممكنا أن تحقق أي تجربة تغيير عربية مكاسب معتبرة في ظل وضع عربي وبعضه دوليا معاديا أو متحفظا عليها.
وأشار الورغي إلى أن التحدي الثاني كان يتعلق بمغامرة التغيير في إطار الدولة الوطنية “القطرية”، وتحدث عن أن عملية التغيير بدت وكأنها في إطار وفي سياق الدولة العربية الحديثة، التي تعاني من مأزق بنيوي، يمثل في حد ذاته مأزقا وسببا حقيقيا في حالة التخلف والاستبداد التي تعاني المنطقة العربية منها. ويؤكد الكاتب أن مصير التغيير ضمن أفق الدولة القطرية، يكاد يكون محكوما بالفشل مسبقا. ويعتبر أن تجربة التغيير في إطار موازين قوى دولية مختلة وغير مرحبة، كان تحديا لا يقل ارباكا لتجربة التغيير والحكم التي خاضها الإسلاميون.
ورأى الكاتب أن موازين القوى العالمية لا تزال لغير صالح حركة التغيير في العالم العربي، إلى جانب استمرار التحفظ على وصول التيار الإسلامي للحكم وإدارته للدولة. ولذلك يرى الكاتب أن هناك عملية حصار خفية ضربت على التجربة التونسية كما المصرية، جعلها تعاني من حالة عزلة وارتباك، في ظل وضع اقتصادي واجتماعي وأمني هش، بسبب زلزال التغيير الذي طال دول الربيع العربي.
بيد أن الكاتب لم يغفل عن التحديات الذاتية والتي عالجها من خلال محور تحت عنوان: “غياب الرؤية في العلاقة بإدارة الدولة وإدارة الصراع”، وآخر تحت حيرة النهضة بين الدولة والمجتمع. وثالث حول غموض والتباس في مصدر القرار بشأن إدارة الدولة. كما عرض الورغي لما تسبب فيه الصراع الأيديولوجي من انقسام ثقافي في المجتمع أربك تجربة لا تزال طرية العود، وكانت تحتاج للبحث عن المشترك والبقاء ضمن الصراع السياسي فقط.
وتناول الورغي أيضا مسألة هشاشة الديمقراطية في تجربة لا تزال فتية بعد عقود طويلة من الاستبداد والدكتاتورية، ما عسّر على القوى الصاعدة أن تتعامل بسهولة وايجابية مع نتائج صناديق الاقتراع أو التسليم بها. واعتبر أن نجاح تجربة التغيير والحكم في العالم العربي ستبقى محدودة الأفق إلى حد كبير في ظل التحرك ضمن أفق الدولة القطرية الحديثة، التي تبدو في عمقها مجهضة وقابرة لتطلعات الشعوب العربية في الحرية والديمقراطية السياسية والتنمية الاجتماعية والازدها الاقتصادي.
ودعا الورغى إلى ضرورة توقف جاد للنخب العربية السياسية والفكرية عند موضوع الدولة العربية الحديثة ومدى جدواها في التعبير عن إرادة الشعوب وتطلعاتهم في التغيير.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق