الاثنين، 18 نوفمبر، 2013

الاستضعاف وأحكامه في الفقه الإسلامي

الاستضعاف وأحكامه في الفقه الإسلامي


من موقع الدرر السنية : تعيش الأمة الإسلامية مرحلة استضعاف, حيث استقوي عليها أعداؤها, وتكالب عليها خصومها, وإننا في هذه الحقبة من حقب التاريخ, بحاجة إلى معرفة أحكام الاستضعاف وما يتعلق به, إذ إن لمرحلة الاستضعاف أحكامًا واردة في كتب الفقه الإسلامي حري بكل مسلم أن يطلع عليها, وكتاب هذا الأسبوع يسلط الضوء على الأحكام المتعلقة بهذا الموضوع, فهو يهدف إلى حصر حالات الاستضعاف ومظاهرها, ودراسة مسائلها دراسة فقهية مفردة, مع بيان أحكامها سواء ما يتعلق بالأفراد والجماعات والدول.

تألف الكتاب من ثلاثة أبواب: أما أولها فتناول مفهوم الاستضعاف, وأنواعه, ومظاهره, وذلك في فصلين اثنين:
الفصل الأول: تم التعريف فيه بالاستضعاف لغة, وبين معناه اصطلاحاً فقال المؤلف في تعريفه أنه: (الحالة التي يكون فيها الفرد المسلم أو الجماعة المسلمة ضعفاء, بحيث لا يقدرون على إظهار الإسلام وشعائره أو تطبيقها كلها أو بعضها بسبب عدو أو سلطان جائر), كما استعرض مفهومه في القرآن الكريم, والسنة النبوية, وذلك بسرد عددًا من الآيات والأحاديث التي تتناوله, مع التعليق عليها من كلام أهل العلم.

وتناول المؤلف أيضاً في مباحث هذا الباب بيان الألفاظ ذات الصلة بموضوع الاستضعاف كالإكراه, والاضطرار, والفرق بين الضرورة والحاجة, والاضطهاد, وعقد مقارنة بين الاستضعاف وبين هذه الألفاظ.

أما الفصل الثاني فبدأه بذكر أنواع الاستضعاف, وأوضح أنه ينقسم أقسامًا بحسب اعتبارات ثلاث: فباعتبار درجته ينقسم إلى نوعين هما: الاستضعاف الجزئي: وهو الذي لا يمكن معه تطبيق بعض الأحكام الشرعية. وقد يكون لدى المستضعفين قوة إلا أنها غير كافية.
والاستضعاف الكلي: وهو الذي لا يمكن معه إظهار الإسلام وشعائره وتطبيقها, إما كلها, أو معظمها, وضرب لكلٍّ أمثلة.
أما باعتبار من يقع عليه الاستضعاف فذكر أنه نوعان أيضاً وهما: استضعاف الفرد: وهو الذي يقع على فرد من الأفراد, واستضعاف الجماعة والدولة: وهو الذي يقع على طائفة من المسلمين أو جماعة منهم, سواء أكان لتلك الجماعة دولة, أو كانوا أقلية.
كما أورد تقسيماً آخر, وهو تقسيم الاستضعاف باعتبار الاعتذار به, وذكر له نوعين: مقبول شرعاً, وغير مقبول شرعاً.

ومن الأمور التي تطرق لها في هذا الفصل أيضاً ذكر العلاقة بين مرحلة الاستضعاف والمرحلة المكية, ثم ذكر مظاهر الاستضعاف، وهي الصورة التي يبدو عليها, فذكر من أبرز مظاهره: وقوع القتل, والتعذيب, والسجن, والإبعاد على المستضعفين, ومن ذلك أيضاً إخفاء المسلمين للشعائر التي أصلها الإظهار, ومن ذلك عدم القدرة على تطبيق الأحكام الشرعية. وغيرها من المظاهر.
وتحدث أيضاً في هذا الفصل عن استحكام الاستضعاف في الأرض، وهل يمكن أن يقع هذا الاستحكام في الأرض كلها أم لا.

أما الباب الثاني فاشتمل على ثلاثة فصول:
أولها تناول أسباب الاستضعاف, وقسمها إلى: أسباب داخلية وأخرى خارجية, أما الداخلية فذكر منها انشقاق المسلمين وتفرقهم, والعصبية والعنصرية بين المسلمين, وعدم الأخذ بأسباب القوة. وأما الخارجية فكالاحتلال, والاستعمار, وما خلَّفه من آثار, والغزو الفكري والثقافي, والحصار بمختلف أشكاله وصوره.

الفصل الثاني خصصه المؤلف لذكر وسائل دفع الاستضعاف، فذكر منها المؤلف ست وسائل وهي: الأخذ بأسباب القوة, والوحدة الإسلامية, والدخول في الجوار, والمعاهدات والتحالفات, والجهاد, والهجرة.

وفي الفصل الثالث من هذا الباب تناول المؤلف الأمور والضوابط التي ينبغي على المستضعفين الأخذ بها ومراعاتها, وهي أمور عدة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: تفاوت قدرات المستضعفين, والتفريق بين استضعاف العالم واستضعاف غيره, وبيان أن تقدير الضرورة والحاجة يكون بالرجوع لأهل العلم, كما ينبغي عدم الركون إلى الاستضعاف. وغيرها.

وفي الباب الثالث شرع المؤلف في ذكر أحكام الاستضعاف حيث اشتمل هذا الباب على فصلين اثنين:
الفصل الأول ذكر فيه المسائل المتعلقة بالاستضعاف, فذكر منها مسألة الاستعانة بالكفار في القتال حال الاستضعاف, وبيَّن في هذه المسألة اتفاق أهل العلم على جواز الاستعانة بهم في أعمال الخدمة والرمي ونحوها، مما لا يخرجون فيه عن الصَّغَار, أما حكم الاستعانة المباشرة بهم في قتال الكفار، فذكر الخلاف فيه مرجحاً عدم جواز الاستعانة بهم ضد الكفار إلا في حالة الضرورة والحاجة.

ومن المسائل المتعلقة بالاستعانة كذلك الاستعانة بهم في قتال البغاة من المسلمين, وهي من المسائل الخلافية كما بين المؤلف, وقد رجح فيها قول من قال بعدم جواز الاستعانة بهم في هذه الصورة, وفي حال الاضطرار يكتفى باستعمال ما يعمُّ من السلاح, أو الاستعانة بسلاحهم. كما تحدث عن الاستعانة بأهل البدع, وكذلك أهل الكفر في جوانب أخرى غير القتال.
ومن المسائل المذكورة في هذا الفصل أيضاً دفع المال للكفار في حال الاستضعاف, ورجح المؤلف جواز دفعه للدولة الكافرة عند الاضطرار، ورؤية الإمام أن هذا الصلح خير للمسلمين.

ومن المسائل كذلك تعطيل الحدود في حال الاستضعاف, وتحدث في هذه المسألة عن أمور كالتمهيد لإقامة الحدود, ومسألة استبدال الحدود بغيرها من العقوبات, ذاكراً الفرق بين تعطيل الحدود وتعطيل التعازير, والحالات التي يجوز فيها تعطيل الحدود, وقد خلص المؤلف في هذه المسألة أنه يجوز تعطيل الحدود في حال الاستضعاف بشرط اتصال الاستضعاف بإقامة الحدود.
ومن المسائل أيضاً مسألة الاعتراف بالاحتلال في حال الاستضعاف, والتي ترجح فيها للمؤلف عدم الجواز, كما ذكر أيضاً عدم جواز بيع الأرض أو تأجيرها على الكافر المحارب, ورجح تحريم تسليم المطلوبين المسلمين أو أهل الذمة إلى الدولة المحاربة, إلى غير ذلك من المسائل التي تناولها المؤلف في هذا الفصل.

أما الفصل الثاني فخصصه المؤلف لذكر ما يرخص به حال الاستضعاف, كجواز كتمان الإسلام وإخفاء شعائره حال الاستضعاف، ومتى ما أظهر المستضعف الشعائر بنية إعزاز دين الله- وإن كان يعلم بأنه سيعود عليه بالضرر أو التلف- كان مأجوراً ومثاباً وهو الأولى. كما ذكر المؤلف المواضع التي يكون فيها الكتمان للإسلام وشعائره واجباً, وتحدث أيضاً عن كتمان الجماعة للإسلام وشعائره.

ومن الأمور التي ذكرها المؤلف، ورأى أنه يرخص فيها في حال الاستضعاف، استخدام المستضعف للحيلة ونحوها, واستخدامه للتقية مع بيان متى تكون، وشروط جوازها, كذلك استخدامه للمداراة والمداهنة وشروط النطق بكلمة الكفر.

والكتاب دراسة جادة لعله لم يسبق بإفراد مؤلف في هذا الموضوع، يجمع مسائله مبينا أحكامها وراجحها من مرجوحها، مقرونا بالأدلة، فجزى الله مؤلفه خيرا.

هناك تعليق واحد: