السبت، 13 ديسمبر، 2014

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي - مايكل كوك

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 

في الفكر الإسلامي 

 مايكل كوك



نبذة النيل والفرات:

إن هذا الكتاب للمؤلف والمستشرق أستاذ قسم دراسات الشرق الأدنى في جامعة برنستون، "لا يمثل وحسب استقصاء واسعاً وشاملاً للتجربة الإسلامية في رؤية العالم والدور والمسؤولية فيهما وعنهما من جانب المسلمين، بل هو أيضاً قراءة عميقة ومستوعبة لروح الإسلام كله، من منظور إشكاليات المسؤولية بين الدولة والمواطن في التجربة العالمية المعاصرة". وإن الإشكالية التي يطرحها هي "إشكالية المواطنة المعاصرة والتي تقول بحق الجميع في المشاركة والمحاسبة والمراقبة لمسائل الشأن العام، والإسهام في تحقيق الخير العام، والتدخل من أجل التصحيح والتغيير. وهو يرى أنها توافرت وبعمق ديني وأخلاقي في التجربة الإسلامية الكلاسيكية بسبب إصرار المسلمين عليها وما تزال لها تأثيرات في الإسلام الحديث والمعاصر، ولدى سائر الفرق والمذاهب".
اعتمد المؤلف في بحثه القيّم والشامل لهذا الموضوع، على عدد من مكتبات البحث في بلدان عدة، كمكتبة المتحف البريطاني، ومكتبة جامعة ليدن، ومكتبة الدولة في برلين، ومكتبة الفاتيكان، والمكتبة السليمانية في اسطنبول، ومكتبة الأسد في دمشق، كما على"مجموعة المخطوطات الإسلامية الرائعة في مكتبة فايرستون في برنستون".
تتبع الباحث مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في النص القرآني، ثم في نصوص المفسرين الأوائل، وفي الأحاديث النبوية، وفي سلوكيات المحتسبين المتميزين الأوائل. كما أنه غاص في تجليات هذا المبدأ في التجربة الكلامية والفقهية الإسلامية، اهتم "بالإمام أحمد بن حنبل وحركته الدينية الاجتماعية والسياسية، ثم بالحنابلة في بغداد ودمشق، ملقياً ضوءاً على خصوصية ابن تيمية ثم الوهابية والدول السعودية الثلاث حتى السبعينات من القرن العشرين"، ومن ثم بالمعتزلة وأصولهم الخمسة، والزيدية والإمامية والحنفية والشافعية، ثم أنهى قراءة المرحلة الكلاسيكية بفقرة متميزة عن الإمام الغزالي.
كما بحث في هذا المبدأ من خلال التطورات الحديثة لدى السنة والشيعة، وبحث في "شيء من الخفر والتردد" إمكانية تأثيره في ظهور الأصوليات الإسلامية المعاصرة. ينتهي البحث "بعقد مقارنات بين الجاهلية والإسلام فيما يتصل بالمسؤولية الاجتماعية ودوافعها، ثم بين المسيحية أو المسيحيات في القديم والحديث من جهة، والإسلام من جهة ثانية".
تتضمن هذه الدراسة الشاملة والمعمقة أيضاً، ملحقاً بأهم الآيات والأحاديث، وملحقاً آخر عن رؤية ابن العبري لمبدأ النهي عن المنكر، إضافة إلى فهرس بالمراجع والمصادر.

  مراجعة:
رضوان السيّد (أستاذ الدراسات الإسلامية ـ الجامعة اللبنانية بيروت 
صدر عام 2009 عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر كتاب «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» للمؤلف مايكل كوك (أميركي مستشرق) وترجم النص وراجعه على المصادر وقدم له الدكتور رضوان السيد والدكتور عبد الرحمن السالمي والدكتور عمار الجلاصي.

تأثر المستشرق الكبير مايكل كوك بكلام الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين، حيث قال إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أصل الإسلام، وجوهر الدين، فكان ذلك من دوافع إقدام كوك على بحث هذا الأمر في الموروث الفقهي والكلامي الإسلامي المكتوب كله. وقد التزم كوك في عمله ظاهراً بالطرائق الفيلولوجية فاستوعب كل ذكر لهذين المفردين عن طريق القراءة الهائلة، والتنظيم الدقيق. بيد أن إشكالية الكتاب هي المواطنة المعاصرة التي تقول بحق الجميع في المشاركة والإسهام في تحقيق الخير العام، والتدخل من أجل التصحيح والتغيير. وهو يرى أنها توافرت في التجربة الإسلامية الكلاسيكية بسبب إصرار المسلمين عليها ولا تزال لها تأثيرات في الإسلام الحديث والمعاصر، ولدى سائر الفرق والمذاهب.

إن هذا الكتاب لا يمكن تلخيصه بل لا بد من قراءته، والتمعن في مقاصده، فالنص عميق وشاسع، ويرتكز على مئات المصادر المطبوعة والمخطوطة، التي رجع إليها المؤلف بكفاية ومسؤولية عاليتي الوتيرة ولكي يصل الى استنتاجات بعيدة المدى في موضوعه، والموضوعات المجاورة.

إن الواقع أن هذا الكتاب في أحد وجوهه هو قراءة عميقة لروح الإسلام كله، من منظور إشكاليات الضمير الديني والأخلاقي، وأبعاد المسؤولية بين الدولة والمواطن في التجربة العالمية المعاصرة.

الباحث رضوان السيد وضع المقدمة، متعمقاً في مضمون هذا الكتاب، وفاتحاً آفاقاً جديدة فيه.

هنا مقتطف من مقدمة رضوان السيّد.

أولاً: القرآن: المفهوم وتحديداته

هناك ثلاثة أنواع من الآيات التي يذكر فيها مفرداً «المعروف» و»المنكر» مقترنين أو غير مقترنين.

النوع الأول، وهو الذي يحصل فيه الاقتران، وهو موضوع البحث هنا، هو الأكثر وروداً في القرآن الكريم وبثلاث صيغ: صيغة الخبر، مثل «يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر» (التوبة:67)، وصيغة الوصف، أي وصف المؤمنين المثاليين: مثل «كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله» (آل عمران: 110)، أو مثل «الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر» (التوبة: 112)، وصيغة الأمر، مثل «ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر» (آل عمران:104)، ومن مثل «يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانهِ عن المنكر واصبر على ما أصابك» (لقمان: 17).

النوع الثاني، وهو كثير الورود في القرآن، ويُفرد فيه «المعروف» وحده بالذكر، وهو يعني بوضوح: الإجادة في المعاملة أو السلوك، والإحسان في العطاء. وذلك على مثل قوله تعالى: «فأمسكوهن بالمعروف أو سرحوهن بمعروف» (البقرة: 231)، وقوله تعالى «فلا جُناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف» (البقرة: 233)، وقوله تعالى «قولٌ معروف ومغفرةٌ خيرٌ من صدقة يتبعها أذى» (البقرة: 263)، وقوله تعالى «وعاشروهن بالمعروف» (النساء: 19). وكما يتضح مما أوردنا من آيات، فإن أكثر مرات ورود مفرد «المعروف» على الانفراد ـ فضلاً عن تحدد المعنى بالسماحة في القول والسلوك والتصرف ـ متعلق بالمشكلات الاسرية، وطرائق التعامل مع المرأة في حالات النزاع أو الافتراق.

والنوع الثالث من أنواع ذكر مصطلحي «المعروف والمنكر» أو أحدهما، هو المختص بذكر «المنكر» بمفرده، من مثل «كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه» (المائدة: 79). ومن مثل «تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر» (الحج:72). ومن مثل (أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر» (العنكبوت:29). ومن مثل (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون» (النحل» 90). والواضح مما ذكرناه من الآيات التي ينفرد فيها «المنكر» بالذكر، أن معناه الشر، بشتى أنواعه وصيغه من مثل الكفر بالله، وارتكاب الفواحش العلنية، وقطع الطريق، والاعتداء على الناس... الخ.

وبذلك يصبح معنياً المفردين «معروف ومنكر»، واضحين وللجهتين: جهة السياقات القرآنية التي يردان فيهما، ولجهة المعنى اللغوي المتداول في المعاجم، قبل التعرض للظلال والمعاني الثواني، التي يلجأ فيها اللغويون أيضاً للقرآن، وللشعر العربي القديم.

إنما ما هو المقياس في إنكار أو رفض هذا الأمر، واعتباره بالتالي منكراً، واستحسان الأمر الآخر، واعتباره معروفاً؟ أو من هي سلطة التحديد؟ أو بتعبير ثالث: ما مصدر اعتبار هذا الأمر معروفاً أو مستحسناً أو مشروعاً، واعتبار ذاك الأمر مكروهاً أو مداناً أو منكراً؟

السياقات القرآنية سواء في حالات الاقتران أو الانفراد ليست مؤكدة أو شديدة الوضوح. لكن المتبادر منها أن المصدر الاولي لمقاربة مسألتي الخير والشر أو المعروف والمنكر إنما هو الأعراف المستقرة أو العقل الجمعي. وقد اعتبر القرآن الكريم «الفطرة» الإنسانية أساساً لقيم الإيمان والخير «فطرة الله التي فطر الناس عليها» (الروم:30)، وفسرها النبي (ص) بهذا المعنى في حديث مشهور «كل مولود يولد على الفطرة» ـ ثم جرى قرن أو ربط «الشريعة» لدى المفسرين بهاتين المقولتين: مقولة المعروف والمنكر على أساس الفطرة، ونواتجها في العرف العام، بحيث يجري في أكثر الأحيان ومع استتباب التجربة الإسلامية التعبير عن المعروف بأنه ما صدر عن الشريعة أو ما كان شرعياً، وعن المنكر بأنه ما خالف الشريعة أو ما كان غير شرعي.

والمعروف أن هذا المبحث في سلطة تحديد الخير والشر أو الحسن والقبيح (؟) تطور لدى المتكلمين بعد القرن الثالث الهجري. وظهر من قال بالاستحسان العقلي، ومن قال بالاستحسان الشرعي.

لكن عندما أقرأ الأمر على هذه الشاكلة بالنسبة للقرنين الهجريين الأولين، فليس معنى ذلك أن العمليات التفسيرية والفقهية والتجريبية الاجتماعية والسياسية، جرت على هذا الخط المستقيم والبسيط. إذ إن المفسرين الأوائل اختلفوا في تفسير آيات الاقتران بين المعروف والمنكر، فمنهم من اعتبرهما مقارنين للإسلام نفسه، ومنهم من اعتبر أن معناهما الملازم للإسلام هو الجهاد، أي أن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن تناول واجبات للمؤمن أو للمؤمنين ذات طابع داخلي، فإنه بالدرجة الاولى يتعلق بواجبات الأمة تجاه الخارج أو مهماتها بالخارج في نشر الدعوة بشتى السبل ومنها الجهاد.

وقد كان واضحاً خلال القرنين بل القرون الهجرية الثلاثة الاولى أن الذي رجح هذا التأويل ـ وليس التفسير ـ للآيات القرآنية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليس السياقات القرآنية لتلك الآيات وحسب، بل الظروف التاريخية لقيام الدولة والفتوحات، ثم استمرار الجبهتين بين المسلمين وخصومهم، في المشرق مع الشعوب التركية، وفي بلاد الشام مع البيزنطيين.

ويتضح ذلك من الاختلاف بشأن «فرضية» الجهاد بين علماء الشام، وعلماء الحجاز في مطالع القرن الثاني الهجري. فقد كان علماء الحجاز يرون أن الجهاد مستحسن أو مندوب، في حين كان الشاميون، الذين يعانون من هجمات البيزنطيين عليهم في شمال بلاد الشام، يعتبرون الجهاد واجباً على سائر المسلمين. ثم ما لبث الجهاد ـ نحو منتصف القرن الثاني الهجري ـ أن انفصل عن مقولة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لأن الدولة استأثرت به، واعتبرته من مهماتها وواجباتها ومسوغات شرعيتها. وفي كتابي السير لمحمد النفس الزكية (ـ145هـ/ 762م)، والاوزاعي (ـ 157هـ/ 773م) آثار بادية للصراع بين الأمرين، أو التنافس بين المبدأين: مبدأ المهمة والمسؤولية الفردية، ومبدأ المهمة والمسؤولية الجماعية من طريق اعتبارات السلطة السياسية. ففي الكتابين اللذين وصلتنا نصوص ومقتبسات منهما، ترد عبارات مثل: «فإن خرج متطوعاً أو متلصصاً فغنم» ومثل: «ومن شتّى وحده في أرض العدو، أو عرض لداخل الى دار الإسلام...» ـ محتجاً في الحالتين بأنه إنما يمارس الجهاد باعتباره فريضة فردية، بمقتضى التمدح القرآني بالجهاد أو مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن ذلك لا يعتبر من «العمل الحسن». أما الدولة من جهتها فقد أوضحت وجهة نظرها في العهدين الأموي والعباسي. فعلى المسكوكات الأموية المعرّبة أيام عبد الملك بن مروان (65 ـ 86هـ/ 684 ـ 705م) بين العامين 75 و79هـ/ 694 ـ 698م صورة للخليفة الأموي يتأبط سيفه تحت آية قرآنية نصها «هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله» (التوبة: 33)، وفي أسفل الدينار المسكوك: خليفة الله عبد الله عبد الملك بن مروان! فالمهمات العالمية للإسلام، وفي طليعتها حماية دار الإسلام والدفاع عنها هي من خصائص وامتيازات خليفة الله، وأمير المؤمنين. أما الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور (36 ـ 59هـ/ 656 ـ 678م) فقد نظم الأمر نهائياً في هذه المسألة حيث اشترط على «المتطوعة» أفراداً وجماعات، ممن يريدون الجهاد، أن يجهزوا أنفسهم بأنفسهم، ثم أن ينضموا الى «أمير الصائفة» ويلتزموا بأوامره في الزحف والإياب وتوزيع الغنائم، ولذا نجد في الحملات العباسية الى الجبهة مع البيزنطيين مرتزقة (جنداً نظاميين يقبضون مرتبات) ومتطوعين. أما الآخرون من سكان المناطق الحدودية، فقد صاروا جميعاً من موظفي الدولة ومرابطيها الى أن انهارت الجبهة في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، لكنّ لذلك حديثاً آخر (...).

ثانياً: الأمر بالمعروف باعتباره واجباً فردياً

ومسؤولية شرعية وأخلاقية

في الوقت الذي كان فيه الجهاد يتحول الى واجب على الجماعة من خلال إمامها، كان مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ ومن خلال الممارسة ـ تتطور إدراكاته بوصفه مسؤولية على الأفراد والجماعات، ثم يتطور الى حق لأولئك الأفراد، وتلك الفئات. وعندما نقرر ذلك، ونعتبر أنه حصل، وصار أمراً مستقراً في النصف الأول من القرن الثاني الهجري/الثامن القضاء العادي، وبذلك فقد اشترعوا مواصفات لما صار يعرف اليوم بالجريمة السياسية. وقد ذكر الفقهاء ذلك في كتب «السِيَر» في القرن الثاني الهجري، ثم أثبت ذلك الإمام الشافعي (ـ204هـ/819م) في باب في كتاب الأم، وصارت تلك الممارسة عادة لفقهاء المذاهب جميعاً في كتبهم الفقهية العامة الى نهايات المرحلة الكلاسيكية في التجربة الفقهية والسياسية الإسلامية.

ثالثاً: كتاب كوك في الأمر بالمعروف

والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي

تأثر المستشرق الكبير مايكل كوك بكلام الإمام الغزالي (ـ450هـ/1111م) في إحياء علوم الدين، في الفصل الذي عقده فيه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث قال في مطلعه إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أصل الإسلام، وجوهر الدين، فكان ذلك من دوافع إقدامه على بحث هذا الأمر في الموروث الفقهي والكلامي الإسلامي في المكتوب كله. وقد التزم كوك في عمله ظاهراً بالطرائق الفيلولوجية لاستشراق القرنين التاسع عشر والعشرين، فاستوعب كل ذلك لهذين المفردين في التراث الإسلامي الكلاسيكي، وعن طريق القراءة الهائلة، والتنظيم الدقيق، وقبل أن يسهّل الكومبيوتر والانترنت الأعمال الاستقصائية. بيد أن إشكالية الكتاب العظيم هذا إشكالية شديدة الحداثة إذا صح التعبير. إشكاليته هي إشكالية المواطنة المعاصرة \والتي تقول بحق الجميع في المشاركة والمحاسبة والمراقبة لمسائل الشأن العام، والإسهام في تحقيق الخير العام، والتدخل من أجل التصحيح والتغيير. وهو يرى أنها توافرت وبعمق ديني وأخلاقي في التجربة الإسلامية الكلاسيكية بسبب إصرار المسلمين عليها وما تزال لها تأثيرات في الإسلام الحديث والمعاصر، ولدى سائر الفرق والمذاهب.

بدأ المؤلف كتابه بقصتين، أحداهما في «التوطئة» والأخرى في «المدخل». في «التوطئة» ذكر قصة المرأة التي اغتصبت في محطة قطار في شيكاغو عام 1988، وما تدخّل عشرات المشاهدين لإنقاذها أو ردع الجاني، وماذا يعنيه ذلك في سياق المسؤولية الأخلاقية والقانونية والدينية العامة.

ودون أن يصارح قرّاءه بالمقارنة أو التعليل، انتقل مرة واحدة في «المدخل» الى قصة «صائغ مرو» الذي تصدى لأبي مسلم الخراساني، بطل الثورة العباسية، لردعه عن الظلم ففقد حياته استناداً لاعتقاده بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم انصرف كوك لتتبع هذا المبدأ في النص القرآني، ثم في نصوص المفسرين الأوائل. وعلى غير عادته، فإنه لم يُطل في هذا القسم، لاستظهاره أن المفسرين لم يكن لهم كبير تأثير في مجرى التجربة الإسلامية في ما يتعلق بهذا المبدأ على الأقل. وأطال أكثر في استعراض الأحاديث النبوية التي تذكر هذا المبدأ وضوابطه، وأهمها حديثاً: التصدي للجائر لمنعه من الجور، والمنازل الثلاث. ثم انصرف الى سلوكات المحتسبين المتميزين الأوائل الذين طبّقوا فردياً هذا المبدأ وما عانوه أو ما ترتب على ذلك من نتائج. وأقبل كوك بعد هذه التمهيدات لاستكشاف «قلب العمل»، أي تجليات هذا المبدأ في التجربة الكلامية والفقهية الإسلامية. اهتم اهتماماً خاصاً بالإمام أحمد بن حنبل وحركته الدينية/ الاجتماعية والسياسية، ثم بالحنابلة في بغداد ودمشق، ملقياً ضوءاً على خصوصية ابن تيمية، ثم الوهابية، والدول السعودية الثلاث حتى السبعينات من القرن العشرين. واهتم ثانياً بالمعتزلة، ومعنى مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أصولهم الخمسة. وتفرّغ بتبسّط أكبر لفرقتي الزيدية (ذات الاهتمام الخاص بالمبدأ)، والإمامية؛ ملاحظاً أن الإمامية الإثني عشرية اهتموا بهذا المبدأ حديثاً أكثر مما اهتموا به في القديم. ولست أدري لماذا قدّم دراسة آراء الحنفية والشافعية خلال المرحلة الكلاسيكية على الإباضية. إذ المعروف أن الإباضية ـ مثل الزيدية ـ ذوو تأثير كبير في التطورات التاريخية الأولى لهذا المبدأ قبل قيام المذاهب. ثم أنهى قراءة المرحلة الكلاسيكية بفقرة متميزة عن الإمام الغزالي (الفقيه الشافعي الكبير، والصوفي البارز) لأهمية الفصل الذي عقده للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتابه الرئيس: إحياء علوم الدين، وتأثيراته على كل الفرق والمذاهب الإسلامية في القديم والحديث. وبعد تأملات متعجّلة بعض الشيء لبعض القضايا التي لم يعالجها من قبل مثل الأبعاد السياسية للنهي عن المنكر؛ ألقى نظرة موجزة أيضاً على التطورات في العصر الحديث لدى السنة والشيعة. وبحث بشيء من الخَفَر والتردد إمكانية تأثير مبدأ النهي عن المنكر في ظهور الأصوليات الإسلامية المعاصرة: فهل يشكل سلوك الإسلاميين المتشدّدين في العصر الحاضر، عودة للربط بين «الجهاد» ومبدأ الأمر بالمعروف، كما استظهرت في بعض مقالاتي؟! ثم عقد مقارنات بين الجاهلية والإسلام فيما يتصل بالمسؤولية الاجتماعية ودوافعها ـ ثم بين المسيحية أو المسيحيات في القديم والحديث من جهة، والإسلام من جهة ثانية، معتبراً ـ وعلى خلاف المتعارف عليه في الغرب ـ أن التجربة الإسلامية في المسؤولية الاجتماعية ذات الجذور الدينية والأخلاقية أبرز وأعمق معنى. وكنت في كتابي: سياسات الإسلام المعاصر، قد ناقشت مفهوم الـ»Berufung» أي الإحساس الرسالي أو الدعوي الذي لاحظه السوسيولوجي الألماني الكبير ماكس فيبر (Max Weber) في أخلاق العمل (باعتباره نوعاً من أنواع العبادة) لدى الكالفينيين من البروتستانت على الخصوص (في كتابه: الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية)، ورأيت أن أفضل مفرد لترجمته الى العربية مفرد: الاحتساب (وهو في الإسلام شعور غلاب بضرورة أداء الواجب دونما انتظار لفائدة مباشرة، بل لوجه الله ورجاء أجره وثوابه واحتسابه عنده)؛ لكن فيما يبدو فإن الأستاذ كوك لا يرى لهذا المبدأ أثراً ظاهراً في البروتستانتية المعاصرة. وقد أزعج ذلك الأستاذ جون كلسي (الباحث المعروف في أخلاقيات الدين، ومحرر كتاب: الحرب العادلة بين المسيحية والإسلام) فتتبع وجوه الإحساس بالمسؤولية بدوافع دينية وأخلاقية لدى اليهود والمسيحيين المُحدثين، معتبراً كوك متجنياً رغم عظمة كتابه. وما انتهى تعجب كوك وإعجابه عند هذا الحد، بل عقد ملحقاً آخر أوضح فيه أن المؤرخ المسيحي المعروف ابن العبري اقتبس نصه في «المسؤولية» (=الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من الإمام الغزالي! أي كأن المسألة برُمّتها ما كانت معروفة لدى المفكرين المسيحيين في الأزمنة الكلاسيكية!

رابعاً: ترجمة الكتاب

كتاب الأستاذ الكبير مايكل كوك، لا يمكن تلخيصه في هذه العجالة، ولا بد من قراءته، بالتفصيل، وتدبره، أكثر من مرة. وقد قمت مع الزميلين الدكتور عمار الجلاصي والدكتور عبدالرحمن السالمي بترجمته خلال سنتين، وبذلنا في ذلك جهداً كبيراً بالفعل. فالنص طويل وشاسع، والرجل يرجع الى مئات المصادر المطبوعة والمخطوطة. وقد حاولنا العودة إليها جميعاً، فكلّفنا ذلك جهداً كبيراً وهائلاً. وهناك خمس أو ست حالات فقط حيث لم نستطع الرجوع الى مصدر فارسي أو تركي أو مخطوط فريد في إحدى المكتبات. وقد استغرب المؤلف نفسه أنّا تمكنّا الى هذا الحد من الرجوع الى المصادر. ولا بد أن أُثني في هذا الصدد وأنا والدكتور عبدالرحمن السالمي، على الزميل الدكتور عمار الجلاصي، الذي قام بالجهد الأبرز في البحث عن مصادر كوك. بيد أن الصعوبة الأخرى تمثّلت في اللغة الدقيقة لغوياً ومصطلحياً لكوك، والتي استغرقت منّا أكبر الجهد والوقت. يُقال إن الترجمة هي أيضاً تفسير وتأويل. وقد حاولنا أن لا تكون كذلك؛ بل أن تنقل جهد الأستاذ كوك نصاً وروحاً.

إن كتاب الأستاذ كوك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي لا يمثل وحسب استقصاء واسع وشامل للتجربة الإسلامية في رؤية العالم والدور والمسؤولية فيهما وعنهما من جانب المسلمين؛ بل هو أيضاً قراءة عميقة ومستوعبة لروح الإسلام كله، وكما سبق القول، من منظور إشكاليات المسؤولية بين الدولة والمواطن في التجربة العالمية المعاصرة.

وقد قام المؤلف بذلك كله بكفاية ومسؤولية عاليتي الوتيرة، وأضاف لذلك وداً بالغاً ـ أو لنقل أُلفةً ـ ما عرفتهما منه وله في أعماله السابقة عن هذا الإسلام، وهذه الثقافة الكبرى. 

هناك 3 تعليقات:

  1. أرجو وضع نسخة على موقع أرشيف لأن الفورشيرد محجوب في بعض الدول

    وهذه نسخة من على ميديا فير.. يمكنكم إضافتها لروابط التحميل أيضا

    http://www.mediafire.com/download/m0oqbhb4hcqgf9s/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1+%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%88%D9%81+%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D9%8A+%D8%B9%D9%86+%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D9%83%D8%B1+%D9%81%D9%8A+%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1+%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A.pdf

    ردحذف
  2. وهذا رابط على موقع أرشيف -رفعه الصديق كريم عبد المجيد- أرجو إضافته

    https://archive.org/details/CRFWInIslam

    ردحذف
  3. جزاكم الله خيرا على رفع الكتاب، جهد مشكور.

    ردحذف