الخميس، 17 مارس، 2016

الجماعات المتخيلة - تأملات في أصل القومية وانتشارها

الجماعات المتخيلة 

 تأملات في أصل القومية وانتشارها



يؤكد أندرسن تمييزاً نظرياً وتاريخياً مهماً بين القومية الرسمية التي تنشأ تبني الإمبراطوريات القومية هوية لها عبر محاولة فرض لغة وهوية على مناطق متعددة القوميات من جهة والقومية الشعبية الصاعدة بتحالف الطبقة الوسطى والانتلجنسيا والطبقات الفقيرة والمتشكلة باللغة وبغيرها من خلال السعي لتحقيق حرية الأمة وسيادتها ضدالإمبراطورية غالباً من جهة أخرى، وهو ليس بعيداً من تمييزات ماركس وإنغلز في سياق مختلف بين القومية البولندية والإيرلندية من جهة والقومية الروسية من جهة أخرى، ولكن لايذكرهما في هذا السياق فمع ازدياد انتشار اللغة القومية ومد المشاعر القومية على مستوى شعوب الإمبراطوريات وخاصة الشعوب الكبرى والأكثر قرباً من مقاليد الحكم وتضعضع شرعية السلالات غير القومية الحاكمة التي كانت تعتبر الولاء لها هو الولاء للوطن، في حين ليس لها وطن أصبح لزاماً على أبناء هذه السلالات الذين يحكمون شعوباً أن يتبنوا قومية هذه الشعوب ولغتها التي لم يتكلموها أحياناً، فكما هو معروف كانت الفرنسية لغة بلاط آل رومانوف في سان بطرسبورغ القرن الثامن، وكانت الألمانية لغة الكثير من نبلاء الريف في روسيا وبولندا وأوكرانيا ولاشك في أنه في القرن التاسع عشر ومع بدء نشوء الحركات الشعبية والاشتراكية الرومانسية نشأ خطر تطابق أو على الأقل تداخل الحقد الطبقي مع المشاعر الوطنية والقومية الروسية.. وبات الموقف المعادي للطبقات الحاكمة موقفاً وطنياً وقومياً روسياً بجد. أو يوجد له جذوراً في اللغة والتراث، وفي أعقاب غزو نابليون وحاجة القيصرية إلى تضافر الشعب في الدفاع عن الوطن نشأت الحاجة إلى تبني الارستقراطية الحاكمة للقومية الروسية واقترح الكونت سيرغي أوفاروف في تقرير رسمي عام 1832 أن تقوم المملكة على ثلاثة مبادئ هي الأوتوقراطية والأرثوكسية والقومية لقد كان المبدأ الثالث جديداً تماماً بل سابق لأوانه نوعاً ما في عصر كان نصف الأمة لايزالون أقناناً وأكثر من نصفها يحتفظون بلغة أم غير الروسية..‏

لقد أبدى الموظفون من أمثال أوفاروف وعياً لمصلحة القيصرية أعمق من القياصرة أنفسهم فقد قاومت القيصرية تطبيق الروسنة التي اقترحها طيلة نصف القرن التالي إلى أن أصبحت سياسة رسمية في عهد الكسندر الثالث وذلك بعد زمن من ظهور القوميات الأوكرانية، والفنلندية والليتوانية وسواها ضمن الإمبراطورية.. ولذلك فإنها ساعدت في توحيد وتشكيل أمة عظيمة كالأمة الروسية بشكل غير مسبوق، ولكنها أيضاً أدت إلى صراعات سيكون لها أثر كبير فيما بعد حتى في نشوء قوميات أخرى.‏

ماجرى في روسيا في عصر الكسندر الثالث هو ماقامت فيكتوريا فون ساكس- كوبرج- غوتا- بلقبها المثير من حيث مدى تدليله على قوميتها، بتطبيقه كان حكم ملكة انكلترا وإمبراطورة الهند لاحقاً، مفصلياً في انطلاق (قومية رسمية) على الطريقة اللندنية، وكانت تبدي كثيراً من أوجه التشابه مع الروسنة التي تبناها القيصر الروسي كما أقدمت إمبراطورية آل هبسبورغ هي الأخرى على تبن متأخر للقومية في عملية الألمنة التي تمت وقبلهم تبنت الألمنة بنجاح أكبر سلالة آل «هوهن تسولرن» في بروسيا فساهمت في دعم بسمارك في توحيد ألمانيا. أما الألمنة في الإمبراطورية النمساوية الهنغارية فقد ساهمت في تفكيك الإمبراطورية كما حصل أيضاً في حالة تبني آل عثمان للتتريك..‏

ولايميز اندرسن بشكل واضح بين إمبراطوريات تخضع لها شعوب أوروبية وتؤدي عملية الروسنة أو الألمنة فيها إلى الاصطدام مع وعي قومي محلي متمرد عليها والأثغلة مثلاً في الإمبراطورية البريطانية التي تخضع لها شعوب غير أوروبية فتنجح في اسكتلندا فقط أما في الهند وغيرها فتتخذ مساراً استعمارياً إذ تنجح في تنمية نخب موالية تساهم في إدارة الهند، ويمكن أيضاً أن ترسل إلى بعض المستعمرات الأخرى في رتب دنيا، وهي نخب تتبنى الإنكليزية لغة ومسلكاً ولكنها تصطدم مع حدودها بين مواطنيها في بلدها وعند الإنكليز وتكتشف أن الإنكليزية لاتكفي لكي تنتمي إلى المتروبول، وهي لاتتحول إلى نخبة بريطانية إمبراطورية فعلاً فتنقلب هذه في الجيل الثاني والثالث إلى نخب قومية ضد الإمبراطورية أو تحيد داخلياً من قبل القومية الشعبية الصاعدة.‏

أما الييبتة في الإمبراطورية اليابانية فوقعت على مناطق منسجمة إثنياً ولغوياً فنجحت القومية الرسمية إلى حد بعيد وبقي الإمبراطور رمزها بعد تبني القومية والإصلاح الذي جرى على أثر وصول الميجي إلى العرش وعندما طبقت اليابان الأنموذج القومي الإمبراطوري على كوريا والفيلبين وبورما وتايوان فقد واجه المييبثون نفس مشكلة المثقفين الهنود وغيرهم في المستعرات وانتهت التجربة إلى فشل ذريع.‏

يميز أندرسون في هذا الكتاب بالتدريج من خلال تطوير فرضياته ومن دون أن يخصص فصلاً لذلك بين ثلاثة أنماط من القومية والقومية الرسمية والقومية الشعبية وجمهوريات المواطنين التي جاءت بها الجمهوريات الأميركية إلى العالم كنوع من القومية أي إنه أصبح لقوميات القرن العشرين طابع قياسي نمطي لأنها تستطيع أن تستند إلى هذه التجربة الإنسانية وقبل كل ذلك فإن فكرة «الأمة» هي الآن معششة بقوة وثبات في جميع اللغات الطباعية ولم يعد بإمكان الانتماء القومي أن ينفصل عن السياسي ولم يعد الوعي القومي ينفصل عن الوعي السياسي



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق