الثلاثاء، 27 يناير 2015

الدولة الإسلامية - الجذور التوحش المستقبل

الدولة الإسلامية 

  الجذور التوحش المستقبل




يكشف الصحافي والخبير في شؤون «القاعدة»، عبد الباري عطوان، عن أصول «الدولة الاسلامية» و«الخلافة» المعلنة، التي وصفها وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل بأنها (أكبر تهديد إرهابي يواجه الولايات المتحدة). كما يبحث عن جذور هذه الدولة ومرتكزاتها الإيديولوجية، وطبيعة القوى المكونة لها، وأسرار صعودها المفاجئ، ومصادر قوتها وضعفها، والعلاقة بينها وبين تنظيم «القاعدة» الأم، وعوامل الخلاف والاتفاق بينهما. وينقّب في أسباب ممارساتها الوحشية الدموية ضد خصومها، في التاريخين الإسلامي والغربي معاً، ويرصد البيئة الحاضنة لها وتركيبتها الدينية والفقهية. يرصد الكاتب إمبراطوريتها الإعلامية الجبارة وتمددها في العالم الإسلامي وسر اندفاع الشباب للانضمام إلى صفوفها. وأخيراً يحاول التنبؤ بمستقبل الدولة الإسلامية وبمدى قدرتها على البقاء وتحقيق طموحاتها في إقامة دولة الخلافة الإسلامية، ومدى شرعية هذه الطوحات وإمكانية تحقيقها على أرض الواقع.

ملخص من مراجعة الكتاب للأستاذ

أحمد بن عبد المحسن العسَّاف

يظن البعض أن ظهور الدولة الإسلامية-التي كانت تعرف اختصاراً بداعش-أمر مفاجئ، بينما يجزم آخرون، أنها نتيجة حتمية لسلسة من الإخفاقات والمظالم، وإجهاض الربيع العربي، وفريق ثالث يراها حلقة تمهد لما بعدها؛ تماماً كما أنتج الجهاد الأفغاني القاعدة، ومن رحم القاعدة ولدت داعش، وتظل فئة رابعة أسيرة الأفكار التآمرية؛ حيث لا يخامرهم شك، بأنها صنيعة صليبية، أو باطنية، أو علمانية.

ولكل فريق ما يسند رأيه من دلائل، سواء كانت حقيقة، أو متأولة، وربما محرفة أو متوهمة، بيد أن الأهم هو أن الدولة أصبحت واقعاً اليوم، ولها جيش من المقاتلين، وجيوش من المؤيدين والمتعاطفين. والمال، والسلاح، والإعلام، كلها أدوات في متناول يدها، ولن نستغرب لو صار لها أذرعة دبلوماسية نشطة، كما هو حضورها الإعلامي، والتقني البارع.

 

بدأ الفصل الأول بعنوان هيكلية الدولة ورجالها، وعدَّ ظهورها المفاجئ، أكبر حدث يشهده الشرق الإسلامي منذ اتفاقية سايكس بيكو سيئة الذكر، بل إن أهميته تتجاوز الربيع العربي. ويرى الكاتب بأن الدولة الإسلامية، مستوفية لشروط الدولة المتعارف عليها دولياً، ومساحتها أكبر من مساحة بريطانيا التي حكمت العالم دهراً، ثم تحدث المؤلف عن التقسيمات الإدارية، ومناصب الدولة، والتي تكاد تنحصر في أهل العراق وسورية، لتجاوز إشكاليات سابقة.

وذكر بأن التداعيات السياسية لتكوين الدولة مربكة للغاية، فقد خلخلت ترتيبات الحلفاء، وبعثرت أوراقاً كثيرة، ومزقت خرائط النزاع على أرض سورية، وصيرت المشهد السياسي والعسكري، في حال بلبلة لا يمكن أن يستقيم دون اجتماع المتخالفين؛ وربما المتحاربين، مما يقود لتغيير وجهة الصراعات، وشكلها، فيصبح العدو صديقاً، والحليف مناوئاً! وهذا أمر يشبه تجرع السم عند الساسة؛ خاصة بعد تصاعد التصريحات، وبلوغ بعض المواقف خط اللارجعة، وإن طبول الحرب لتقرع بصخبٍ؛ وفينا من لم يسمعها بعد!

وأثنى في هذا السياق على موقف بعض العلماء، ومنظري الجهاديين، الذين توقفوا عن انتقاد الدولة؛ حتى لا يكونوا في صف الغرب، فما دامت دولهم تعاقبهم على وصف الصورة كاملة كما يعتقدون؛ فليس من الكياسة أن يصفوا الجزء الذي يروق للنظام فقط، وإن كان الوصف مطابقاً لمعتقدهم، وما أعظم العالم العارف بالساسة وألاعيبهم، حتى لا يصبح الشيخ الوقور كرة بين أقدامهم، أو مطية لأهوائهم.

ثم تحدث عن مصادر المال للدولة، حيث استولت على عدد من حقول النفط ومصافيه في سورية والعراق، واستحوذت على مبالغ طائلة، من موجودات المصارف التي سيطرت عليها، وأفادت من بيع المقتنيات الأثرية، ومن مبالغ الفدية التي دفعتها دول كفرنسا، وامتنعت أمريكا من دفعها، ثم سرد جدولاً زمنياً لميلاد الدولة، الذي توج بإعلان الخلافة، في غرة رمضان 1435=29 يونيو2014 م.

أبو بكر البغدادي هو عنوان الفصل الثاني، وهذا أمر طبيعي، فبعد الحديث عن الخلافة، لا مناص من الوقوف عند الخليفة، وقد حامت حول الرجل إشاعات كثيرة، فمنهم من جعله عميلاً، أو يهودياً، أو باطنياً، والتهم غالباً جاهزة لتشويه سمعة أي أحد، وهي سلاح قديم متجدد، ولازالت فئة تستخدمه لتخدع به غيرها.

وباختصار نقلاً عن عطوان، فأبو بكر ولد عام (1971م)، وتخرج في جامعة إسلامية عراقية، ثم حصل على شهادة الدكتوراه في علوم الشريعة، ويمتد نسبه إلى قريش، وتحديداً إلى آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام، من جهة سبطه الحسين رضي الله عنه، وكنيته توافق كنية الخليفة الراشدي الأول رضي الله عنه، وهذه المؤهلات تمنحه مرجعية لم يحظ بها أي زعيم إسلامي معاصر، فضلاً عن خبراته العسكرية، وزعامته، وشخصيته الجذابة المؤثرة، مع قلة ظهوره إعلامياً. ويحتل البغدادي في المنظومة الجهادية، مكانة سامية كابن لادن أو تربو عليه، وأما الظواهري فليس منافساً له ألبته، بل إن الأصوات تتعالى بضرورة دخول د. أيمن الظواهري في بيعة البغدادي! ولأبي بكر زوجتان، إحداهما كريمة زعيم قبلي كبير، وهو ما يمنحه مزيد قوة، وحماية.

يحمل ثالث الفصول عنوان الجذور العراقية، فالدولة تحتل ثلث مساحة سورية، وربع أرض العراق، وإجمالي مساحتها يعادل ثلاثة أضعاف مساحة إنكلترا، ومن عجب أن دولة بهوية إسلامية، تظهر في دولتين علمانيتين طائفيتين، وتزيل حدود الاستعمار بينهما، وهو ما عجز عنه النظامان البعثيان الجاثمان على سورية والعراق منذ الستينات!

وجزم المؤلف بأن طائفية النظامين كانت سبباً في توجه أبناء السنة نحو الدولة، وخاصة سنة العراق الذين ذاقوا المرارات كلها على يد المالكي، وعصابته وعصائبه، فما وجدوا ترياقاً لسم الشيعة الذي تجرعوه كارهين، إلا بالارتماء في أحضان الدولة، التي كررت تجربة طالبان، بحفظ الأمن، وتقديم الطعام، والخدمات الطبية والاجتماعية، فصارت موضع ترحيب من السكان، أو رضى، أو سكوت على أقل تقدير، فهذه الدولة كانت ثمرة طبيعية لتمرد سنة سورية، ولتغييب سنة العراق.

واجتذب تشدد الدولة ضد الطوائف الأخرى، عدداً كبيراً من مقاتلي جبهة النصرة من غير المواطنين، الذين بادروا بتمزيق جوازات سفرهم؛ في مؤشر على عمق الولاء والتضحية. وحين فاقت الدولة في تصلبها، مواقف زعيمها الروحي أبي مصعب الزرقاوي، حدث شقاق في الظاهر بينها وبين تنظيم القاعدة المركزي، وجبهة النصرة مع أنها منبثقة عن الدولة أصلاً؛ فضلاً عن الخلاف والتناحر، مع كثير من التنظيمات المسلحة في سورية.

ومع محاولات بعض المشايخ التوسط والصلح بين الدولة والجبهة، إلا أن جهودهم فشلت، وصرح العدناني -الناطق باسم الدولة-بأن القاعدة لم تعد قاعدة للجهاد، وأن قيادتها تخلت عن الصفة الجهادية، وألا سبيل للقاعدة وجميع فروعها إلا بمبايعة الخليفة البغدادي، وتنبأ العدناني متفائلاً بأن الملا محمد عمر-أمير المؤمنين-، سيبايع الخليفة إبراهيم البغدادي ولا محالة. والحقيقة أن استعراض الأستاذ عبد الباري لمواقف الجماعات الجهادية وفروع القاعدة، يعطي تصوراً واضحاً بوجود انقسام قد تزداد معه رقعة المبايعين لخليفة الدولة؛ خاصة من قبل تنظيمات القاعدة في اليمن، وليبيا، وسيناء، وأجزاء من أفريقيا، والمغرب العربي، بل إن سيناريو اليمن؛ خاصة بعد سيطرة الحوثيين، قد يؤول إلى مصير شبيه بما جرى في العراق، والليالي مثقلات وسيلدن حتماً!

واسترجع المؤلف تكوين قوات الصحوات، من مئة ألف مقاتل سني، تدربوا جيداً على يد القوات الأمريكية؛ لمحاربة القاعدة في العراق، وبعد خروج الأمريكان من العراق، وعدت حكومة المالكي باستيعابهم، لكنها طردت من فورها نصفهم، وماطلت بتوظيف النصف الثاني لأسباب طائفية، فكان هذا الجيش اللجب، هدية ثمينة للدولة الإسلامية بعد توبة أفراده، وهو الذي حصل، فغدت الصحوات، مع جزء من جيش صدام وحرسه الجمهوري، العمود الفقري لجيش الدولة، وقد امتلأوا حقداً على حكومتهم الطائفية، والشخصية العراقية إذا حقدت؛ فإن انتقامها مدمر، كما يقول عالم الاجتماع العراقي الراحل د. علي الوردي.

الفصل الرابع بعنوان: الدولة الإسلامية في سوريا: الخلفية، وفيه تكلم عطوان عن الحكم والبعثي في سورية، وعن حركة الإخوان التي توحش حافظ الأسد في قتالها؛ حتى أصبحت أثراً في الشام، ومع ذلك لم تخل الساحة الإسلامية والجهادية على وجه الخصوص، من قيادات سورية مهمة، كأبي مصعب السوري، المعتقل حالياً في سجون النظام، والذي سيكون له شأن في دولة البغدادي لو أفرج عنه. ثم روى قصة نشوء الثورة، وبروز الفصائل الإسلامية المقاومة، التي تختلف في فكرها، ومرجعيتها السياسية، وتشترك في مقاومة نظام بشار، وفي تعدادها الكبير بالآلاف، ويأتي على رأسها الدولة، وجبهة النصرة.

ومن الطريف، أن أوباما كرر أنه وحلفاؤه، سيسلحون المعارضة المعتدلة في سورية، فعلَّق الإعلامي المخضرم باتريك كوكبيرن: ليس هناك شيء من هذا القبيل! ولكوكبيرن كتاب حديث عن دولة داعش، وصلني مع هذا الكتاب، وصدر عن دار الساقي أيضاً، وسأحاول استعراضه إن وجدت فيه شيئاً مختلفاً عن كتاب الأستاذ عبد الباري، وأعتقد أن الكتب عن داعش ستغزو معارض الكتاب، فلدى دار بيسان كتابان عنها؛ أحدهما تأليف المعارض السوري هيثم مناع، وتستعد بعض الدور الإسلامية لنشر كتاب حافل عن دولة البغدادي.

جوهر القوة: الوهابية، السعودية، أميركا و “الدولة الإسلامية”، هو عنوان الفصل الخامس الذي يتحدث عن التحالف الوهابي السعودي في تاريخه وحاضره، وكيف استثمر لبناء دولة متجددة، أسهمت بمالها، وإعلامها، ومشاريعها الخيرية، في نشر المنهج الوهابي عبر العالم، وهو المنهج المعتمد من جل الجماعات السلفية الجهادية، التي-وهي مفارقة-تكن عداء للسعودية، ولحليفتها الاستراتيجية أمريكا، والحلف بين الرياض وواشنطن، قديم، ومتين، مع ما فيهما من متناقضات، وما تمر به علاقتهما من منغصات.

واللافت أن الدولة الإسلامية “وهابية” المنهج، وتقاتل أمريكا، وتضع عينها على السعودية؛ كما يقول عبدالباري عطوان، الذي يعتقد جزء من السعوديين، بأن مواقفه تجاه بلادهم متحيزة، ويتهمونه بتلقي الأموال من دول معادية، وإن كنت أرى هذا الموقف “الشوفيني” مبالغاً فيه؛ وأنا أحب بلدي كثيراً، لكني لا أجد حرجاً في سماع آراء الآخرين، ولا حاجة بي لاتهام أحد.

وجدير بعلماء الدعوة السلفية “الوهابية”، بيان الموقف الشرعي، والسياسي، والحقائق التاريخية، لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ومدرسته الإصلاحية، قبل أن يكتمل صبغها بلوحة قد يصعب تغييرها، أو توصم بشيء هي بريئة منه، أو لديها مسوغاتها في تبنيه. وما أجمل الثبات على المبدأ الصحيح، والبراءة من الخطأ الحاضر أو الماضي، فالعصمة لكتاب الله، ولما صح من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، والأسماء لا تغير من الحقائق شيئاً، ولسنا ملزمين بثلاثة قرون هي عمر الدعوة “الوهابية”؛ لكننا ملتزمون بمنهج القرون الثلاثة المفضلة.

استراتيجية التوحش عنوان مرعب للفصل السادس، وهو مقتبس من كتاب ألفه جهادي عام (2004م)، ومما يحمد للأستاذ عطوان، إثباته أن التوحش ليس سمة خاصة بالإسلام، فغالب الحضارات تحفل بتاريخ دموي رهيب، فالحملات الصليبية، والغزوات المغولية، والحروب العالمية، والعدوان الأمريكي القديم والحديث، والجرائم الروسية والأوربية عموماً تؤكد ذلك، بل لا تكاد تسلم أغلب دول التحالف الحالي ضد الدولة الإسلامية، من تاريخ متوحش، أو حاضر دموي، فالتوحش كما نقل عن داتون، قالب عالمي يتكرر في أكثر من مكان، فيامن تلوم عنف الدولة: أين أنت من عنف يهود في فلسطين؟ وأفعال البوذيين المقززة في ماينمار؟ فضلاً عن وقاحات الأمريكان في العراق وأفغانستان؟ فالدولة الإسلامية كما يؤكد أبو خالد، ليست فريدة في هذا المجال!

أما الفصل السابع فعنوانه: المقاتلون الأجانب في “الدولة الإسلامية”، وينقل عن مصادر مطلعة أن مقاتلي الدولة، يبلغون زهاء مائة ألف، ثلثهم أجانب (ليسوا عراقيين ولا سوريين)، جاؤوا من أكثر من ثمانين دولة، وربع العدد الإجمالي للأجانب، قدموا من الغرب (6% من فرنسا، و4,5% من بريطانيا)، وأما العرب فقد أتى ربعهم من تونس، و(22%) من الخليج والسعودية على وجه الخصوص، ثم الأردن (20%)، فالمغرب (15%)-يعني (60%) تقريباً من الدول الملكية! -، مع حضور بارز للمقاتلين من ليبيا والقوقاز، وبدرجة أقل من تركيا. وأكد عطوان وهو الخبير بأن القاعدة وطالبان، تخسران في سباق التجنيد لصالح الدولة، التي استقطبت حتى الشابات، وظهرت أعلامها في كثير من المسيرات الغاضبة، في غير ما بقعة من العالم.

وكم هو حزين أن يكون عنوان ثامن الفصول: الدولة الإسلامية ضد القاعدة… الأخوة الأعداء، حيث تتبع المؤلف نشأة الدولة من رحم القاعدة، ثم خلافهما فنشوب الصراع الإعلامي والدموي بينهما، ونحن المسلمون نقسو على بعضنا بشدة، وقلما نتعاذر، أو نؤجل الخلافات إلى حين الفراغ من العدو المشترك، وفي غياب التوسط الشرعي، يصعب على المؤمن الخيار ما بين غلو وجفاء.

وألمح المؤلف إلى الفرق في الاهتمام العالمي، بين إعلان الخلافة، وتكوين الإمارة في أفغانستان، مع أنهما تعرضتا لحلف دولي واحد بتهمة مقاومة الإرهاب. ومع وجود قواسم مشتركة بين الدولتين؛ إلا أن دولة داعش تتفوق على دولة طالبان، بموقعها العربي القريب من إسرائيل، والمنطلق من الشام والعراق حاضنتي الخلافتين الأموية والعباسية، وبنسب الخليفة القرشي كما يعلن، فضلاً عن وجود النفط، وتعداد المقاتلين، والصراع الدائر في سورية والعراق، إضافة إلى علانية الحرب الصليبية، على الإسلام ونبيه، ومقدساته ومؤسساته ورموزه.

والفصل التاسع بعنوان إعلام التوحش وأهدافه، حيث أبدى عطوان انبهاره باستثمار الدولة لجيش إعلامي، لا يعرف اليأس، ويحضر بقوة في مواقع التواصل الاجتماعي، التي تستعمل الكلمة القصيرة أو الطويلة، والصور، ومقاطع الفيديو، والملصقات، حتى أن هذه المواقع الخاضعة لهيمنة أمريكية، ما تفتأ تغلق حسابات أنصار الدولة؛ حتى تفاجأ بنسل جديد من الحسابات الماهرة، المتقنة المبدعة، وبعضها تابع أو متعاطف أو مدافع.

الغرب والإسلام: لعبة خطرة هو عنوان الفصل العاشر، ويعود المؤلف بالذاكرة قليلًا إلى استخدام الإسلام في حرب الشيوعية؛ خاصة على أرض أفغانستان، حيث تلطفت اللغة السياسية الغربية مع المقاومة في أفغانستان، في مقابل تجريم المقاومة الفلسطينية مثلاً، ووصل الأمر إلى وجود تفاهمات خفية، بين استخبارات أوروبية، وجماعات راديكالية، مما جعل العاصمة البريطانية تسمى “لندنستان”؛ لكثرة من فيها من رموز العمل الإسلامي، فالغرب يعلم يقيناً بأن شعوب المنطقة لا تثق بأحد أكثر من الإسلاميين، وما أحرى هؤلاء أن يكونوا على قدر الثقة، حتى لا يتلعب بهم غربي، أو يعبث بمواقفهم نظام وظيفي؛ يدور في الفلك الغربي الآسن.

الفصل الحادي عشر مهم جداً، وعنوانه: مستقبل الدولة الإسلامية، وينتهي المؤلف إلى أن فرص استمرارها، أكبر من احتمالية زوالها، فلديها خبرات متراكمة، وعقول دارسة في أرقى الجامعات، وهي جذابة للشباب المسلم، وقد تندمج معها الجماعات المقاتلة في سورية أو غيرها، ويضم جيش الدولة مزيجاً متجانساً من الجيش النظامي، والميليشيا المدربة، ووجود جزء من جيش صدام مع الدولة، ربما يعين على امتلاكها للسلاح الكيماوي، وللدولة امتداد في غير ما مكان حتى داخل فلسطين، وظهورها هناك سيرفع أسهمها الشعبية، بل حتى إمارة طالبان المرشحة لأن تعود لحكم أفغانستان عام(2016م)، بعد رحيل الأمريكان، قد تتعاون مع الدولة، وهو تصرف سيزعج المراقبين والخائفين.

Download - Archive 

الخميس، 22 يناير 2015

مآلات الخطاب المدني

مآلات الخطاب المدني

 

ملخص من موقع الدرر السنية
مدخل:
بعد أحداث سبتمبر 2001م بدأت نغمة الخطاب التجديدي تتغير حميميتها وإن بقيت تدور ضمن شروط الداخل الإسلامي, ولم يعلن سقوط بغداد مطلع العام 2003م إلا وقد سقطت كثير من رايات الانتماء وانسحبت كثيرٌ من تلك الأصوات التجديدية من الداخل الإسلامي إلى معسكر مختلف تماماً.
إننا يجب أن نعترف وبكل وضوح أنه قد تطور الأمر بكثير من أقلام الخطاب المدني إلى مآلات مؤلمة.
كثير من تلك الطاقات الشبابية المفعمة التي بدأت مشوارها بلغة دعوية دافئة أصبحت اليوم – ويا لشديد الأسف - تتبنى مواقف علمانية صريحة, وتمارس التحييد العملي لدور النص في الحياة العامة, وانهمكت في مناهضة الفتاوى الدينية والتشغيب عليها, وانجرت إلى لعب دور كتاب البلاط فأراقت كرامتها ودبجت المديح, وأصبحت تتبرم باللغة الإيمانية وتستسذجها وتتحاشى البعد الغيبي في تفسير الأحداث, بل وصل بعضهم إلى التصريح باعتراضات تعكس قلقاً عميقاً حول أسئلة وجودية كبرى, واستبدلت هذه الشريحة بمرجعية "الدليل" مرجعية "الرخصة" أينما وجدت بغض النظر هل تحقق المراد الإلهي أم لا؟ وتحولت من كونها مهمومة بتنمية الخطاب الإسلامي إلى الوشاية السياسية ضده, والتعليق خلف كل حدث أمني بلغة تحريضية ضد كل ما هو "إسلامي", وغدت مولعة بالربط الجائر بين أحداث العنف والمؤسسات الدعوية, وبالغت في الاستخفاف بكل منجز تراثي, وتحتفي بالأدبيات الفرانكفونية في إعادة التفسير السياسي للتراث وأنه حصيلة صراعات المصالح وتوازنات القوى وليس مدفوعاً بأية دوافع أخلاقية أو دينية, بل ووصل بعضهم إلى اعتياد اللمز في مرويات السنة النبوية وخصوصاً مصادرها ذات الوزن التاريخي واعتبارها مصدر التشوش الاجتماعي المعاصر.

وفي مقابل كل هذا الإجحاف في طرف النص والتراث والمؤسسات الإسلامية تجد اللغةَ الناعمةَ البشوشة في التعامل مع خصوم الحل الإسلامي، وحقهم في الحرية والتعبير, والتفهمَ الودودَ للدراسات التجديفية والروايات العبثية, والتصفيقَ المستمرَّ لكل ما هو "غربي" بطريقة لا يفعلها الغربي ذاته, وعَرْضَ الأعلام الغربية بلغة تفخيمية وَقُوْرة, وإسقاطَ التجارب العلمانية في التاريخ الأوروبي على مجتمعنا بشكل لا يليق بشاب مسلم -كصراع الكنيسة مع العلم والثورة الفرنسية وعصر الأنوار ونحوها- والتركيز على أخطاء المقاومة أكثر من أخطاء المحتل, والمطالبة المستمرة بمواجهة المشروع العسكري الغربي بورود السلام الغاندية.. إلى آخر سلسلة التطورات الموجعة .

إن أكثر هذه التورمات تضخمت داخل هذا الخطاب في سياق التفاعلات الحادة والاستفزاز المتبادل مع المنتديات الإنترنتية المتخصصة في الإسفاف والتجني والمتقنعة بلبوس الاحتساب الفكري, بحيث صار الخطاب المدني الجديد تدفعه مشاعر النكاية والعناد ضد البغي الإلكتروني إلى الإمعان في مناقضة الرؤية الإسلامية, ولا أظن عاقلاً ينتقم مِنْ ربِّ خصمه لكن هذا ما جرى للأسف!

هذا الخطاب الجديد خطاب نشط ومتنامٍ في أوساط الشباب المولعين بالثقافة وذوي المنزع الفكري, ويحظى بحفاوة المؤسسات الإعلامية من صحف وفضائيات وغيرها, حيث ستظل فرص الشاشة والعمود الصحفي مشهداً خلاباً لا تقاومه غريزة تحقيق الذات المتوقدة بداية العمر فيرضخ المثقف/الشاب لشروطها ليحتفظ بها.

قسمات الانقلاب المعياري:
بتنا اليوم وكأننا نشهد "إعادة تقييم" جذرية وشاملة تمس العناصر الجوهرية لرؤيتنا الفكرية, فأمامنا اليوم حالة انقلاب حاد في "جدول القيم", حتى أصبح "هرم الأولويات" يقف مقلوباً على رأسه!

لقد طالت هذه الانقلابات المفاهيمية: الموقف من التراث, والموقف من الغرب, والموقف من المؤسسات الدعوية, والموقف من خصوم الحل الإسلامي, والموقف من واقع مجتمعنا المعاصر, والموقف من الدولة العربية الحديثة...

يدعو كثير من منتجي هذا الخطاب إلى قراءة "نصوص الوحي" ونصوص "التراث الإسلامي" قراءة مدنية, بمعنى قراءة "موجهة" تبحث داخل هذه النصوص عن أية مضامين تدعم "المدنية" ثم تؤَوِّل مايتعارض معها, وتصبح فرادة الفقيه داخل هذا الاتجاه تابعة لقدرته في توفير الغطاء الشرعي لمنتجات الحضارة وبحسب إمكانياته في تأويل ما يتعارض معها وتخريجه بشتى المخارج, بدل أن تكون الدعوة إلى قراءة الوحي قراءة "صادقة" تتجرد للبحث الدقيق عن المراد الإلهي!

بمعنى آخر: تحويل الوحي من "حاكم على الحضارة" إلى مجرد "محام عن منتجاتها" يبررها ويدافع عنها ولا يُقْبَلُ منه دورٌ غير ذلك! وليس يخفى أن الحُكم نوع من السيادة، أما المحاماة عن الغير فحالة تبع يقاس نجاحها بإمكانيات التبرير والتسويغ.

والسؤال المؤلم الذي يفرض نفسه هاهنا: ما هي المساهمة الحقيقية التي يمكن أن نقدمها للعالم إذا كان قصارى ما نقوله للغرب هو إن ممارساتكم وسلوكياتكم يمكن تخريجها على بعض الأقوال الفقهية لدينا, أو يحتمل أن تدل عليها بعض الأدلة؟ هم يمارسون هذه الممارسات قبل أن يعرفونا أصلاً.

النماذج التفسيرية للظاهرة:
الواقع أن المراقبين والنقاد طرحوا تفسيرات كثيرة لظاهرة الانقلاب المعياري هذه التي أشرنا إليها, ومحاولات متعددة لاستكشاف النواة الجوهرية التي انبثقت عنها تطبيقات ومواقف وإحداثيات هذا الخطاب المدني المتطرف, فبعض النقاد يرى أن السبب هو "الانبهار بالغرب", والواقع أن الانبهار بالغرب أحد النتائج وليس العامل الحاسم كما سيأتي توضيح ذلك.

وبعض النقاد اعتقد أن الجذر الدفين في هذه الظاهرة هو "العقلانية"، والواقع أن هذه الظاهرة ليس لديها نظرية فعلية في "مصادر المعرفة" بحيث تقدم ما دلّ عليه العقل وترد ما عارضه, بل هي تارة مع العقل، وتارة مع النص، وتارة مع الذوق الشخصي، وتارة مع المألوف، وتارة ضد هذه كلها, فهي تدور مع المنتج الحضاري الجديد بغض النظر عن علاقته بمصادر المعرفة.

وبعض النقاد اعتقد أن هذه الظاهرة هي امتداد تاريخي لمدرسة "المعتزلة"، والواقع أن هذا التفسير قد أبعد النجعة كثيراً, فمدرسة المعتزلة هي مدرسة دينية متزمتة أخرجت الفساق من الإسلام, وشرعت للمنابذة المسلحة لأئمة الجور , فالمعتزلة مدرسة غلو لا مدرسة تساهل, بل إن المعتزلة أشرف بكثير من الخطاب الفرانكفوني المعاصر الذي يحاول الوصول إلى تناقضات داخلية في التراث الإسلامي بهدف تحييد الوحي جملةً عن الحياة العامة.
في تقديري أن النواة الخفية التي انطلقت منها كل هذه التحولات الجذرية والحادة في المواقف والرؤى هي "المغالاة في قيمة المدنية والحضارة", فالغلو في الحضارة والمدنية الدنيوية وتحويلها إلى القضية الأولوية وغاية الغايات، هو الجذر الرئيسي التي ابتدأت منه كل هذه الانقلابات المفاهيمية, بمعنى أن النموذج التفسيري الذي يقدم إجابة دقيقة حول تطبيقات هذه الظاهرة هو ما يمكن تسميته "غائية الحضارة" و "مركزية المدنية".

فنحن إذا تتبعنا تطبيقات هذا الخطاب الجديد ومواقفه وآراءه وصيغ علاقاته وإحداثيات مواقعه التي اختارها على الخريطة الفكرية فسنتوصل حتماً –كما سبقت الإشارة لذلك- إلى أن القيمة المركزية التي تسيطر عليه وتجعله يدعم موقفاً ما أو يعارضه, أو يثمن قضية ما أو يحط منها, فسنجدها بكل تأكيد "مركزية المدنية", وبناءً على مركزية المدنية فقد تحددت صيغ العلاقات مع المجتمع والتراث والغرب والدولة العربية الحديثة على أساس القرب والبعد من "التمدن المادي".

ينابيع الغلو المدني:
هذا الخطاب الذي تطور بطريقة مؤلمة ووصل إلى حالة "غلو مدني" تتعارض مع أصول الوحي, اكتنفته أربعة ظروف رئيسية شكلت أضلاع الوعاء الجوهري لتناميه, ألا وهي:
مناخ سبتمبر
والضخ الفرانكفوني
وحفاوة وسائل الإعلام
ورد الفعل تجاه البغي الإلكتروني
فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تعرض الاتجاه الإسلامي إلى حالة محاكمة عالمية شرسة حدت من انسيابه ودويّه، وتراجعت معها شعبيته الاجتماعية بشكل ملموس.

وفي ظل هذا الفراغ الجزئي الذي خلفه انكماش الحالة الإسلامية، برزت أبحاث المدرسة الفرانكفونية/المغاربية كإجابة جديدة نجحت في استغلال الظرف الأمني الحالي وحققت اكتساحاً استثنائياً في فترة قصيرة.

ويبدوا أن هذا الرواج السريع سيكون مؤقتاً ريثما يستعيد الاتجاه الإسلامي عافيته الأمنية, إذ لو كانت "المدرسة الفرانكفونية" تتكئ على عبقرية طروحاتها الخاصة لكان متحفها عامراً منذ الثمانينات وليس بعد العام 2001م! وإنما رواجها بعد كسادها كان تبعاً لزلزال الظرف السياسي السبتمبري الذي قلب توازنات القوى رأساً على عقب, وسمح لكثير من الأفكار السياسية المتشنجة أن تبتسم فوق الطاولات المستديرة.

هذه الشريحة من الشباب الإسلامي اصطدمت في مقاعد المدرسة الفرانكفونية/المغاربية بـ "سؤال الحضارة" , فحاولت بادئ الأمر أن تقدم إجابة ترضي الطرفين فتتلافى الاصطدام بانتمائها العميق الذي يشدها, وتتودد للذوق الفكري الذي تقرأ له.

هذه الشريحة الشبابية لم تستوعب أبداً -حتى هذه اللحظة- أن المدرسة الفرانكفونية/المغاربية أعادت تشكيل منطقها تماماً, وأعادت صياغة نمط تفكيرها وطريقة تعاطيها للأمور, وأسلوب نظرها للوقائع, وتقييمها للأحداث, من خلال امتصاص أدواتها الخاصة للقراءة والتفسير والملاحظة, وإعادة ترتيب الهرم الداخلي للقيم, وإعادة رسم الجدول الذهني للأولويات.

السؤال الذي يملي نفسه في هذا الموضع: ما الفرق بين العلمانية العربية ما قبل (1984م) والعلمانية العربية ما بعد (1984م)؟ [ هو العام الذي احتضن واقعة صدور أول حلقة من سلسلة "نقد العقل العربي" للمفكر المغربي ذائع الصيت محمد عابد الجابري والذي دشن العهد الجديد لتلمود العلمانية العربية التوفيقية]
بمعنى: ما سر الجاذبية في دراسات العلمانية العربية الحديثة التي خلبت أذهان الشباب الإسلامي وجعلته يُقْبِلُ بنهم على هذا اللون من الدراسات والأبحاث؟

الحقيقة أن الفرق الأساسي هو التحول من "الاستهداف المباشر للشريعة" إلى "إعادة تفسير التراث" من خلال الأدوات التي تطرحها العلوم الإنسانية الحديثة, أو بشكل آخر القفز من الإشكالية الأنطولوجية إلى الإشكالية الإبستمولوجية.

هذا الفارق هو بالضبط مصدر الجاذبية والإثارة لدى القارئ الإسلامي, وهي اللغة التي يفهمها جيداً, لقد امتص وتشرب هؤلاء الشباب بصورة ضمنية كثيراً من المفاهيم المشبعة ببنية علمانية مضمرة, أو التي تدفع باتجاه تعزيز التصورات العلمانية, مثل مفهوم: عصر التدوين, والتنصيص السياسي, والعقل المستقيل, والأرثوذكسية الإسلامية, والنص كمنتج ثقافي, وميثية القرآن, وغيرها من أدوات التفكير العلماني.

على أية حال تظل المدرسة الفرانكفونية/المغاربية المعاصرة هي الأكثر تعبيراً عن هذا الشكل من الخطاب, واهتمامها بموضوعيها الرئيسين -إعادة تأويل التراث والتحليل الأنثروبولوجي للحركة الإسلامية- كان مصدر الجاذبية والإغراء الذي حقق لها النفاذ إلى أسوار الداخل الإسلامي, لتنتهي بحالة استعمار ثقافي.

والحقيقة أن لحظة انتقال هذه الشريحة الشبابية بين المدرستين لم تكن مجرد لحظة تفاعل طبيعي مع رافد ثقافي معين, بل شهدت ارتجاجات فكرية مذهلة كانت نتيجة لصدمة انقلاب السؤال المركزي بين المدرستين.

فالسؤال المركزي في مدرسة الفكر الإسلامي كان سؤال "انتصار الإسلام" ويدخل في ذلك سائر ما تم تطويره من "مفاهيم دعوية" تشكل نسيج هذا الفكر: كمفهوم الحل الإسلامي, وتحكيم الشريعة, والتزكية الإيمانية, والعمل الجماعي, وفقه الواقع, والتعدد التنظيمي, والعمل التربوي, وإنكار المنكرات, وتوعية الجاليات, وتفعيل المساجد, والأمن الفكري, وحراسة الفضيلة, والإعلام الإسلامي, وتضميد جراحات المسلمين, وإعداد القوة, ونحوها من المفاهيم الإسلامية وصيغ العلاقات العريقة في هذا الخطاب.

أما السؤال المركزي للمدرسة الفرانكفونية فقد كان "سؤال الحضارة" ومن ثم محاسبة التراث, والاتجاه الإسلامي, والمجتمع العربي, والدولة العربية الحديثة: على أساس الاقتراب والابتعاد عن "النموذج الغربي الحديث", حيث كان النموذج الغربي الحديث هو المعيار الضمني غير المعلن, وإن كان النص المغاربي في كثير من الأحيان يتظاهر بخلاف ذلك.

هذه الصدمة بخطاب المدرسة الفرانكفونية, وسطوة جهازها المفاهيمي, واكتظاظ لغتها الباذخة, وترسانة شواهدها التراثية, وما يتناثر على جنبات نصوصها من أعلام أوروبية رنانة, وما تحيل إليه من تجربة غربية منتصرة, وما تنطوي عليه بعض فقراتها من هالة الغموض المبهر, وشحنها المستمر والمضمر ضد كل ما هو "لا غربي": نجحت في اختطاف التفكير المتوازن, وتصديع الانتماء الدعوي, وإخضاع القارئ لمنطلقاتها الضمنية, والاستسلام لزواياها الخاصة في النظر والقراءة وتقييم الأمور, والتفكير في العالم من خلال شبكتها المفاهيمية ذاتها.

مما جعل انتقال هذه الشريحة الشبابية –موضع الدراسة- بين المدرستين ليس انتقالاً خطياً تراكمياً من مدرسة إلى التي تليها, بقدر ما كان استقالة فكرية غير ودية من معسكر سابق وتسجيل لعضوية جديدة في المعسكر المقابل.

ويجب أن نعترف أن نزول الخطاب الإسلامي من "أعواد المنبر" فترة التسعينات إلى "قفص الاتهام" بعد سبتمبر بدد شيئاً من جاذبيته الاجتماعية, وفتح المجال لتسويق خطابات أخرى لا تتكئ على نجاحها الخاص, بقدر ما تتكئ على غياب منافسها العنيد.

وهذا يعني –كما سبق- أن الخطاب الإسلامي المعاصر سيسترد عافيته وموقعه الاجتماعي الريادي بمجرد تجاوز هذه الأزمة والتخلص من الآثار الأمنية الحادة لحادثة سبتمبر .

قانون المتوالية الفكرية:
الواقع أن "قانون المتوالية الفكرية" كنموذج تفسيري سيساعدنا كثيرا في فهم تطورات ظاهرة الخطاب المدني وكيف بدأت بإشكاليات تجديدية اجتهادية مشكورة ثم انتهى كثير من كتابها إلى مآلات مؤلمة مذمومة, فجمهور هؤلاء الشباب حين بدأ في قراءة إنتاجات المدرسة الفرانكفونية كان مدفوعاً في البداية بمقصد حسن نبيل، وهو تنمية إمكانياته التحليلية وامتلاك الأدوات الفكرية بهدف تعزيز الخطاب الإسلامي ودعم حجيته, ولم يفرغ كثير منهم من ازدراد هذه الأبحاث إلا وقد انقسموا فريقين:
فأما الأول فتيقظ لبطلان الأساس الضمني الذي انبنت عليه هذه الأبحاث وهو غائية الحضارة أو مركزية المدنية, فانبنى على ذلك بطلان أكثر النتائج التي تضمنتها هذه الأبحاث من تبخيس التراث وتوقير الغرب, ومن ثم التنبه للأداتين الأثيرتين في هذه المدرسة لتهشيم التراث وهما أداتي (التسييس والمديونية).

أما أداة "التسييس" فتعني إعادة التفسير السياسي للنظريات الشرعية وتحركات أعلام التراث ومحاولة ربطها بصراعات سياسية تحت شعار الأنسنة.

أما أداة "المديونية" فتعني محاولة ربط سائر المفاهيم والأصول الشرعية التي صاغها فقهاء التراث بالثقافات السابقة للإسلام وتصويرها كمجرد اقتراض ثقافي من الثقافة الهرمسية أو الغنوصية أو الفارسية أو اليونانية.

أما الفريق الآخر –وهم الأكثر- فقد استسلم لا شعورياً للأساس الضمني في هذه الأبحاث وهو مركزية المدنية لكنه حاول –بحسن نية أيضاً- أن يذب عن دينه وتراثه وأمته بإثبات أن الوحي والتراث يتضمنان أولوية المدنية والحضارة أصلاً, ومن ثم تحول إلى هاجس التفسير المدني للتراث فأخذ يبحث داخل مضامين الوحي والتراث عن أية مشاهد تتوافق مع المدنية الحديثة, وانساق في نقد كل ما لا يتوافق معها داخل التراث.

فبداية كثير من هؤلاء الكتاب –شهادةً لله- كانت بداية حسنة وهي أنهم رأوا أنه لا يمكن نشر رسالتنا الإسلامية وعزة مجتمعنا إلا بالإمكانيات والقدرات الحديثة, ثم تجارى بهم البحث في الحضارة والنهضة والإمكانيات الحديثة حتى جعلوها غاية في حد ذاتها بشكل عملي ضمني, ثم لما رأوا نقد الغرب يحُوْل كثيراً بين الشاب وبين الحضارة الغربية ويهز مرجعيتها، بالغوا في التماس المعاذير لانحرافات الحضارة الغربية, وتلمسوا الأدلة التي توافق ما هم عليه, ثم لما انهمكوا في تكييف الأحكام وفق نتائج الغرب اصطدموا بكثير من المفاهيم الشرعية ذات المنزع الديني/الغيبي كالإيمانيات والشعائر والأحكام الشرعية التفصيلية والتصورات الغيبية ونحوها, فحاول الكثير منهم جعل كل هذه الشرائع مقصودها النهائي أصلاً عمارة الأرض وإقامة الحضارة, وهكذا بدأت هذه المفاهيم الشرعية تتناقص قيمتها في ظل "وسيليتها" المحضة, وتتضخم قيمة المدنية الغربية بحكم تحقيقها للمقصد النهائي وهو الحضارة, ثم تطور الأمر من الانبهار بالحضارة الغربية المعاصرة إلى محاسبة الحركة الإسلامية والقسوة عليها طبقاً للاقتراب والابتعاد عن الحضارة الغربية المعاصرة, ونشأ عن ذلك ظواهر انفصال وانشقاق ترتب عليها الابتعاد عن مقابس الإيمان والتخول بالذكرى، فأخذت جذوة الإيمان تخبو يوماً بعد يوم, وارتخى الانقياد وفقدت العبودية معناها.

ثم تطور الأمر بشكل أكثر سوءً، وأصبح البعض يلتمس العوائق في مضامين الشريعة ذاتها, حتى وصل بعضهم إلى أن المشكلة في "السنة النبوية" وأنها صرفت الناس عن قضية الحضارة إلى الإغراق في التفاصيل الصغيرة, وهكذا يتسلسل الأمر من سيء إلى أسوأ.

وكنتيجة مباشرة للمظالم الإنترنتية التي واجهها هؤلاء الكتاب في بدايات كتاباتهم -كنسبة لوازم لم يلتزموها وتضليلهم بها أو ربطهم بجهات خارجية فريةً وبهتاناً- فإن كثيراً منهم قادته مناكفة الخصوم تدريجياً إلى الانقلاب على الرؤية الإسلامية والرغبة الدفينة الملحة في تأكيد المباينة بمناسبة وبلا مناسبة, حتى آل الأمر بكلا الفريقين المتباغيين إلى الاستقواء بأحد جناحي السلطة ضد الفريق الآخر.

والحقيقة أن وقوع بعض المنتسبين للاحتساب في بعض البغي هو مما جرت به سنة التاريخ, وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن تيمية في كثير من كتبه, ومنه قوله: (وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم, وإما على نوع من المبتدعة, بزيادة على ما أمر الله به, وهو الإسراف المذكور في قولهم: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا) الفتاوى (14/483)

ثم إن مما زاد في تأجيج هذا الجموح الشبابي حفاوة كثير من المؤسسات الإعلامية بذلك مدفوعة بتصفية حسابات قديمة مع ما تسميه الإسلام السياسي, ومن يتصور أن المؤسسات الإعلامية مجرد مناخ معرفي بحت فهو يعيش وهماً كبيراً, فالمؤسسات الإعلامية كائنات سياسية لها أجندتها الخاصة وانحيازاتها العميقة, ولكن لها أدواتها الخاصة في الاستقطاب والتوظيف بما يتناغم مع بنيتها مثل: منصب كاتب عمود صحفي, أو مشرف صفحة الرأي, أو مقدم تلفزيوني, أو معد برامج, أو ضيفاً دائماً يوضع تحت اسمه خبير في الجماعات الإسلامية, ونحوها من المناصب الإعلامية التي تخطف لب الشاب في عصر الشاشة.

ويمكن إجمال بعض الغايات والنتائج التي سعت إليها هذه الورقة في الخطوط التالية:
-أن العبودية هي الغاية الكبرى, أما العلوم المدنية فهي وسيلة تابعة لها.
-أن التنوير الحقيقي هو الاستنارة بالعلوم الإلهية التي تضمنها الوحي, وأن الظلامية والانحطاط الرئيسي هو الحرمان من أنوار الوحي مهما بلغت درجة العلوم المدنية.
-أن أشرف مراتب العمارة هي العمارة الإيمانية, وأن جوهر وظيفة الاستخلاف هو تمكين الدين.
-أن الغلو المدني هو ينبوع الانحراف الثقافي وجذر التخبطات الفكرية المعاصرة.
-أن الإسلاميين ليسوا ضد المثاقفة, ولكن لديهم موقف تفصيلي يفرق بين الانتفاع والانبهار, ويفرق بين مستويات الإنتاج في الحضارات الأخرى.
-أن خطاب أنسنة التراث آل إلى تغييب دور النص في تشكيل التراث, ورد العلوم الإسلامية إلى عنصرين: الثقافات السابقة وصراعات المصالح, بما ترتب عليه انفصال الشاب المسلم عن نماذجه الملهمة.
-أن المغالاة في مفهوم الإنسان آلت إلى طمس المعايير القرآنية في التمييز على أساس الهوية الدينية.
- أن التبرم بمرجعية الوحي, والإزراء بالقرون المفضلة, واللهج بتعظيم الكفار, من أكثر شعب النفاق المعاصرة التي تستدعي التحصين الإيماني.
-أن المغالاة في النسبية يقود إلى العدمية, بما يترتب عليه خسارة فضيلة اليقين ومنزلة الإحسان, والإغراق في الارتياب والحيرة واللاحسم.
-أن الغضب لله ورسوله إذا انتهكت محارمهما قيمة محمودة وليس توتراً ولا نزقا ولا دوغمائية ولا وصاية ولا إقصاء .
-أن الاستغراق في ربط الشعائر بعلل سلوكية محضة, أو ربط التشريعات بحكم اجتماعية محضة, من أعظم أسباب توهين الانقياد وذبول الدافعية.
-أن تعظيم الكلي مع تجميد تطبيقاته يؤول إلى تعظيم شكلي نظري لا حقيقة له, لأن الجزئي معتبر في إقامة الكلي.
-أن الاستقامة الدينية ليست لمجرد السلامة من النار, بل لها آثار دنيوية كبرى في جلب الخيرات ودفع الكوارث.
-أن الضعف البشري في تأويل النص باتجاه رضا الناس حقيقة لا يستهان بسطوتها على العامل للإسلام الشغوف باستمالة المدعوين.
-أن استفراغ الوسع والاستطاعة في إعداد القوة واتخاذ الإمكانيات من الواجبات الشرعية المحكمة.


رابط Good Reads

Download - Archive

السبت، 17 يناير 2015

أوراق في التأريخ العربي الإسلامي

أوراق في التاريخ والحضارة

 أوراق في التأريخ العربي الإسلامي

 



يتضمن هذا الكتاب عشرة بحوث، تضيء جوانب أساسية في التاريخ العربي-الإسلامي: اجتماعية، واقتصادية، وإدارية، وفكرية، إضافة إلى الإطار السياسي.

في البحوث الثلاثة عن التاريخ العباسي، يتناول المؤلِّف موضوع الدعوة العباسية، مستنداً، في ما قدّمه لهذا الموضوع، إلى مخطوط أخبار العباس وولده، فكشف عن نقاط غامضة في الدعوة. وأفرد بحثاً لموضوع الآراء في الدعوة، بما في ذلك فكرة المهدي آنئذٍ، معتمداً على معلومات خارج الرواية التاريخية، كالنقود والآثار. ويضاف إلى هذا بحث شامل عن بغداد، منذ نشأتها حتى القرن الثالث الهجري.

وفي بحثه "الجزيرة العربية في عصر الخلفاء الراشدين" حديث عن تاريخ الأمة، ولا سيما مصادر هذا التاريخ، وما تميزت به هذه المرحلة من إنجازات نوعية على صعد مؤسسة الخلافة ونجاح حروب الرِّدّة والفتوح، وترسيم أصول النُّظُم والضرائب.

ويقدم المؤلِّف صورة شاملة ومتصلة للأحداث التاريخية عبر بحثه "اليهود في المجتمع الإسلامي عبر التاريخ" كاشفاً ما لقي اليهود من حرية ورخاء في ظل عدالة المسلمين.

أما بحثاه عن القدس فجاءا من منطلق القول بتعدد جوانب اهتمامات الدكتور الدوري في إطار التاريخ الإسلامي. وكذلك الأمر في بحثيه: "مدخل إلى تاريخ الأمة العربية" و"التكوين التاريخي للأمة العربية" فهو إلى جانب ما قام به من تغطية لفترات التحولات الكبرى في تاريخ الأمة، يشدد على مفاهيم تراثية أساسية، ليجعلها منطلقاً في دراسة مفاهيم الأمة الواحدة، واللغة الواحدة، والفضائل الموروثة، إرادة تحديد هوية الأمة، ورصد بدايات الوعي لديها.

إن هذه البحوث العشرة، بما تضمنته، تشكّل إضافة نوعية، سواء في الفكر أو في المنهج، ولعل ذلك أساس في الكتابة التاريخية

الجمعة، 9 يناير 2015

المدخل لدراسة الأقليات

المدخل لدراسة الأقليات


 



نبذة المؤلف:
إن دراسة موضوع الأقليات فى أى مجتمع دراسة منهاجية، تصطدم بعدة صعوبات. فهى غاليا ما تكون حساسة بالنسبة للكاتب، سواء أكان ينتمى إلى الأقلية فى مجتمعة أو إلى الأكثرية وبخاصة فى المجتماعات النامية وحديثة الاستقلال، حيث يعلو نداء الوحدة الوطنية على كل صوت آخر، بل يدفع حماسة القادة والجماهير مما إلى عدم تشجيع مثل هذه الدراسات. ولكن كلما.
ولعل فى هذه الحساسيات سببا فى قلة ما كتب عن الأقليات نسبيا فى مجتمعاتها ليس فى اللغة العربية وحسب، بل وفى اللغات الأوربية كذلك. كما يجب ملاحظة أن كثيرين ممن اولوا هذا الموضوع عنايتهم كانوا من الباحثين المنتمين إلى الأقلية اليهودية ولم يتورع بعضهم عن الإتيان بآراء مشبوهة، وبخاصة عند معالجة مشكلات الأقليات اليهودية فى بعثرتها وانتشارها فى أرجاء العالم المختلفة، او فى معالجة مشكلات الأقليات الزنجية فى الولايات المتحدة الأمريكية بطريقة سياسية غامضة تنزع إلى الكسب الدعائى لأصوات أقليات من الممكن أن تتعاطف معهم- ولو مظهريا- لكسب الراى العام العالمي والأمريكي لنصرة دعاوى الإستيطان الصهيونى فى الشرق الأوسط، أو الغزو لبلاد أفريقيا الجديدة وجنوب شرقة آسيا. ولقلة المعلومات الجادة والدراسات الأصلية فى هذا الميدان نجد أنه من الصعب استخدام هذا القدر من المعلومات المتاحة لتنظيم علاقات مترابطة فى تسلسل علمى منطقى، تكفى لإستنباط تعميمات قابلة للاختبار، فى سبيل الوصول إلى نظريات مقننة علميا، بحث يعتمد عليها فى النهاية للوصول إلى قدرة على التوقع المحسوب.
وكل ما يحدونا من أمل فى دراستنا هذه هو التوصل إلى منهج مدروس للبحث فى موضوع الأقليات عامة، وما يتخلل المجتمع العربي من أقليات بصفة خاصة. ويتطلب مثل هذا المنهج قدرة على التجربة والاختبار، تعين على تقييم ما يقدم من شروح وصفية وسببة لبعض ظواهر سلوك الأقليات فى مجتمعاتهم حيال الأكثرية من جانب، ومدى تمحلهم أو تفهمهم لتصرفات تلك الأكثرية وسلوكها من جانب آخر

 Download - Archive


الجمعة، 2 يناير 2015

الاستراتيجية ومحترفوا الأمن القومي

الاستراتيجية ومحترفوا الأمن القومي

التفكير الاستراتيجي وصياغة الاستراتيجية 

في القرن الحادي والعشرين

 


 ربما لم يكتب في الاستراتيجية بعد مؤلفات تسن زو وكلاوز فيتز أشياء جوهرية  اللهم إلا إضافات وتحسينات وتعليقات على ما كتبه هذان 
نعم أضاف جو ميني أشياء قيمة ولكنها تبقى في الإطار العام للمؤلفات الأم  المذكورة 
وما يميز هذا الكتاب أنه حديث وبه تقنيات وامثلة
_____________
نبذة الناشر:
تنطوي البيئة الأمنية في القرن الحادي والعشرين على فرص واعدة وعوامل مهددة للمصالح الأمنية للدولة القومية في وقت واحد. ويواجه صانعو السياسة والمتخصصون المحترفون العاملون في الدوائر والمؤسسات الحكومية والمسؤولون عن حماية مصالح الدولة، بيئة استراتيجية شديدة الخطورة وأكثر غموضاً وتعقيداً من البيئة التي واجهها أسلافهم في القرن العشرين.
وهذا الكتاب الذي يتحدث عن النظرية الاستراتيجية والفكر الاستراتيجي وصياغة الاستراتيجية وحتى وضع السياسات موجه للمحترفين المتخصصين في شؤون الأمن القومي، والعاملين في الحقل الأمني لأغراض سياسية، والآخرين الذين يشاركون في صياغة الاستراتيجية وتنفيذها وتقويمها، إلى جانب الذين يدرسون ويتابعون نقاشات الأمن القومي.
لا يقترح هذا الكتاب استراتيجية جديدة؛ ولكن يقدم منظوراً ومساراً للفكر الاستراتيجي المنظم تجاه الاستراتيجية بعامة. والكتاب وافٍ في تفسيره لطبيعة البيئة الاستراتيجية، حيث يعرض نظرية واضحة وشاملة للاستراتيجية وإطاراً عملياً للتفكير حول هذه البيئة وكيفية صياغة استراتيجية فعّالة.
إن هذا الكتاب يساعد القارئ على فهم الجوانب الداخلية والخارجية للبيئة الأمنية التي تجعل صياغة الاستراتيجية وتنفيذها مهمة صعبة جداً على الدولة القومية، وبخاصة في الأنظمة الديمقراطية. ويرى أنه إذا اعتمدنا على تقويم وتخمين صحيحين فإننا نستطيع تحديد العوامل الاستراتيجية الرئيسة، وبالتالي صياغة الاستراتيجية المناسبة، بحيث تلبي الغايات وتتناسب مع الطرائق والوسائل. ويوضح الكتاب كيفية وضع أهداف الاستراتيجية، ومفاهيمها والموارد اللازمة، كما يوضح كيفية تجنّب الأخطاء الشائعة والمآزق في صياغة الاستراتيجية. وأخيراً، يقدم اختبارات عملية لتحديد مدى صلاحية استراتيجية معينة، والطرائق التي يجب أن تؤخذ في الحسبان وكيفية تجنب المخاطر

Download - Archive


الخميس، 25 ديسمبر 2014

الدولة والشريعة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر

الدولة والشريعة 

في الفكر العربي الإسلامي المعاصر




صدر للأستاذ برّاق زكريا دراسة جديدة حول "الدّولة والشّريعة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر". وهذه الدراسة هي من إصدار "مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي في بيروت". وتندرج ضمن سلسلة الدراسات الحضارية التي يصدرها المركز.
وتصدَّر محتويات المجلد الأول ثلاث كلمات: كلمة المركز، ومقدمة تمهيدية. ومحتويات هذا المجلد تراوحت ما بين ثلاثة أقسام مع فصولهم. وتمحور القسم الأول حول: إشكالية العلاقة بين الدين والدولة في أوروبا، وكيف دخلت إلى بلادنا؟، القسم الثاني: الدين والدولة في عصر النهضة. القسم الثالث: الإحيائية الإسلامية ظهورها وأفكارها. إضافة إلى خاتمة ونتائج.
وجاء في كلمة المركز: العلاقة بين الدولة والشريعة مسألة أخذت في الفكر الإسلامي عموماً، بكل تياراته، حيّزاً واسعاً من النقاش، واحتل البحث فيها صفحات تنوء بالعصبة أولي القوّة، بل أُريق على مذبحها من الدماء أكثر مما أُريق من الحبر. واختلفت التقديرات لطبيعة العلاقة بين الطرفين بين من رأى أنها علاقة مانعة انفصال؛ فالسياسة في الإسلام والشّريعة عين الديانة والعكس صحيح. وبين من رأى ضرورة بناء الدولة على أسس غير دينية تستورد من جغرافيا العقل الإنساني دون نظر إلى جغرافياه الأرضية أو الفكرية. مع الالتفات إلى تعدّد الرؤى بين هذين الحدّين تعدّد ألوان الطيف.
والآن، وبعد الاهتزازات التي عصفت بالعالم الإسلامي والعربي منه على وجه التحديد وصعود نجم التيارات الإسلامية، يبدو الرجوع إلى دفاتر الفكر السياسي الذي صدرت عنه بعض الحركات الإسلامية التي ثُنيت لها وسادة الحكم في بعض البلاد الإسلامية ولو من غير استقرار حتى الآن، تبدو العودة إلى تلك الدفاتر ضرورة ملحّة لفهم الحدث واستشراف المآلات التي يمكن أن تؤول إليها الأحداث.
وقد حاول باحثنا الأستاذ برّاق زكريا استطلاع أهم نظريات الفكر السياسي التي تبنّتها بعض الحركات الإسلامية في العالم العربي، للكشف عن أهم عناصرها المكونة لها، والحفر في أعماقها لاكتشاف المصادر التي استقت منها أفكارها. وهذه الدراسة جمعت بين الاختصار وحسن التحليل ما قد لا يتوفر في غيرها من أمثالها.
لا مِراء في أنّ الإشكالية السياسية هي القضيةُ المركزية المِحور والأُم التي شغلت، ولا تزال، الفكر العربي الإسلامي الحديث والمعاصر – حسب ما جاء في المقدمة التمهيدية للكتاب – بل إن ثمة علاقة تلازُمية، من حيث التكوين، بين الفكر العربي الحديث وبين الإشكالية السياسية.
القضية المركزية التي يدور حولها هذا البحث هي العلاقة بين الشريعة والدولة ومكانة الشريعة في الدولة لدى مفكري الإسلام المحدثين. فالإشكالية محل النزاع بينهم وبين المفكرين العرب من غير ذوي النزعة الإسلامية، من جهة، وبين بعضهم وبعض من جهة أخرى، تدول حول مرجعية الدولة: هل هي الشريعة الإسلامية، أم الدستور الوضعي البشري؟ وهل الإسلام دين ودولة، وعقيدة وشريعة، أم هو دين وعقيدة فحسب؟ وبكلام آخر، ما المرجعية في أمور القضاء والسياسة والاقتصاد والإدارة؟ هل الإسلام هو المرجعية في كل ذلك، أم أن هذه الأمور أمور دنيوية، بالتالي، فإن "الحل والعقد" فيها متروكان لاجتهادات البشر الخاضعة للتبدُّل والتغيّر والتطور تبعاً للظروف والأحوال وتبدُّلاتها، وللناس أن يقدِّروا ما فيه صلاحهم ومصالحهم ومنافعهم، فيأتوه كما لهم أن يشخّصوا ما فيه فسادهم ومضارهم، فيجتنبوه، ولا يد للدين في ذلك، وشأنه مقصور على ما له مساس بأمور العقيدة والعبادة والآخرة والمعاد وما له علاقة بالروح والأخلاق والسلوك فحسب؟..
وبمعنى آخر، هل تخضع الدولة، قياداتها ومؤسساتها وحكامها ومحكوموها لقانون السماء، أم للقانون الوضعي ولاجتهادات البشر بلا مرجعية عليا منها يستمدون، وإليها في كل أمورهم يرجعون؟ وهل نمتد بالدين، ليشمل السياسة وأمور الحكم وإدارة الدولة، أم نستبعد كل ذلك من ميدانه؟.
لقيت نظرية فصل الدين، مرجعية وشريعة وقانوناً، عن الدولة من هذه الفئة القبول والترحاب، ومن تلك النقد والرفض. إذ وجد فيها بعضهم الطريقة المُثلى والترياق الأنجع للخروج من حالتي التخلف والرجعية الواقعة فيهما الأمة، واللانعتاق – على غرار ما كان في الغرب – من نير استعباد رجال الدين ونظرياتهم الموغلة في القدم، والغارقة في طوباوية الماضي التليد، والمقيدة بأمجاد السلف، والرهينة لذلك العصر الذهبي الآفل منذ قرون...
لقد أصبح واجباً، بنظر أصحاب هذا المنزع، التحرّر من أغلال التجذُّر بتُربة الأسلاف، دع إعادة تطبيق نظرياتهم في واقعنا المعاصر المباين كلياً لواقعهم. وبرأي هؤلاء، فإن هذا ما يفرضه العقل ويحتّمه الاعتبار، وقبل ذلك وبعده، هذا ما يتطلبه الواقع وتوجبه المصلحة، و"حيثما كانت المصلحة، فثمّ شرع الله". وعليه، فلا ضير برأيهم في الاعتبار بتجارب الغرب وطرائقه ومناهجه، لا سيما نظريته في الفصل بين الدين والدولة، بين الروحي والزمني، بين الإلهي والإنساني؛ إذ إنها نظرية إنسانية عامة توصِّل إليها بدوافع ملحة وضرورات حتمية، وبعد جهود مضنية بذلها المفكرون الغربيون في مواجهة سلطة الكنيسة، ولكفّ أيدي رجال الدين عن السياسة؛ بل ولافتكاك الدين نفسه من أغلالها. فكانت هذه النظرية خير ما أنتجت العقول البشرية في مجال الاجتماع السياسي، وهي بالتالي، صالحة لكل زمان ومكان وللمجتمعات الإنسانية كافة، على اختلاف أديانها وأيديولوجياتها

Download - MediaFire

السبت، 13 ديسمبر 2014

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي - مايكل كوك

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 

في الفكر الإسلامي 

 مايكل كوك



نبذة النيل والفرات:

إن هذا الكتاب للمؤلف والمستشرق أستاذ قسم دراسات الشرق الأدنى في جامعة برنستون، "لا يمثل وحسب استقصاء واسعاً وشاملاً للتجربة الإسلامية في رؤية العالم والدور والمسؤولية فيهما وعنهما من جانب المسلمين، بل هو أيضاً قراءة عميقة ومستوعبة لروح الإسلام كله، من منظور إشكاليات المسؤولية بين الدولة والمواطن في التجربة العالمية المعاصرة". وإن الإشكالية التي يطرحها هي "إشكالية المواطنة المعاصرة والتي تقول بحق الجميع في المشاركة والمحاسبة والمراقبة لمسائل الشأن العام، والإسهام في تحقيق الخير العام، والتدخل من أجل التصحيح والتغيير. وهو يرى أنها توافرت وبعمق ديني وأخلاقي في التجربة الإسلامية الكلاسيكية بسبب إصرار المسلمين عليها وما تزال لها تأثيرات في الإسلام الحديث والمعاصر، ولدى سائر الفرق والمذاهب".
اعتمد المؤلف في بحثه القيّم والشامل لهذا الموضوع، على عدد من مكتبات البحث في بلدان عدة، كمكتبة المتحف البريطاني، ومكتبة جامعة ليدن، ومكتبة الدولة في برلين، ومكتبة الفاتيكان، والمكتبة السليمانية في اسطنبول، ومكتبة الأسد في دمشق، كما على"مجموعة المخطوطات الإسلامية الرائعة في مكتبة فايرستون في برنستون".
تتبع الباحث مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في النص القرآني، ثم في نصوص المفسرين الأوائل، وفي الأحاديث النبوية، وفي سلوكيات المحتسبين المتميزين الأوائل. كما أنه غاص في تجليات هذا المبدأ في التجربة الكلامية والفقهية الإسلامية، اهتم "بالإمام أحمد بن حنبل وحركته الدينية الاجتماعية والسياسية، ثم بالحنابلة في بغداد ودمشق، ملقياً ضوءاً على خصوصية ابن تيمية ثم الوهابية والدول السعودية الثلاث حتى السبعينات من القرن العشرين"، ومن ثم بالمعتزلة وأصولهم الخمسة، والزيدية والإمامية والحنفية والشافعية، ثم أنهى قراءة المرحلة الكلاسيكية بفقرة متميزة عن الإمام الغزالي.
كما بحث في هذا المبدأ من خلال التطورات الحديثة لدى السنة والشيعة، وبحث في "شيء من الخفر والتردد" إمكانية تأثيره في ظهور الأصوليات الإسلامية المعاصرة. ينتهي البحث "بعقد مقارنات بين الجاهلية والإسلام فيما يتصل بالمسؤولية الاجتماعية ودوافعها، ثم بين المسيحية أو المسيحيات في القديم والحديث من جهة، والإسلام من جهة ثانية".
تتضمن هذه الدراسة الشاملة والمعمقة أيضاً، ملحقاً بأهم الآيات والأحاديث، وملحقاً آخر عن رؤية ابن العبري لمبدأ النهي عن المنكر، إضافة إلى فهرس بالمراجع والمصادر.

  مراجعة:
رضوان السيّد (أستاذ الدراسات الإسلامية ـ الجامعة اللبنانية بيروت 
صدر عام 2009 عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر كتاب «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» للمؤلف مايكل كوك (أميركي مستشرق) وترجم النص وراجعه على المصادر وقدم له الدكتور رضوان السيد والدكتور عبد الرحمن السالمي والدكتور عمار الجلاصي.

تأثر المستشرق الكبير مايكل كوك بكلام الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين، حيث قال إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أصل الإسلام، وجوهر الدين، فكان ذلك من دوافع إقدام كوك على بحث هذا الأمر في الموروث الفقهي والكلامي الإسلامي المكتوب كله. وقد التزم كوك في عمله ظاهراً بالطرائق الفيلولوجية فاستوعب كل ذكر لهذين المفردين عن طريق القراءة الهائلة، والتنظيم الدقيق. بيد أن إشكالية الكتاب هي المواطنة المعاصرة التي تقول بحق الجميع في المشاركة والإسهام في تحقيق الخير العام، والتدخل من أجل التصحيح والتغيير. وهو يرى أنها توافرت في التجربة الإسلامية الكلاسيكية بسبب إصرار المسلمين عليها ولا تزال لها تأثيرات في الإسلام الحديث والمعاصر، ولدى سائر الفرق والمذاهب.

إن هذا الكتاب لا يمكن تلخيصه بل لا بد من قراءته، والتمعن في مقاصده، فالنص عميق وشاسع، ويرتكز على مئات المصادر المطبوعة والمخطوطة، التي رجع إليها المؤلف بكفاية ومسؤولية عاليتي الوتيرة ولكي يصل الى استنتاجات بعيدة المدى في موضوعه، والموضوعات المجاورة.

إن الواقع أن هذا الكتاب في أحد وجوهه هو قراءة عميقة لروح الإسلام كله، من منظور إشكاليات الضمير الديني والأخلاقي، وأبعاد المسؤولية بين الدولة والمواطن في التجربة العالمية المعاصرة.

الباحث رضوان السيد وضع المقدمة، متعمقاً في مضمون هذا الكتاب، وفاتحاً آفاقاً جديدة فيه.

هنا مقتطف من مقدمة رضوان السيّد.

أولاً: القرآن: المفهوم وتحديداته

هناك ثلاثة أنواع من الآيات التي يذكر فيها مفرداً «المعروف» و»المنكر» مقترنين أو غير مقترنين.

النوع الأول، وهو الذي يحصل فيه الاقتران، وهو موضوع البحث هنا، هو الأكثر وروداً في القرآن الكريم وبثلاث صيغ: صيغة الخبر، مثل «يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر» (التوبة:67)، وصيغة الوصف، أي وصف المؤمنين المثاليين: مثل «كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله» (آل عمران: 110)، أو مثل «الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر» (التوبة: 112)، وصيغة الأمر، مثل «ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر» (آل عمران:104)، ومن مثل «يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانهِ عن المنكر واصبر على ما أصابك» (لقمان: 17).

النوع الثاني، وهو كثير الورود في القرآن، ويُفرد فيه «المعروف» وحده بالذكر، وهو يعني بوضوح: الإجادة في المعاملة أو السلوك، والإحسان في العطاء. وذلك على مثل قوله تعالى: «فأمسكوهن بالمعروف أو سرحوهن بمعروف» (البقرة: 231)، وقوله تعالى «فلا جُناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف» (البقرة: 233)، وقوله تعالى «قولٌ معروف ومغفرةٌ خيرٌ من صدقة يتبعها أذى» (البقرة: 263)، وقوله تعالى «وعاشروهن بالمعروف» (النساء: 19). وكما يتضح مما أوردنا من آيات، فإن أكثر مرات ورود مفرد «المعروف» على الانفراد ـ فضلاً عن تحدد المعنى بالسماحة في القول والسلوك والتصرف ـ متعلق بالمشكلات الاسرية، وطرائق التعامل مع المرأة في حالات النزاع أو الافتراق.

والنوع الثالث من أنواع ذكر مصطلحي «المعروف والمنكر» أو أحدهما، هو المختص بذكر «المنكر» بمفرده، من مثل «كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه» (المائدة: 79). ومن مثل «تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر» (الحج:72). ومن مثل (أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر» (العنكبوت:29). ومن مثل (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون» (النحل» 90). والواضح مما ذكرناه من الآيات التي ينفرد فيها «المنكر» بالذكر، أن معناه الشر، بشتى أنواعه وصيغه من مثل الكفر بالله، وارتكاب الفواحش العلنية، وقطع الطريق، والاعتداء على الناس... الخ.

وبذلك يصبح معنياً المفردين «معروف ومنكر»، واضحين وللجهتين: جهة السياقات القرآنية التي يردان فيهما، ولجهة المعنى اللغوي المتداول في المعاجم، قبل التعرض للظلال والمعاني الثواني، التي يلجأ فيها اللغويون أيضاً للقرآن، وللشعر العربي القديم.

إنما ما هو المقياس في إنكار أو رفض هذا الأمر، واعتباره بالتالي منكراً، واستحسان الأمر الآخر، واعتباره معروفاً؟ أو من هي سلطة التحديد؟ أو بتعبير ثالث: ما مصدر اعتبار هذا الأمر معروفاً أو مستحسناً أو مشروعاً، واعتبار ذاك الأمر مكروهاً أو مداناً أو منكراً؟

السياقات القرآنية سواء في حالات الاقتران أو الانفراد ليست مؤكدة أو شديدة الوضوح. لكن المتبادر منها أن المصدر الاولي لمقاربة مسألتي الخير والشر أو المعروف والمنكر إنما هو الأعراف المستقرة أو العقل الجمعي. وقد اعتبر القرآن الكريم «الفطرة» الإنسانية أساساً لقيم الإيمان والخير «فطرة الله التي فطر الناس عليها» (الروم:30)، وفسرها النبي (ص) بهذا المعنى في حديث مشهور «كل مولود يولد على الفطرة» ـ ثم جرى قرن أو ربط «الشريعة» لدى المفسرين بهاتين المقولتين: مقولة المعروف والمنكر على أساس الفطرة، ونواتجها في العرف العام، بحيث يجري في أكثر الأحيان ومع استتباب التجربة الإسلامية التعبير عن المعروف بأنه ما صدر عن الشريعة أو ما كان شرعياً، وعن المنكر بأنه ما خالف الشريعة أو ما كان غير شرعي.

والمعروف أن هذا المبحث في سلطة تحديد الخير والشر أو الحسن والقبيح (؟) تطور لدى المتكلمين بعد القرن الثالث الهجري. وظهر من قال بالاستحسان العقلي، ومن قال بالاستحسان الشرعي.

لكن عندما أقرأ الأمر على هذه الشاكلة بالنسبة للقرنين الهجريين الأولين، فليس معنى ذلك أن العمليات التفسيرية والفقهية والتجريبية الاجتماعية والسياسية، جرت على هذا الخط المستقيم والبسيط. إذ إن المفسرين الأوائل اختلفوا في تفسير آيات الاقتران بين المعروف والمنكر، فمنهم من اعتبرهما مقارنين للإسلام نفسه، ومنهم من اعتبر أن معناهما الملازم للإسلام هو الجهاد، أي أن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن تناول واجبات للمؤمن أو للمؤمنين ذات طابع داخلي، فإنه بالدرجة الاولى يتعلق بواجبات الأمة تجاه الخارج أو مهماتها بالخارج في نشر الدعوة بشتى السبل ومنها الجهاد.

وقد كان واضحاً خلال القرنين بل القرون الهجرية الثلاثة الاولى أن الذي رجح هذا التأويل ـ وليس التفسير ـ للآيات القرآنية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليس السياقات القرآنية لتلك الآيات وحسب، بل الظروف التاريخية لقيام الدولة والفتوحات، ثم استمرار الجبهتين بين المسلمين وخصومهم، في المشرق مع الشعوب التركية، وفي بلاد الشام مع البيزنطيين.

ويتضح ذلك من الاختلاف بشأن «فرضية» الجهاد بين علماء الشام، وعلماء الحجاز في مطالع القرن الثاني الهجري. فقد كان علماء الحجاز يرون أن الجهاد مستحسن أو مندوب، في حين كان الشاميون، الذين يعانون من هجمات البيزنطيين عليهم في شمال بلاد الشام، يعتبرون الجهاد واجباً على سائر المسلمين. ثم ما لبث الجهاد ـ نحو منتصف القرن الثاني الهجري ـ أن انفصل عن مقولة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لأن الدولة استأثرت به، واعتبرته من مهماتها وواجباتها ومسوغات شرعيتها. وفي كتابي السير لمحمد النفس الزكية (ـ145هـ/ 762م)، والاوزاعي (ـ 157هـ/ 773م) آثار بادية للصراع بين الأمرين، أو التنافس بين المبدأين: مبدأ المهمة والمسؤولية الفردية، ومبدأ المهمة والمسؤولية الجماعية من طريق اعتبارات السلطة السياسية. ففي الكتابين اللذين وصلتنا نصوص ومقتبسات منهما، ترد عبارات مثل: «فإن خرج متطوعاً أو متلصصاً فغنم» ومثل: «ومن شتّى وحده في أرض العدو، أو عرض لداخل الى دار الإسلام...» ـ محتجاً في الحالتين بأنه إنما يمارس الجهاد باعتباره فريضة فردية، بمقتضى التمدح القرآني بالجهاد أو مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن ذلك لا يعتبر من «العمل الحسن». أما الدولة من جهتها فقد أوضحت وجهة نظرها في العهدين الأموي والعباسي. فعلى المسكوكات الأموية المعرّبة أيام عبد الملك بن مروان (65 ـ 86هـ/ 684 ـ 705م) بين العامين 75 و79هـ/ 694 ـ 698م صورة للخليفة الأموي يتأبط سيفه تحت آية قرآنية نصها «هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله» (التوبة: 33)، وفي أسفل الدينار المسكوك: خليفة الله عبد الله عبد الملك بن مروان! فالمهمات العالمية للإسلام، وفي طليعتها حماية دار الإسلام والدفاع عنها هي من خصائص وامتيازات خليفة الله، وأمير المؤمنين. أما الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور (36 ـ 59هـ/ 656 ـ 678م) فقد نظم الأمر نهائياً في هذه المسألة حيث اشترط على «المتطوعة» أفراداً وجماعات، ممن يريدون الجهاد، أن يجهزوا أنفسهم بأنفسهم، ثم أن ينضموا الى «أمير الصائفة» ويلتزموا بأوامره في الزحف والإياب وتوزيع الغنائم، ولذا نجد في الحملات العباسية الى الجبهة مع البيزنطيين مرتزقة (جنداً نظاميين يقبضون مرتبات) ومتطوعين. أما الآخرون من سكان المناطق الحدودية، فقد صاروا جميعاً من موظفي الدولة ومرابطيها الى أن انهارت الجبهة في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، لكنّ لذلك حديثاً آخر (...).

ثانياً: الأمر بالمعروف باعتباره واجباً فردياً

ومسؤولية شرعية وأخلاقية

في الوقت الذي كان فيه الجهاد يتحول الى واجب على الجماعة من خلال إمامها، كان مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ ومن خلال الممارسة ـ تتطور إدراكاته بوصفه مسؤولية على الأفراد والجماعات، ثم يتطور الى حق لأولئك الأفراد، وتلك الفئات. وعندما نقرر ذلك، ونعتبر أنه حصل، وصار أمراً مستقراً في النصف الأول من القرن الثاني الهجري/الثامن القضاء العادي، وبذلك فقد اشترعوا مواصفات لما صار يعرف اليوم بالجريمة السياسية. وقد ذكر الفقهاء ذلك في كتب «السِيَر» في القرن الثاني الهجري، ثم أثبت ذلك الإمام الشافعي (ـ204هـ/819م) في باب في كتاب الأم، وصارت تلك الممارسة عادة لفقهاء المذاهب جميعاً في كتبهم الفقهية العامة الى نهايات المرحلة الكلاسيكية في التجربة الفقهية والسياسية الإسلامية.

ثالثاً: كتاب كوك في الأمر بالمعروف

والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي

تأثر المستشرق الكبير مايكل كوك بكلام الإمام الغزالي (ـ450هـ/1111م) في إحياء علوم الدين، في الفصل الذي عقده فيه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث قال في مطلعه إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أصل الإسلام، وجوهر الدين، فكان ذلك من دوافع إقدامه على بحث هذا الأمر في الموروث الفقهي والكلامي الإسلامي في المكتوب كله. وقد التزم كوك في عمله ظاهراً بالطرائق الفيلولوجية لاستشراق القرنين التاسع عشر والعشرين، فاستوعب كل ذلك لهذين المفردين في التراث الإسلامي الكلاسيكي، وعن طريق القراءة الهائلة، والتنظيم الدقيق، وقبل أن يسهّل الكومبيوتر والانترنت الأعمال الاستقصائية. بيد أن إشكالية الكتاب العظيم هذا إشكالية شديدة الحداثة إذا صح التعبير. إشكاليته هي إشكالية المواطنة المعاصرة \والتي تقول بحق الجميع في المشاركة والمحاسبة والمراقبة لمسائل الشأن العام، والإسهام في تحقيق الخير العام، والتدخل من أجل التصحيح والتغيير. وهو يرى أنها توافرت وبعمق ديني وأخلاقي في التجربة الإسلامية الكلاسيكية بسبب إصرار المسلمين عليها وما تزال لها تأثيرات في الإسلام الحديث والمعاصر، ولدى سائر الفرق والمذاهب.

بدأ المؤلف كتابه بقصتين، أحداهما في «التوطئة» والأخرى في «المدخل». في «التوطئة» ذكر قصة المرأة التي اغتصبت في محطة قطار في شيكاغو عام 1988، وما تدخّل عشرات المشاهدين لإنقاذها أو ردع الجاني، وماذا يعنيه ذلك في سياق المسؤولية الأخلاقية والقانونية والدينية العامة.

ودون أن يصارح قرّاءه بالمقارنة أو التعليل، انتقل مرة واحدة في «المدخل» الى قصة «صائغ مرو» الذي تصدى لأبي مسلم الخراساني، بطل الثورة العباسية، لردعه عن الظلم ففقد حياته استناداً لاعتقاده بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم انصرف كوك لتتبع هذا المبدأ في النص القرآني، ثم في نصوص المفسرين الأوائل. وعلى غير عادته، فإنه لم يُطل في هذا القسم، لاستظهاره أن المفسرين لم يكن لهم كبير تأثير في مجرى التجربة الإسلامية في ما يتعلق بهذا المبدأ على الأقل. وأطال أكثر في استعراض الأحاديث النبوية التي تذكر هذا المبدأ وضوابطه، وأهمها حديثاً: التصدي للجائر لمنعه من الجور، والمنازل الثلاث. ثم انصرف الى سلوكات المحتسبين المتميزين الأوائل الذين طبّقوا فردياً هذا المبدأ وما عانوه أو ما ترتب على ذلك من نتائج. وأقبل كوك بعد هذه التمهيدات لاستكشاف «قلب العمل»، أي تجليات هذا المبدأ في التجربة الكلامية والفقهية الإسلامية. اهتم اهتماماً خاصاً بالإمام أحمد بن حنبل وحركته الدينية/ الاجتماعية والسياسية، ثم بالحنابلة في بغداد ودمشق، ملقياً ضوءاً على خصوصية ابن تيمية، ثم الوهابية، والدول السعودية الثلاث حتى السبعينات من القرن العشرين. واهتم ثانياً بالمعتزلة، ومعنى مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أصولهم الخمسة. وتفرّغ بتبسّط أكبر لفرقتي الزيدية (ذات الاهتمام الخاص بالمبدأ)، والإمامية؛ ملاحظاً أن الإمامية الإثني عشرية اهتموا بهذا المبدأ حديثاً أكثر مما اهتموا به في القديم. ولست أدري لماذا قدّم دراسة آراء الحنفية والشافعية خلال المرحلة الكلاسيكية على الإباضية. إذ المعروف أن الإباضية ـ مثل الزيدية ـ ذوو تأثير كبير في التطورات التاريخية الأولى لهذا المبدأ قبل قيام المذاهب. ثم أنهى قراءة المرحلة الكلاسيكية بفقرة متميزة عن الإمام الغزالي (الفقيه الشافعي الكبير، والصوفي البارز) لأهمية الفصل الذي عقده للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتابه الرئيس: إحياء علوم الدين، وتأثيراته على كل الفرق والمذاهب الإسلامية في القديم والحديث. وبعد تأملات متعجّلة بعض الشيء لبعض القضايا التي لم يعالجها من قبل مثل الأبعاد السياسية للنهي عن المنكر؛ ألقى نظرة موجزة أيضاً على التطورات في العصر الحديث لدى السنة والشيعة. وبحث بشيء من الخَفَر والتردد إمكانية تأثير مبدأ النهي عن المنكر في ظهور الأصوليات الإسلامية المعاصرة: فهل يشكل سلوك الإسلاميين المتشدّدين في العصر الحاضر، عودة للربط بين «الجهاد» ومبدأ الأمر بالمعروف، كما استظهرت في بعض مقالاتي؟! ثم عقد مقارنات بين الجاهلية والإسلام فيما يتصل بالمسؤولية الاجتماعية ودوافعها ـ ثم بين المسيحية أو المسيحيات في القديم والحديث من جهة، والإسلام من جهة ثانية، معتبراً ـ وعلى خلاف المتعارف عليه في الغرب ـ أن التجربة الإسلامية في المسؤولية الاجتماعية ذات الجذور الدينية والأخلاقية أبرز وأعمق معنى. وكنت في كتابي: سياسات الإسلام المعاصر، قد ناقشت مفهوم الـ»Berufung» أي الإحساس الرسالي أو الدعوي الذي لاحظه السوسيولوجي الألماني الكبير ماكس فيبر (Max Weber) في أخلاق العمل (باعتباره نوعاً من أنواع العبادة) لدى الكالفينيين من البروتستانت على الخصوص (في كتابه: الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية)، ورأيت أن أفضل مفرد لترجمته الى العربية مفرد: الاحتساب (وهو في الإسلام شعور غلاب بضرورة أداء الواجب دونما انتظار لفائدة مباشرة، بل لوجه الله ورجاء أجره وثوابه واحتسابه عنده)؛ لكن فيما يبدو فإن الأستاذ كوك لا يرى لهذا المبدأ أثراً ظاهراً في البروتستانتية المعاصرة. وقد أزعج ذلك الأستاذ جون كلسي (الباحث المعروف في أخلاقيات الدين، ومحرر كتاب: الحرب العادلة بين المسيحية والإسلام) فتتبع وجوه الإحساس بالمسؤولية بدوافع دينية وأخلاقية لدى اليهود والمسيحيين المُحدثين، معتبراً كوك متجنياً رغم عظمة كتابه. وما انتهى تعجب كوك وإعجابه عند هذا الحد، بل عقد ملحقاً آخر أوضح فيه أن المؤرخ المسيحي المعروف ابن العبري اقتبس نصه في «المسؤولية» (=الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من الإمام الغزالي! أي كأن المسألة برُمّتها ما كانت معروفة لدى المفكرين المسيحيين في الأزمنة الكلاسيكية!

رابعاً: ترجمة الكتاب

كتاب الأستاذ الكبير مايكل كوك، لا يمكن تلخيصه في هذه العجالة، ولا بد من قراءته، بالتفصيل، وتدبره، أكثر من مرة. وقد قمت مع الزميلين الدكتور عمار الجلاصي والدكتور عبدالرحمن السالمي بترجمته خلال سنتين، وبذلنا في ذلك جهداً كبيراً بالفعل. فالنص طويل وشاسع، والرجل يرجع الى مئات المصادر المطبوعة والمخطوطة. وقد حاولنا العودة إليها جميعاً، فكلّفنا ذلك جهداً كبيراً وهائلاً. وهناك خمس أو ست حالات فقط حيث لم نستطع الرجوع الى مصدر فارسي أو تركي أو مخطوط فريد في إحدى المكتبات. وقد استغرب المؤلف نفسه أنّا تمكنّا الى هذا الحد من الرجوع الى المصادر. ولا بد أن أُثني في هذا الصدد وأنا والدكتور عبدالرحمن السالمي، على الزميل الدكتور عمار الجلاصي، الذي قام بالجهد الأبرز في البحث عن مصادر كوك. بيد أن الصعوبة الأخرى تمثّلت في اللغة الدقيقة لغوياً ومصطلحياً لكوك، والتي استغرقت منّا أكبر الجهد والوقت. يُقال إن الترجمة هي أيضاً تفسير وتأويل. وقد حاولنا أن لا تكون كذلك؛ بل أن تنقل جهد الأستاذ كوك نصاً وروحاً.

إن كتاب الأستاذ كوك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي لا يمثل وحسب استقصاء واسع وشامل للتجربة الإسلامية في رؤية العالم والدور والمسؤولية فيهما وعنهما من جانب المسلمين؛ بل هو أيضاً قراءة عميقة ومستوعبة لروح الإسلام كله، وكما سبق القول، من منظور إشكاليات المسؤولية بين الدولة والمواطن في التجربة العالمية المعاصرة.

وقد قام المؤلف بذلك كله بكفاية ومسؤولية عاليتي الوتيرة، وأضاف لذلك وداً بالغاً ـ أو لنقل أُلفةً ـ ما عرفتهما منه وله في أعماله السابقة عن هذا الإسلام، وهذه الثقافة الكبرى. 


الأربعاء، 10 ديسمبر 2014

آل بن لادن وعالم النفط والمال والإرهاب

آل بن لادن وعالم النفط والمال والإرهاب

 


في هذا الكتاب الذي أمضي الباحث الأمريكي الشهير ستيف كول عدة سنوات في تتبع مصادرة وتسجيل رواياته ، ستجد توثيقا لمراحل عديدة من التاريخ السعودي الداخلي وتاريخ العلاقات مع الخارج وتحديدا مع الولايات المتحدة الأمريكية ، مرورا بامتيازات النفط وبداية مشروعات التنمية وحرب اليمن واحداث جهيمان والحرب الأفغانية وأزمة الخليج وليس أخرا بإحداث 11 أيلول / سبتمبر . كما أن ما يزيد عن ثلث الكتاب يتحدث بأسلوب استقصائي توثيقي عن زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن ، منذ ولادته في أذار/ مارس 1957 وحتي قبيل مقتله في أيار / مايو 2011 بكل مراحل حياته وأكثرها خصوصية وغموضا


كتب : طارق أنكاي
أسامة بن لادن من الفقر إلى عالم المال ، ويركز هذاالكتاب على النقطة المفصلية في تاريخ تلك العائلة، وهي نزوح عامل البناء الأميّ اليمني “محمد بن لادن” إلى أحد بلدان الثروة النفطية، المملكة العربية السعودية. وبعد فترة ليست بطويلة أصبح هذا الرجل “محمد بن لادن” من خلال العمل الشاق والطموح والموهبة أحد دعائم التطوير في المملكة العربية السعودية، فساهم في بناء العديد من المساجد العظيمة والطرق السريعة، والتي جعلته هو وأولاده من أصحاب الثروة التي تٌقدر بالمليارات. فخلال جيلين انتقلت العائلة بن لادن من وادي الصحراء الجدب إلى حياة الرفاهية من طائرات ويخوت ومركبات خاصة حول العالم، فضلاً عن صفقات عمل مع مشاهير هوليود.وتبدأ رحلة الكفاح بنزوح محمد بن لادن من اليمن إلى المملكة العربية السعودية، ذات الوفرة النفطية ما بين الحربين العالميتين، ومع بداية الطفرة النفطية السعودية وجد “محمد” فرصة عمل في مجال البناء بشركة أرامكو Aramco ، شركة النفط العربية الأمريكية. وكونه أكثر من عامل جيد، كان “محمد بن لادن” منظماً ومتمتعاًً بقدرات فطرية في مجالي الأعمال والهندسة، وقد ساعدته تلك القدرات الفطرية في أن يُدشن شركته الخاصة في عام 1935 بمساعدة رب عمله. ونجاحه في بناء مساكن الأمراء، أهّله لأن يحظي بإعجاب الأسرة الحاكمة بالمملكة، والتي أوكلت إليه بناء أول المساكن الملكية. وأتبعها بالنجاحات فأُوكل إليه إنشاء شبكة الطرق بالمملكة، وتجديد الحرمين الشريفين بمكة المكرمة والمدينة، ومسجد عمر بالقدس، وبناء المنشآت العسكرية لضمان أمن سلالة حكم “آل سعود”. ويتطرق الكتاب إلى تعدد زيجات “محمد بن لادن”، فعلى الرغم من تشدده في الصلاة إلا أنه كان يتمتع بنظرة حسب الكاتب ليبرالية (منفتحة) بشأن القيود القرآنية لتعدد الزيجات، والتي كانت في الغالب لأسباب العمل، بعيداً عن النزوة، وقد ظلت العديدات منهن يعشن معه في حين طُلق بعضهن قانونياً. وفي عام 1958 فقط ولدت زوجاته سبعة أطفال كان من بينهم أسامة بن لادن من أم سورية كان عمرها آنذاك 15 سنة انفصل عنها محمد بسرعة. وقبل وفاته في عام 1967 في تحطم طائرة أثناء تفقده لأحد مناطق الإنشاء بالصحراء كان أباً لما لايقل عن 54 ابناً، ورغم تعددهم إلا أنه اهتم بهم جيداً.وفي جزء من هذا الكتاب يركز كول على الجانب المالي لثورة محمد بن لادن، فيقول أنه كان من الصعب حساب ثروته، وأنه لم يكن مهتماً بإدارة أمواله بالمملكة العربية السعودية، فقد كانت الأسرة الحاكمة بالمملكة مديونة له بما يُقدر ب (100) مليون دولار. ولكن حسب الشريعة الإسلامية أعرب عن رغبته في أن يحصل كل من أبنائه الذين وصل عددهم إلى 25ابناً على 2.7 في المائة من أصول شركاته، وأن تحصل كل بنت على 1 في المائة. وهذه التركة تضمن لهم إنهاء تعليمهم وهناء العيش، مع بعض الفائض إلى أمهاتهم المطلقات اللواتي لا يحصلن حسب الشريعة الإسلامية على أي جزء من التركة.وعلى عكس ما هوشائع، لم يُولد ورثة بن لادن أغنياء بثروات مالية هائلة. فأغلب الذكور توجهوا للعمل بالشركة العائلية وكونوا ثرواتهم بشكل تدريجي. ولكن أسامة، حسبما كتب كول، كان استثناءاً فلم يكنز أمواله لأسباب سياسية إسلامية.
ويضيف كول أن ثروته الشخصية لم تكف في تمويل الأنشطة والشبكات الإرهابية التي أنشأها، لذلك اتجه إلى جمع الأموال من “المؤمنين الحقيقيين” داخل العالم الإسلامي بمفهومه الواسع.
النشأة الاجتماعية لزعيم تنظيم القاعدة
رغم أن أسامة بن لادن لم ينفصل عن أسرته، إلا أنه ترعرع في كنف أسرة غير تلك التي نشأ فيها أقرانه، فنشأ في بيت زوج أمه الذي اختاره أبوه “محمد” بجدة. وكان من حين إلى أخر يذهب إلى سوريا لزيارة أقارب أمه. ويصفه العديد من أفراد أسرته وأقرانه الذين تحاور معهم مؤلف الكتاب : كول بالخجول.وبعد وفاة والده التحق أسامة بمدرسة خاصة جيدة انجليزية في التوجه الأكاديمي وسعودية في التوجه الديني ، وفي مرحلة المراهقة انجذب إلى جماعة الإخوان المسلمين، تلك المنظمة التي انتشرت في معظم المجتمعات العربية خلال تلك الفترة، والتي كانت تدعم الأفكار الأصولية. وفي سن السابعة عشر تزوج من ابنة عمه التي كانت في سن الرابعة عشر، والتي أنجبت له ولدا بعد فترة قصيرة من الزواج. وعلى الرغم من تركيزه في التعليم الديني إلا أنه برع في دراسة التجارة والتكنولوجيا. وبعد التخرج انضم إلى أخوته غير الأشقاء للعمل بشركة البناء العائلية.
بدايات العمل المسلح
يمثل عام 1979 نقطة محورية لأسامة بن لادن، ذو 21 ربيعاً في ذلك الوقت، وللمملكة العربية السعودية. فكان عام الثورة الإسلامية الإيرانية التي أشعلت الكفاح الديني على نطاق واسع. فعلى إثر اقتحام القوات للمسجد الحرام بمكة المكرمة، أضربت القوى الإسلامية الراديكالية ، والتي قمعتها القوات في معركة دامية، والذي نتج عنه حالة من عدم الاستقرار. فاستنجدت الأسرة الحاكمة بالولايات المتحدة للحفاظ على بقائها، وخولت واشنطن بناء قواعد عسكرية على الأراضي السعودية.وقد كانت تلك السنة مفصلية لأسامة بن لادن، حيث رفض وجود تلك القوات “الكافرة” على أراضي المملكة العربية السعودية، فولد توتراً بينه وبين أشقائه الذين حققوا مكاسب طائلة من هذا المشروع (إنشاء القواعد العسكرية الأمريكية بالمملكة). ولكن بعد عام من التوتر بين أسامة بن لادن والأسرة الحاكمة السعودية وأشقائه بشأن الوجود الأمريكي على الأراضي الأمريكية، غزا الاتحاد السوفيتي السابق أفغانستان. وكانت تلك بمثابة فرصة ذهبية له، حيث سارع في تقديم جل المساهمة للمقاومة الأفغانية، والتي كانت إسلامية بالأساس، وذهب إلى باكستان لمراقبة توزيع الأموال. وقد بدأ عمله بمعارضة الشيوعية والنفوذ الشيوعي، والذي غطى على الشقاق مع أشقائه، وأجلّ الشقاق مع الأسرة الحاكمة وحلفائها الأمريكيين.وبحلول منتصف الثمانينيات، انتقل بن لادن من الأمور والمسائل النقدية إلى توريد السلاح للقوات الأفغانية غير النظامية (المجاهدين)، ثم إلى تعبئة وتجنيد المقاتلين العرب للقتال بجانب المجاهدين الأفغان. وفي ذلك الوقت كانت الأسلحة رخيصة، فواشنطن كانت تغرق السوق بالأسلحة، وعلى رأسها صواريخ ستنجر المضادة للطائرات، والتي أكدت الهزيمة الروسية. ويشير الكتاب إلى عدم وجود محاضر لقاءات بين وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) وأسامة بن لادن. فالوكالة كانت تعرفه، ولكنها لم تبد أهمية خاصة له أو تدرك بوعي الخطر الذي يمثله كفاحه.
بن لادن ينشأ تنظيم القاعدة
عقب انسحاب السوفيت من أفغانستان في 1988 أسس بن لادن تنظيم القاعدة، ثم عاد مرة أخرى إلى المملكة العربية السعودية، تاركاً خلفه في أفغانستان تابعين له؛ لتأييد حركة طالبان الأصولية في صراعها فيما بعد الحرب مع الفصائل الأفغانية الأخرى. ولكنه لم يتصالح مع الأسرة الحاكمة، فقد دخل معها في شقاق جديد علني هذه المرة على إثر دعوتها القوات الأمريكية استخدام أراضي المملكة العربية تمهيداً لشن حرب كانت تلوح أفقها على العراق، بسبب غزو صدام الكويت في بداية التسعينيات من القرن المنصرم.وكان من شأن مواقف بن لادن أن جعلت أشقاءه في موقف صعب (معضلة صعبة)؛ لرغبتهم في تحقيق المزيد من الأرباح من بناء القواعد والمؤسسات الأمريكية، وعدم الانفصال عن الأخ. ولكن أشقائه اتخذوا قراراً بقطع راتبه من الشركة لعدم إغضاب الأسرة الحاكمة. والذي دفع أسامة بن لادن وزوجاته الثلاثة وأحد عشر ابنا وعدد غير محدد من البنات إلى اختيار المنفى إلى السودان لصعوبة البقاء بالمملكة العربية السعودية. وفي عام 1996طار مرة ثانية إلى أفغانستان، حيث استقبل استقبالاً حاراً من المتعاطفين معه بأفغانستان ومن على الحدود الباكستانية، وظل هناك حتى يومنا هذا.
ويركز كول ف يأجزاء من كتابه على العمليات المسلحة المنسوبة لأسامة بن لادن والقاعدة، وعلى تزايد منحى الغضب السعودي والأمريكي حيال أسامة بن لادن. وحسب كول ليس هناك مجالاً للشك في أن قدرات أسامة بن لادن التنظيمية، وقدراته العالية في جمع الأموال مازالت قوية وحادة. فقدراته الهندسية جعلت كهوف تورا بورا منيعة على القوات الأمريكية.ويؤكد كول أن العديد من أقاربه مازالوا يحتفظون بمشاعر دافئة له، ولكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر أجبرتهم على ضرورة أن ينأوا بأنفسهم عن أفعاله. فأشقاؤه المسؤولين عن شركة عالمية أخذوا مواقف صارمة تجاه أفعال وسياسات أسامة بن لادن إلاأن أخواته البنات يبدنّ أكثر تعاطفاً معه. ويشير كول في كتابة: أن الحديث عن أن أشقاء يرسلون له أموالاً سراً شيئاً غير مؤكد.وفي النهاية يمكن القول، أن هذاالكتاب يتناول في صورة بسيطة وسهلة التكامل العالمي ومعوقاته، وتناقضات العولمة فيقصة أسرة واحدة، استعملت المال وحرية الحركة والتنقل والتقنية إلى نهايات مختلفة بشكل دراماتيكي. فتلك الأسرة تضم تيارين على طرفي نقيض أحدهما يكن كل مشاعر الحب والمصلحة للولايات المتحدة، وراغباً في الاندماج والاستفادة منها، وهم على شقاق مع التيار الآخر الراغب في تدمير الولايات المتحدة الأمريكية والتخلص منها




السبت، 6 ديسمبر 2014

السيادة والسلطة - الآفاق الوطنية والسيادة الوطنية

السيادة والسلطة 

  الآفاق الوطنية والسيادة الوطنية


صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية كتاب "السيادة والسلطة: الآفاق الوطنية والحدود العالمية"، ضمن سلسلة كتب المستقبل
العربي (52).
"نصوص هذا الكتاب تلتقي على مساحة واسعة من الموضوعات المتصلة بقضايا راهنة تشكل اليوم محوراً للحراك السياسي والاجتماعي الذي يتجه نحو صياغة أسس التعاقد الاجتماعي وطريقة الحكم وآليات المشاركة في الإدارة واتخاذ القرار، وهي بذلك أفكار واجتهادات تهدف إلى تعريف وبناء معنى السيادة في حدود الآفاق الوطنية والحدود العالمية..."

"وإلى جانب ذلك يضم الكتاب عدداً من البحوث المتصلة بالتجارب السياسية الراهنة في عدد من الأقطار العربية ومن زوايا مختلفة، ودور النخب السياسية، وسبر أبعاد العلاقة التبادلية بين القوى السياسية والحراك المستمر من أجل إعادة صياغة شرعيةِ أي نظام سياسي أو اجتماعي في ضوء ما يقدمه من تجارب رائدة وعملية في ميدان توسيع مبدأ المشاركة في الحكم وتعبئة الجماهير لتعزيز مساهمتها في عملية بناء مفاهيم معاصرة للسلطة وإدارة الحكم وبخاصة في ميدان التنمية البشرية والمادية..."

"ويبقى موضوع العلاقة بين السيادة والسلطة هاجساً يشغل جهد المفكرين والباحثين في هذا الميدان..."

وإذ يسهم مركز دراسات الوحدة العربية في خوض هذا الغمار، فإنه يدرك تماماً أن الآراء التي وردت، إنما تمثل جزءاً من محيط دائرة واسعة تتحمل المزيد من الاجتهاد والرأي ما يفضي بالضرورة إلى صياغة أفكار خلاقة دوماً حول شكل السيادة، وحدود السلطة، ومقدار تكاملهما وتفاعلهما في مثل هذه الظروف التي تواجه فيها الأمة العربية أشكالاً ومصادر متعددة للانقضاض على وجودها وسيادتها ومستقبلها. 

الاثنين، 1 ديسمبر 2014

بحث في نشأة الدولة الإسلامية

بحث في نشأة الدولة الإسلامية

 



صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية كتاب "بحث في نشأة الدولة الإسلامية" للدكتور فالح حسين.

وجاء في تعريف الكتاب ما يلي:

محور الدراسة في هذا الكتاب، هو الحديث عن الظروف التي نشأت فيها الدولة الإسلامية، والمؤشرات الدالة على هذه النشأة. أما الإطار الزمني فهو الفترة الواقعة بين الهجرة النبوية إلى يثرب (المدينة) والفترة الممتدة حتى أواسط القرن الأول الهجري.

وقد تركّز الحديث على توضيح وإبراز أهم المؤشرات التي تصبّ في صلب مسألة ولادة الدولة أو السلطة، التي أنتجت إدارة وجهاز حكم جديدين. ويفترض المؤلِّف أن النجاح السريع للإسلام، ديناً ودولة معاً، مدين بعد ظهوره بفترة وجيزة لتهميش الجزيرة العربية سياسياً وعسكرياً، لأن الحجاز، مهد الإسلام، والجزيرة بشكل عام، بقيت بعيدة عن خطر الدول المجاورة القوية، ثم عدم وجود سلطة الدولة القمعية في البيئة التي ظهر فيها الإسلام.

دراسة ترتكز على مؤشرات سياسية، ومؤسساتية (كإنشاء الديوان وإقرار العطاء، وتنظيم الضرائب) ومؤشرات مادية، كضرب النقد، إضافة إلى الوثائق المادية: الوثائق على النقوش الحجرية، والوثائق البردية.