الثلاثاء، 24 ديسمبر، 2013

عبرة وذكرى - الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده

عبرة وذكرى - الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده

سليمان البستاني



جاء إعلان الدستور من جانب السلطان عبد الحميد الثاني عام 1877، في بداية عهده، تعبيرا عن انتصار للجهود التي بذلها على امتداد عصر التنظيمات مجموعة من رجال الإدارة الذين تمكنوا من تحديث القوانين والتعليم ومؤسسات الحكم، ونقلهم مركز القرار من السلطان إلى أيدي الحكومة، وكان إعلان الدستور بمثابة التتويج لجهودهم، وطموحهم إلى تحديث النظام السياسي العثماني وفقا للأنظمة المعمول بها في أوروبا.
وبالرغم من أن العمل بالدستور، وما نتج عنه من انتخاب ممثلين للأمة العثمانية من أديان مختلفة مسلمين ومسيحيين ويهود، وعناصر منوعة: أتراك وعرب وأكراد وأرمن وغيرهم، لم يدم أكثر من سنة واحدة، إذ عمد السلطان إلى تعليق العمل به، ما نتج عنه العديد من الصراعات والتناقضات والبرامج خلال العقود الثلاثة التالية وحتى إعادة العمل بالدستور إثر انقلاب عام 1908 ، ووفقا لما يورده سليمان البستاني في كتابه الأشهر" عبرة وذكرى أو الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده" الصادر عن "رؤية" للنشر، بتحقيق ودراسة خالد زيادة، كان من الآثار الكبرى لإعلان الدستور عام 1876 إطلاق الحياة السياسية في الدولة العثمانية، والأفكار المستمدة بشكل أساسي من مبادئ الثورة الفرنسية وخصوصا فكرة الحرية بمعناها السياسي، بل شهدت الدولة العثمانية بروز التيارات، فبالإضافة إلى التيار المحافظ الذي مثله السلطان، فإن تيار تركيا الفتاة ضم أتراكا من المفكرين والشعراء والصحافيين، أمثال: إبراهيم شناسي، ونامق كمال، بالإضافة إلى عرب من أمثال مصطفى فاضل وخليل غانم ومحمد روحي الخالدي، ونشأت معارضة اتخذت من مصر ومن عواصم أوروبا مسرحا لها.
يرصد الكتاب تطور الحياة السياسية في الدولة العثمانية مع نشوء حزب الاتحاد والترقي الذي انتسبت إلى خلاياه السرية مجموعات من العسكريين الذين تحركوا في "سالونيك" فكانت حركتهم بمثابة الشرارة التي أعادت العمل بالدستور، كما يلقي الضوء على كيف أضحى دستور 1876 مرجعية لكل المعارضين الذين نادوا بإعادة الحياة الدستورية، بعد أن تجمعت الاتجاهات المشتتة حول هذا المطلب الرئيسي، بل إن التيار التحرري استمد مشروعيته من مطالبته بالدستور، وهكذا فإن الحياة السياسية في سائر الولايات انجذبت إلى سياسة عثمانية جامعة لم تكن قائمة من قبل، ما يفسر كيف أن تحديث الدولة العثمانية أصبح مطلبا مشتركا بين أبناء العناصر والأديان التي تتألف منها الدولة، وأسهم في ذلك انتشار التعليم وافتتاح المدارس ونشوء طبقة من المتعلمين التي تنشد الإصلاح والتغيير، ولا يخفى أن عهد السلطان عبد الحميد الذي كان هدفا لدعاة الحرية والدستور، شهد انتشار المدارس الرسمية في أرجاء الولايات العثمانية وازدياد الإرساليات، كما شهد نموا عمرانيا واتساعا للأنماط الثقافية العصرية، ومدا للسكك الحديدية، وانتشارا للعلاقات التجارية الرأسمالية، فالتشدد السياسي في عهد عبد الحميد قابله انفتاح على التحديث في مجالات الاقتصاد والاجتماع والثقافة كافة.
يشيد الكتاب بنجاح دعاة الدستور من الليبراليين العثمانيين في التوحد حول شعار مناهضة "الاستبداد" والمقصود به السلطان وحكومته وشرطته، بعد أن دارت الحياة السياسية خلال ثلاثة عقود على مفردتين: الدستور والاستبداد، وأضحى الدستور والعمل به بمثابة الانتهاء من الاستبداد، وقد تأثر التيار السياسي الدستوري بالأفكار الأوروبية المعاصرة في نهاية القرن التاسع عشر، فكانت تركيا الفتاة صدى لألمانيا الفتاة وإيطاليا الفتاة، وتأثر نقد الاستبداد بكتابات ظهرت في العديد من الدول الأوروبية في تلك الآونة، وكان الكتاب الليبراليون على دراية بتاريخ الثورة الفرنسية، ولذا رأوا في السلطان العثماني تجسيدا للملك الفرنسي المطلق السلطة، الذي أطاحت به الثورة الفرنسية الكبرى 1789 ، وتراوحت الاتجاهات الجديدة بين التأثر بأفكار الحرية الفرنسية، وبين المحافظة على مبادئ الإسلام التي لا تناقض الحرية والشورى والدستور.
دفع سليمان البستاني بكتابه إلى المطبعة في الأشهر القليلة التي أعقبت الانقلاب الدستوري في يوليو 1908، ليعبر عن الآمال التي علقها دعاة الحرية والدستور، ويرى البستاني أن الانقلاب كان بمثابة معجزة، وأنه منوط به تحقيق رغد العيش للعثمانيين، وفك عقال الفكر واللسان، وإطلاق عنان التجارة والصناعة، وتمهيد سبل التجارة واستخراج ثروة البلاد الدفينة، وإصلاح جباية الأموال ومالية البلاد، مما يمكن الدولة العثمانية من مواكبة التقدم الذي نالته الأمم، وما حدا بكتابه أن يأتي على شكل برنامج إصلاحي شامل، يتناول نواحي الحياة والمجتمع كافة التي على الحكومة الجديدة أن تشملها بالتدبير والتنظيم، ولا غرو أن يرى البستاني أنه ليس ثمة فرق بين دستور 1908 ودستور 1876 إلا إذا قُصد بالدستور الجديد الحكم النيابي على الطراز الحديث، حيث تحكم الأمة نفسها بنفسها، مع حفظ حقوق الخليفة الأعظم، وتتضافر على إنفاذ مضمون الدستور النظامي حرفا حرفا، وبعد أن يوضح البستاني معنى الدستور فيما يتعلق بحرية الفرد الشخصية، وحرية التعبير والصحافة، يتحدث عن حرية التعليم في فصل مستقل، فيما يشدد على حريات التأليف بدون قيود، والمكاتبات البريدية، والانضواء في الجمعيات، نابذا العمل بنظام "الخفية" الجاسوسية على الأفراد، ونبذ أشكال التعصب الديني والعنصري، فعلى المسيحي أن يعلم أنه مقيم في أرض نشأ فيها أجداده، ولا سبيل أمامه إلا أن يكف البصر عن التطلع إلى أوروبا، وأن يلقي يده في يد أخيه المسلم لإعلاء شأنهما وشأن البلاد التي نشأ فيها، وعلى هذا يبشر الكتاب بنهضة شاملة بالتوحد واستغلال الموارد ودعم الصناعة والزراعة والتجارة، وعلى عكس الآمال العريضة التي تفاءل بها سليمان البستاني فإن الانقلاب الدستوري كان فاتحة لصراعات داخلية وهزائم عسكرية، وتبلور نزعات قومية، وتفاقم التدخلات الأجنبية في الولايات العثمانية، وإذا كان البستاني قد بقي أمينا لأفكاره فإن اندلاع الحرب العالمية زاد في أزمات الدولة، وكان دخول الفريق الحاكم في استانبول الحرب إلى جانب ألمانيا بمثابة العلامة على هزيمة الدولة النهائية وانهيارها.
يبقى أن البستاني شخصية أدبية وسياسية لبنانية بارزة وقد عرف بصفته مترجماً للإلياذة في ست عشرة سنة، وشارك في تحرير دائرة المعارف، وعرف بموسوعيته  على عادة متنوري القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وكان ملماً بعلوم الفيزياء والكيمياء والطب، واشتهر برحلاته إلى العراق والآستانة والقاهرة والولايات المتحدة الأميركية التي توفي فيها بعد رحلة علاج عام 1925




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق