الاثنين، 31 مارس، 2014

الغياثي - غياث الأمم في التياث الظلم

غياث الأمم في التياث الظلم

الغياثي






تقديم للدكتور محمد العبدة

لم تكن موضوعات السياسة الشرعة والحكم غائبة عن نظر علماء المسلمين في العصور الأولى، وإن لم يدونوها في كتاب مستقل، فالدولة الإسلامية التي نشأت في المدينة لم تنقطع بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي دولة بكل ما تعني الكلمة من مدلولات سياسية، وقد تحدث القرآن طويلاً عن العدل والظلم وعن الشورى والتمكين، قال تعالى: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة. وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر.." الحج/41 وقال تعالى: "ولقد مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء.." يوسف/56 كما دوّن علماء الحديث الآثار المروية عن الرسول (ص) حول الإمرة والأميروالإمام العادل والسمع والطاعة في غير معصية، وكتب العلماء مبكراً عن (الخراج و(الأموال) وعلاقات السلم والقتال، والعلاقات الدولية في كتب (السير)وقد أصل الإمام الشافعي لموضوع الإجماع وخاصة إجماع الصحابة على مبدأ الإختيار بالنسبة للخلافة ،

في نهاية القرن الثالث الهجري وبداية القرن الرابع وفي معترك الصراع بين الخلافة العباسية السنية وتسلط البويهيين الشيعة وظهور نظريات حول الإمامة من قبل الفرق الأخرى كالإسماعيلية ، في معترك هذا الصراع كتب الإمام الماوردي الفقيه الشافعي كتابه ( الأحكام السلطانيه ) ولكنه كان يؤصل ويكتب تحت ضغط الواقع ، واقع نفوذ الأسرة البويهية على الخلافة ، وكذلك تشظي الخلافة العباسية بظهور أمراء الإستيلاء في مناطق مختلفة والإرتباط الشكلي بالخلافة . كانت محاولته أقرب للإعتراف بالواقع وإنقاذ مايمكن إنقاذه والحؤول دون سقوط هيبة الخلافة وتحت ضغط هذا الواقع كتب عن إمارة الإستيلاء وولاية العهد وشروط الوزارة مسوغا لأمور يراها من باب الواقعية . ثم جاء الإمام الجويني وكتب في السياسة الشرعية ( غياث الأمم في التياث الظلم ) فكان فيما كتب أكثر أصالة وبعدا عن التأثر بمناهج وآراء الأمم الأخرى ، وغير متـأثر بآراء الفلاسفة أو المتكلمين ( ) وتتابعت الكتابات في هذا الشأن ومن أهمها ( سراج الملوك ) للطرطوشي و ( السياسة الشرعية ) لابن تيمية والتفت فيه إلى التأصيل الشرعي والنواحي العملية،وأما ما كتب بعد القرن الخامس عن تدبير الممالك ونصائح الملوك، أومايسمونه ( مرايا الملوك ) فهي جمع من حكم الفرس أو الهند ولا تعبّر عن السياسات الشرعية،وأكثرها كتب لتثبيت سلطة هؤلاء الحكام والغريب أن يذهب هؤلاء الكتاب إلى (الفرس) و (أرد شير) ويجمعون حكمة من هنا وحكمة من هناك، ولماذا لم يتعبوا أنفسهم ويؤصلوا للسياسة الشرعية من القرآن والسنة وتجربة الخلفاء الراشدين، ولا مانع بعد ذلك من الاستفادة من تنظيمات بشرية سياسية وإدارية.

تميز كتاب الغياثي للجويني بأنه بعد أن أصل لموضوع الحكم ووظائف الدولة افترض حالتين يمكن أن تقعا للإمة الإسلامية : أولا : حالة عدم وجود إمام للمسلمين ، ثانيا : عدم وجود الأئمة المجتهدين أوالمفتين الموثوقين ناقلي المذهب

فكيف يكون حال المسلمين، وكيف يتصرفون! ولم يكن – رحمه الله – ممن يفترض الافتراضات الخيالية  أو يمارس رياضة ذهنية، بل كانت التجربة والملاحظة والنظر في واقع المسلمين في عصره هو الذي حدا به إلى هذه الإفتراضات ليضع لها الحلول المناسبة، يقول: "إني وضعت هذا الكتاب لأمر عظيم فإني تخيلت الشريعة وانقراض حملتها وعاينت في عهدي الأئمة( 6) ينقرضون ولا يخلفون والمتسمون بالطلب يرضون بالاستطراف ، مطلبهم مسائل خلافية يباهون بها


وهو سفر كبير، لا بد من الاستفادة منه ونحن نعاني ما نعاني، ونتلمس طريق النهضة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق